اخر الاخبار:
العراق يسجل 3325 اصابة بكورونا - السبت, 08 آب/أغسطس 2020 19:53
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

كـتـاب ألموقع

اين التقينا؟// حسين السنيد

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

 

الموقع الفرعي للكاتب

اين التقينا؟

حسين السنيد

 

في ركن منسي من البلاد, هناك قرية تدعى قرية البتران. وهذه القرية الحدودية كانت ميدانا للمعارك الدامية مع البلد الجار لسنين طويلة. لا يتذكرون اهالي قرية البتران كيف ولماذا نشبت الحرب, ولكنهم يذكرون جيدا كيف انتهت. وفي الحقيقة لم تكن الحرب انتهت تماما في هذه القرية, بل تركت اطفالا بشعين مخفيين في طرقها ومزارعها. واخفتهم بشكل جيد تحت الارض. اذ لسنين طويلة بعد انتهاء الحرب كانت تنفجر الالغام النائمة المتروكة على اهل هذه القرية, فتحصد ارواحهم او تبتر اقدامهم او اياديهم اذا كانوا محظوظين.

تمطر مزنة عابرة .. فتنفجر الالغام الزاحفة مع المياه على جرف النهر بوجه فتاة جائت لتغسل ملابسها, او يأتون عمالا من المدينة ليكسون شارعا فيه المدرسة الوحيدة في القرية فينفجر عليهم لغم, او يذهبون اطفال القرية ليلعبون في مزارع اطراف القرية  بين النخيل والسنابل فيجدون لغما عجوزا بانتظارهم وينتهي يوم اللعب بصوت انفجار يصل الى مسامع ابائهم من بعيد.

وهكذا كل ساكن في هذه القرية فقد جزءا من جسمه اثر انفجار لغم قديم .. ولذلك سميت بقرية البتران.

ومع مرور الزمن وتوالي السنوات, صاروا ينجبون اطفالا بتران ايضا!! ربما بسبب طفرة جينية او وراثة من الاباء او اي سبب بايلوجي آخر, وربما ابائهم كانوا ينامون مع الالغام في الفراش والامهات الحوامل تتوحم الالغام! لا اعرف سببا واضحا لهذا, ولكن الاطفال بدأوا يولدون بيد ناقصة او برجل واحدة.

واذا وقفت امام باب المدرسة في وقت الظهر سترى اطفالا يخرجون بقدم واحدة, يتقافزون مثل افراخ الارانب او يحملون حقائبهم بيد وحيدة والبعض منهم كانوا بدون اقدام اصلا ويزحفون على الارض مثل الديدان.

وذات فجر بارد, ولد طفل وكان الطفل مشوها. وكما تعرفون فان الاخبار تنتقل بسرعة البرق في مثل هذه القرى الصغيرة. في غضون ساعات قليلة انتشر خبر ولادة الطفل المشوه في القرية ورحن النساء يتكلمن بحماس ويشكرن الرب لان ولدن اطفالا بصحة تامة وخلقة كاملة, وفي اليوم الثاني كان الطفل المشوه اصبح حديث القرية الحار والكل يتكلم عن مدى بشاعة هذا الطفل المشوه والذي ولد بيدين ورجلين!!

لطمت ام الطفل وجهها وخمشته حتى ادمته, وحزن الاب حزنا شديدا وفضل ان يترك القرية لايام خجلا وخوفا من مواجهة الرجال. في النهاية لم يكن في يد الوالدين حيلة, كان عليهم ان يواجهوا مصيرهم بالاهتمام بهذا الوليد المشوه ذا القدمين واليدين.

 

بعد سبع سنين ..

وقف ذلك الطفل المشوه على ابواب المدرسة, تسمر كل الطلاب وراحوا ينظرون بذهول معجون بخوف لهذا المخلوق, الذي كان له رجلين ويدين ويستعين بعكازتين للمشي!

وهذا اليوم كان آخر يوم لي في القرية .. قرية البتران, فسبع سنين قضيتها طبيبا في مستوصف القرية الصحي كانت كافية ليوافقوا على طلب نقلي للمدينة وان يرسلوا طبيبا تخرج للتو بدلا عني. ربما بعد سنين سارجع زائرا لهذه القرية لارى الطفل المعاق, وساصرخ في وجهه, ارم عكازتيك!

وانت يا قارئي الكريم.. ان وجهك ليس غريبا علي ابدا, اين التقينا يا ترى؟ اين رأيتك؟ ..دعني اتذكر .. ها ..ها ..الم تكن انت احد اهالي قرية البتران؟ ارني قدمك ..هل لك قدما مبتروة ؟ او انك تمشي على عكازتين؟

 

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.