مقابلة التي أجرتها منظمة الحقيقة مع د. عدنان عويّد

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

 

مقابلة التي أجرتها منظمة الحقيقة مع د. عدنان عويّد

 

نرحب بكم دكتورنا العزيز الدكتور عدنان عويد:

1) مع تقّدم الجيش السوري على جميع الجبهات هل ترون أن الأزمة السورية وصلت إلى نهايتها؟

     بداية أنا أتقدم لكم بجزيل الشكر على هذا اللقاء, وهذا يدل على مواقفكم النبيلة اتجاه الإنسان بشكل عام أولاً, واتجاه كل ما يساهم في نهضة الشأن الإنساني وفي مقدمته إنساننا العربي ثانياً.

     ج1- لا شك أن الأزمة السورية ليست عادية, وليست عابرة, وما استمراريتها حتى اليوم إلا دليلاً على أنها أزمة معقدة ومركبة, تداخل فيها السياسي (داخلياً وخارجياً), مع الثقافي والاقتصادي والاجتماعي والديني, ولا نبالغ إذا قلنا إنها أزمة استطاعت أن تدخل حتى في البنية النفسية والأخلاقية لأفراد المجتمع السوري بشكل عام, الأمر الذي شكل من هذه الأزمة حالة استعصاء  بحاجة لفك وإعادة تركيب. لذلك من هنا أقول : إن حل الأزمة لا يتعلق بالجانب العسكري وحده, بل هو يتعلق بكل مكونات وتداخلات هذه الأزمة التي ولّدت عبر سيرورتها الطويلة هذه, أزمات أخرى, أو أضافت أزمات أخرى هي بحاجة لحل, مثل أزمة المهجرين, والمعاقين, والمدمرة والمعفشة بيوتهم, وهم اليوم بلا مأوى, إضافة إلى الأزمة الثقافية والفكرية - وهي الأهم برأيي - التي يعيشها المواطن السوري بسبب ما جذرته القوى الأصولية من فكر سلفي تكفيري عند مئات الألوف من الشباب السوري الذي حمل السلاح أو تخلى عنه تحت ظروف مصالحات ليس هنا مجال لطرحها, ولكن ما يهمنا الاشارة إليه في هذه المسألة الفكرية التي ساهمت قوى أصولية داخل سورية منذ سنين طويلة في الاشتغال عليها وبثها في عقول الكثير من المواطنين السوريين, حتى جاءت هذه الأزمة لتفجرها سلوكاً, عُبر عنه بأشكال من العنف والتعصب والرفض للمختلف غير مسبوق في تاريخ الصراعات الدينية أو العرقية أو الاقتصادية أو السياسية .

     إن الأزمة الحقيقة, هي كيفية تخليص أو تنظيف عقل المواطن السوري من جرثومة السلفية التكفيرية التي لم تزل المؤسسة الدينة في سورية تعمل على تغذيتها, مع غياب فاضح للفكر العقلاني التنويري, أو في استمرارية إقصائه عن الساحة الثقافية.

 

     (2) أنتم من محافظة دير الزور العزيزة، هل تعتقدون أن داعش تركت أثراً لها في نفوس الناس هناك؟، ثم ما هي الآثار التي تركها تواجد داعش على الأطفال  في تلك المناطق؟

ج2- لقد مر على محافظة ديرالزور كل من تنظمي النصرة وداعش, وكلا التنظيمين يرتبطان بالقاعدة رغم ما جرى بينهما من خلاف على مواقع النفوذ وليس على معطيات الأيديولوجيا, كون الفكر السلفي التكفيري الجهادي هو القاسم المشترك بينهما.  والمؤسف فعلاً أن الكثير من أبناء محافظة ديرالزور وخاصة في الريف كان مرتبطاً بهذين الفصيلين من القاعدة, لذلك لم يكن هناك صعوبة في انتشار النصرة اولاً ثم داعش ثانياً, بعد أخذ الموصل وتمدده باتجاه سورية ثانياً. لقد وجدت داعش الحاضنة الاجتماعية والفكرية في ريف محافظة ديرالزور, وذلك بسبب ما أسست له آلاف الجوامع التي بنيت في سورية بشكل عام, وديرالزور بشكل خاص, حيث كان يعطى في هذه الجوامع عبر مشايخ الدين الفكر الأصولي السلفي الوهابي والأشعري والصوفي بمعظم طرقه تقريباً. بيد أن هذه الحاضنة الاجتماعية والفكرية اصطدم معظم مكوناتها مع قدوم داعش في المحافظة, فمع هذا القدوم الذي امتد ما يقارب الثلاثة سنوات, تفاجئ أبناء المناطق الذين خضعوا لسيطرة داعش بأساليب العنف الذي مورس عليهم من قبل الدواعش بإسم الدين. فنظام الدواعش كان نظاماً يقوم على الأخذ بالشكل بالنسبة لمفاهيم الإسلام أكثر من المضمون. فعقلية وسلوكية وشكل أهالي القرون الهجرية الثلاثة الأولى راح يطبق على أهالي المنطقة تحت سلطة السوط والسكين والطلقة. فكل من لا يطول لحيته ويحف شاربه وكل من يدخن أو لا يذهب إلى الصلاة عند سماع الآذان هو كافر وخارج عن أصول الدين التي بشر بها ومارسها سلفنا الصالح, وهذا ينطبق على المرأة أيضاً فكل فتاة أو امرأة لا ترتدي الجلباب والدرع وغطاء الوجه ولا يكون معها محرم في سفر هي كافرة. وبالتالي فرضوا قانون (كل جديد بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) على كل من خضع لسلطتهم.

     إن كل هذه السلوكيات الداعشية المنافية لروح حركة الزمن وتطوره فرضت حصاراً جسدياً وروحيا وأخلاقياً على المواطنين, ولكن قسوة داعش وعنفها أرغمهم على السكوت والرضا وتطبيق ما يؤمرون به.

     أما بالنسبة للأطفال فقد عملوا للكثير منهم مسح عقول من خلال بث الفكر السلفي التكفير في عقولهم. وكثيراً ما كنوا يجندونهم عند المعارك ضد الجيش العربي السوري, حيث كانوا يقاتلون بشراسة وإيمان لا غبار عليه من أن ما يقومون به هو عين الحقيقة وهي محاربة الكفار الذين يخضعون للنظام أو يتعاملون معه.

     عندما خرجت داعش من ريف ديرالزور عاد الكثير من المواطنين إلى حياتهم السابقة, وإلى قناعاتهم الحقيقة بالحياة وفهمهم لها, لذلك عادت الحياة إلى طبيعتها في الشكل على الأقل, أما المضمون فهو بحاجة لثورة ثقافية حقيقة كي يتخلص الناس من أمراض المرحلة الداعشية وما قبلها, وأقصد هنا التفكير الديني السلفي الذي ساهم كثيراً كما بينا أعلاه في تفعيل هذه الأزمة السورية.

 

     (3) من ناحية القانون الدولي كيف يمكن ملاحقة مجرمي الحرب الذين ارتكبوا جرائم إنسانية ضد الشعب السوري؟

     ج3- وفقاً للقانون الدولي الإنساني, جرائم الحرب ليست هي الجرائم التي تقوم على القتل والتصفيات الجسدية. وهذه تتحملها داعش والنصرة وكل من مارس القتل بحق الاخرين من الفصائل المسلحة. فجرائم الحرب تتعلق أيضاً بمن يمارس التجويع واستغلال ظروف الحرب على المحاصرين والعزل من أجل الحصول على شهوة المال والجنس. وهذه للأسف مورست علينا في ديرالزور من قبل تجار الأزمات والحروب ومن يساندهم من الفاسدين في الدولة أو السلطة.. أنا أحد المحاصرين الذين لم يغادروا ديرالزور , لقد تعرض أكثر من مئة ألف مواطن من أبناء ديرالزور المحاصرة إلى القتل والتدمير من قبل تنظيم داعش أولاً, وتعرض العدد نفسه للتجويع والمتاجرة بلقمة عيشه من قبل تجار الأزمات والفاسدين في السلطة ممن كان يدعمهم ويحميهم ويوفر لهم سبل استغلالنا. لقد نهبوا كل مدخرتنا حتى أصبح الواحد منا على الحديدة كما يقال. ولقد أشرت إلى دور هؤلاء على قناة سما الفضائية وطالبت باسم مئة ألف مواطن أن يشكل السيد الرئيس لجنة لتقصي الحقائق ومعرفة حالات القهر والظلم والابتزاز التي مورست علينا أثناء الحصار. لقد قام هؤلاء المجرمون بتبيض أموالنا المسروقة والمغتصبة بعد فك الحصار, من خلال فتح المحلات التجارية وشراء العقارات وغير ذلك من مجالات. هذا الذي وقع علينا هو جرائم حرب حقيقية يجب أن يحاكم من مارسها بحقنا. 

 

      (4) أنتم في دير الزور عشتم حصارا خانقا من قبل داعش ومن قبل المجموعات الإرهابية المسلحة هل تستطيعون وصف حجم المعاناة في تلك الأيام؟

     ج4- ربما الوحيد الذي وثق في ديرالزور المحاصرة ما جرى هو أنا. إن ما جرى علينا من قهر وظلم وخوف وقتل وتدمير لمنازلنا وسرقة لأثاث بيوتنا واستغلال حاجتنا للماء والكهرباء والطعام لا يوصف حقاً. فبالنسبة للماء الذي هو سر الحياة كانت المياه أحيانا تصلنا مرة بالأسبوع. وهي لا تصل إلى الطابق الأول الفني, فتصور شدة المعاناة في نقل المياه عن طريق  الأواني إلى الطوابق العليا. فكثيراً من النساء هبط الرحم لديهن وأصابهن الفتاق. هذا عدا المعاناة الجسدية للأطفال والنساء والرجال والشباب الذين يضطرون الذهاب إلى نهر الفرات لتأمين المياه لبيوتهم التي لا تصلها المياه. علماً أن المياه ملوثة وقد انتشر الكثير من الأمراض عند المواطنين بسببها.

     أما الكهرباء .. لقد انقطع التيار الكهربائي لمدة ثلاثة سنوات تقريباً, حيث عاد فيها المواطن إلى الإنارة بالوسائل البدائية, أو عن طريق استخدام البطاريات واللدات. فتصوروا حالة أي إنسان يعيش ثلاثة سنوات بدون كهرباء ماذا سيحل به.؟!

     أما الغذاء, فله حكايات ليس لمآسيها حدود.. لقد كانت المواد الغذائية تدخل إلى المدينة المحاصرة, ومصدرها الدواعش, ومورديها تجار الدم ولقمة العيش, أسعارها لا تصدق , فكيلو الشاي وصل إلى اربعين ألف ليرة سورة, وعلبة رب البندورة (800غ) سبع آلاف ليرة سورية, وكيلو السمنة عشرة آلاف ليرة سورية. وكيلو السكر سبع آلاف ليرة سورية وقس على ذلك...لقد أصبح المواطن يشتري حاجاته بالغرامات بسبب الغلاء وقلة المال. ولولا رواتب الدولة التي لم تنقطع لأكل الناس بعضهم. وهذه تسجل للدولة التي حاولت تأمين حاجات المواطنين, إلا أن الفاسدين من المسؤولين حال بين هذه المساعدة والشعب.

     أما بالنسبة إلى الخضار والفواكه , فكيلو (الفجل الف ليرة ), والباذنجان ثلاثة آلاف ليرة سورية, والبندورة الفان وخمس مائة ليرة وكذا الخيار للكيلو الواحد. والفواكه هي فقط للصوص والحرامية وتجار المخدرات .

    لقد جاع المواطنون رغم المساعدات الغذائية التي تقدم من الهلال الأحمر كل شهر ونصف. فبالرغم من أن هذه المساعدات تُؤكل خلال الأسبوع الأول من توزيعها, إلا أن المشكلة الكبرى هي كيفية طبخ هذه المواد الغذائية (عدس فاصولياء برغل ). لقد كان تجار الدم يبيعونا لتر المازوت بألفين وخمس مائة ليرة, وسعر كيلو الحطب بثلاثة مائة ليرة ويزيد . وبالتالي كان طبخ الغذاء يكلف أكثر من خمس آلاف ليرة وقود فقط, هذا عدا الملح والبهارات والسمنة أو الزيت إلخ.

      لقد كان الدواء قليلاً جداً ويباع بالسوق السوداء بأسعار باهضة... الناس فقدت أوزانها الحقيقة كجسد. وكثير منهم كان يغمى عليهم بالشوارع من الجوع وقلة العناية الطبية... الخبز كان يباع لنا بمواصفات لا تأكلها الدواب, التعليم وصل إلى الحضيض. والجامعة كادت أن تغلق بسبب خروج الكوادر العلمية نتيجة القذائف الداعشية وغلاء الأسعار. غابت القيم الأخلاقية فانتشرت الدعارة وتعاطي المخدرات. وهناك الكثير الكثير الذي لا يحكى. 

 

     (5) هل فشل مجلس الأمن الدولي بحماية السوريين؟، وهل ترون ضرورة لتغيير جذري في قواعد الأمم المتحدة ومجلس الأمن؟

     ج5- أي مجلس أمن هذا, وأية حقوق إنسان.. نحن في عالم القوي يأكل فيه الضعيف. مجلس الأمن وجمعية حقوق الإنسان هي ليست أكثر من أدوات بيد الدول العظمى بشكل عام, وأمريكا لوحدها بشكل خاص. إن تركيبة الجمعية العامة للأمم المتحدة بكل منظماتها تركيبة لم تعد تخدم الإنسان ولا الدول الفقيرة. والقذافي رغم ما فيه من عاهات كان على حق في تمزيق دستور هذه المنظمة الدولية.

 

     ( 6) هل ترون إمكانية لعودة سورية إلى ما قبل الحرب؟

     إذا عادت سورية إلى ما قبل الحرب, فهذا يعني العودة إلى المربع الأول. إي إلى الدولة الشمولية التي يحكمها حزب واحد وجبهة تقع تحت إمرته. وإذا كانت العودة فعلاً إلى المربع الأول فعلى سورية السلام.

     يقول المثل الشعبي (الثالثة ثابتة), فإذا كانت سورية قد سلمت من أحداث الثمانينيات من القرن الماض في المرة الأولى, وها هي تسلم في هذه الأزمة الثانية التي نعيش نهاياتها ثانياً, ففي المرة الثالثة لن تسلم سورية من التقسيم والضياع.

     إن سورية دولة متعددة الطوائف والمذاهب والديانات والأعراق. ومثل هذه الدول لا تحكم بنظام شمولي. وأعتقد أن إلغاء المادة الثامنة من الدستور يؤكد بأن الرسالة قد وصلت إلى القيادة السورية. إن سورية لا يمكن أن تحكم إلا بالعلمانية والديمقراطية. فإذا كانت العلمانية هي الدولة المدنية, التي تعني دولة المواطنة والمؤسسات والتعددية السياسية وتداول السلطة واحترام الرأي والرأي الآخر, إضافة إلى سيادة الفكر العقلاني التنوير في مؤسسات الدولة, وأخيراً فصل الدين عن الدولة. فإن الديمقراطية هي المشاركة الشعبية لكل مكونات الشعب في إدارة الدولة والمجتمع دون فرض وصاية عليه, أو تسويات رضائية لمكوناته. إن تطبيقاً عقلانياً للعلمانية والديمقراطية كفيل بوضع سورية على الطريق الصحيح الذي سينجي شعبها من حرب أهلية يتدخل فيها القاصي والداني, وستأكل هذه المرة إذا حصلت, الأخضر واليابس معاً.

شكرا جزيلاً

رابط موقع (منظمة الحقيقة)

http://ar.truthngo.org/