اخر الاخبار:
الصحة تعلن عدد الإصابات الجديدة بكورونا - الخميس, 09 نيسان/أبريل 2020 17:22
البصرة تسجل 8 اصابات جديدة بكورونا - الخميس, 09 نيسان/أبريل 2020 10:56
رحيل المفكر والمؤرخ د. جودت القزويني - الأربعاء, 08 نيسان/أبريل 2020 19:03
شفاء 10 مصابين بكورونا في محافظتين عراقيتين - الأربعاء, 08 نيسان/أبريل 2020 11:27
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

كـتـاب ألموقع

• مدخل لدراسة الشعر الفلسطيني في إسرائيل 1948 ـ1967 – (الحلقة 4) -/ بقلم: سليمان جبران

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

مدخل لدراسة الشعر الفلسطيني في إسرائيل 1948 ـ1967 – (الحلقة 4)


بقلم: بروفسور سليمان جبران

4- الملامح الفارقة في شعر الفترة

في هذه الظروف الاستثنائية: أقلية قوميّة تحت حكم الآخر، وحكم عسكري لا يعرف قانونًا ولا يعترف بحقوق، وقطيعة شبه تامّة عن العالم العربي، واصل الفلسطينيون في إسرائيل حياتهم وإنتاجهم الأدبي أيضًا، وبخاصة الشعر، باعتباره أكثر الجوانر الأدبية تلقائيّة واستجابة للأحداث. لذا كان من الطبيعي أن يتميّز الشعر الذي كُتب في فترة البحث، بشكل أو بآخر، عمّا كُتب في العالم العربي من شعر وأدب عامّة، ومن هنا كانت "المفاجأة" حين اطلّع الأدباء والنقّاد العرب في الستينات على شعر يختلف عمّا عرفوه وألفوه من حولهم، فغالوا تبعا لذلك في تمجيده وإكبار مبدعيه. نسارع إلى القول هنا إنّ هذا الشعر لم يتميّز فنيًا عمّا كتُب في العالم العربي في الفترة ذاتها، بل إنه في الواقع ظلّ مقصّرًا عن الإنجازات الإيقاعية والأسلوبية التي حقّقها الشعر العربي في أواخر الأربعينات وفي الخمسينات، ولذا فإن التميّز المقصود هنا هو تميّز إيديولوجي مضموني في أغلب الحالات.

يفسّر محمود السمرة، مثلا، في "الآداب"البيروتية، سرّ شيوع هذا الشعر في العالم العربي بعد حرب 67 خاصّة، فيشير بحقّ إلى تميّزه المضموني بالذات، قائلاً: "وقد شاع هذا الشعر في أنحاء العالم العربي وانتشر، لأنه يعبّر عن عنف المأساة، وإرادة لا تلين في محاربة المحتلّين، وإيمان بأن الليل لا بدّ أن ينفلق أخيرًا عن صباح منير، وعندما انتشر بيننا هذا الشعر، بعد حرب يونيو (حزيران) كان له أثر كبير في بثّ الثقة بالنفس، في وقت كنّا فيه بحاجة إلى ما يرفع من معنوياتنا [...] ويبدو لي أن استجابتنا وحماستنا لهذا الشعر مردّهما أيضًا إلى أنّنا وجدنا فيه صورة للإنسان العربي الجديد الذي طال انتظارنا ليوم مولده" ("الآداب" البيروتيّة، 11/1969، ص 12؛ وانظر أيضًا عطوات 1998، ص. 239). ثمّ إنّ الشعر المقصود بهذا الحكم هو الشعر المناهض للسلطة طبعًا، أو ما اصطلح على تسميته "شعر المقاومة"، ذلك أنّ قصائد أخرى كثيرة كُتبت، ومجموعات شعريّة صدرت، لا تحمل هذه السمات التي سنحاول الوقوف عليها بالتفصيل، من قريب أو بعيد.

لعلّ أبرز سمات الشعر الفلسطيني في فترة البحث هو الطابع اليساري الواضح في معظم ما نُشر من شعر وطني. أشرنا في كتابنا عن الشعر الفلسطيني في عهد الانتداب، إلى تنامي المنحى اليساري في هذا الشعر، وفي نتاج عبد الرحيم محمود وعبد الكريم الكرمي بوجه خاصّ ( سليمان جبران: "نظرة جديدة على الشعر الفلسطيني في عهد الانتداب"، سلسلة منشورات الكرمل 9 ، جامعة حبفا، حيفا 2006، ص. 101-103؛ 124-129)، إلا أنّ هذا المنحى في فترة البحث غدا أكثر وضوحًا وأبعد أثرًا، بحيث يمكننا القول إن الشعر العربي المعاصر لم يشهد مثل هذه الهيمنة اليسارية في أيّ قطر من الأقطار العربية خلال العصر الحديث. فقد تهيّأت للحزب الشيوعي الإسرائيلي والفكر الماركسي/اليساري ظروف فريدة بين الفلسطينيين في إسرائيل، موضوعية وخاصّة، تضافرت جميعها في بسط نفوذ الحزب، السياسي والثقافي والأدبي، إلى أبعد الحدود. كلّ الاضطهاد والحصار والتقييدات والملاحقات والتنكيلات عملت، في آخر الأمر، على زيادة نفوذ الشيوعيين، سياسيًا وفكريًا وأدبيًا، بين الفلسطينيين في إسرائيل، خلال فترة البحث خاصّة. في أواخر 1948 أعيد توحيد الحزب الشيوعي الإسرائيلي تحت قيادة يهودية عربية مشتركة، ومع قيام إسرائيل كان الحزب الشيوعي التنظيمَ السياسي الوحيد الذي ضمّ نسبة كبيرة من الأعضاء العرب، فأخذ يمارس نشاطه التنظيمي والسياسي، والفكري طبعًا، بين الفلسطينيين في إسرائيل، وبشكل "مشروع" أيضًا. فقد أقيمت في الخمسينات الفروع الحزبية العديدة في القرى العربية، حتى النائية منها، وأخذت كوادره المتمرّسة تعمل على بسط نفوذه السياسي والفكري. كانت صحف الحزب، "الاتحاد" الأسبوعية، و"الجديد" المجلة الأدبيٍة الشهرية، و"الغد" مجلة الشباب، و"الدرب" مجلّة الحزب النظرية، توزّع بين السكٍّان العرب في المدن والقرى على يد أعضاء الحزب تطوّعًا، علانية حينًا وفي السرّ أحيانًا، بحيث يمكن القول إنّ كلمة الشيوعيين وصلت إلى كلّ بيت تقريبًا. (انظر شتاندك 1972، ص. 107-108؛ جريس 1966، ص. 113؛ عشراوي 1976، ص. 5-6).

ثمّ إنّ الحزب الشيوعي ضمّ في صفوفه مجموعة من خيرة المثقّفين والأدباء والشعراء العرب خلال فترة البحث. معظمهم بالطبع كانوا تلقّوا ثقافتهم، وأخذوا يمارسون نشاطهم الفكري والأدبي في أواخر عهد الانتداب: جبرا نقولا (1906-1974)، إميل توما (1919-1985)، إميل حبيبي (1921-1996)، صليبا خميس (1924-1990)، عصام العبّاسي (1924-1989)، حنا إبراهيم (1927- )، حنا أبو حنا (1928- )، توفيق زياد (1929-1994)، عيسى لوباني (1932-1999). بجهود هؤلاء صدرت الصحافة الشيوعية، من سياسية وأدبية، وانتشرت بين الناس انتشارًا واسعًا، يوزّعها أعضاء الحزب في كلّ مدينة وقرية، حتى بدا صوت الحزب الشيوعي الإسرائيلي في فترة البحث الصوت العالي المهيمن على الساحة العربية، وإنْ لم يكن الصوت الوحيد في النصف الثاني من فترة البحث خاصة. (أبو السعود 1957، ص. 52-52).

كان الحزب الشيوعي أيضًا التنظيم السياسي الوحيد الذي ناهض سياسة الاضطهاد الحكومية وممارسات الحكم العسكري بكلّ أنواعها، فتعرّض لذلك كثيرون من أعضائه وقياداته إلى الملاحقة والتنكيل والسجن في أحيان كثيرة. هكذا بدا أعضاء الحزب الشيوعي العرب كتيبة الصدام الوحيدة في وجه سياسة الاضطهاد والقهر الحكومية، فكسبوا بذلك تأييد معظم المثقّفين والوطنيين؛ سواء كان هذا التأييد علانية أو في الخفاء. لم يكنْ أمام المثقّفين والأدباء إلا أحد خيارين: إمّا الاذدناب للسلطة بتأييد أعوانها من "الزعماء" التقليديّين، وإمّا تأييد الحزب الشيوعي ومواقفه صراحة دونما خوف، وهؤلاء كانوا قلّة في الواقع، أو الإخلاد إلى الصمت وتأييد الحزب سرًا وفي الحلقات الضيّقة. على هذا النحو غدت صحافة الحزب الشيوعي المنبر الوحيد أمام الأدباء والمثقّفين الأحرار، سواء منهم من تعاطف مع الإيديولوجية الشيوعية ذاتها، أو من كان وطنيًا قوميًا يناهض سياسة الحكومات الإسرائيلية وممارساتها ضدّ الأقلية الفلسطينية، رغم كونه بعيدًا فكريًا عن الإيديولوجية الماركسية. من هذا الموقع المتميّز قام الشيوعيون، عن طريق صحافتهم وكتاباتهم ودعايتهم الحزبية، بالعمل الدؤوب على احتضان الأقلام الوطنية وتشجيعها على مقاومة السياسة العنصرية التي مارستها الحكومات الإسرائيلية ضدّ الأقلية الفلسطينية من جهة، وعلى توجيه هذه الأقلام بالنقد والنقاش إلى تناول الموضوعات الاجتماعية والطبقية، وعلى التصدّي أيضًا لما يبدر في أيّ عمل أدبي من إشارات أو ملاحظات تنمّ عن منحى قومي متطرّف كالعداء لليهود أو لدولة إسرائيل، أو ما كانوا يسمّونه "التعصّب القومي" في نقدهم الفكري والأدبي آنذاك. في "ندوة الجديد"، وقد عُقدت في حيفا في كانون الثاني 1954، وحضرها محرّرو "الجديد" و"الاتحاد" وعدد من قادة الحزب وأدبائه، ألقى إميل حبيبي المحاضرة المركزية بعنوان "الإنسان هدف الأدب وموضوعه"، فأكّد فيها أنّ "واجب الأدب الشعبي في بلادنا أنْ يشنّها معركة لا هوادة فيها على الاضطهاد القومي، أنْ يحمل إلى الجماهير، هنا وفي البلاد العربية، رسالة الأخوّة اليهودية- العربية، وأنْ يعبّر عن مظاهر النضال المشترك، اليهودي - العربي في إسرائيل، الذي هو أساس هذه الأخوّة ومستقبل العلاقات اليهودية- العربية في هذا الجزء من العالم". (الجديد، كانون الثاني 1954، ص. 42). كما ذكر في محاضرته أن الأدب "يجب أن يكون إنسانيًا، تقدميًا، اشتراكيًا، فذلك أن يعبّر، بإخلاص للواقع وللحياة، عن نضال الكادحين للتخلّص ممّا يعانونه من استغلال ومن بؤس ومن إهانة، ولتطوّر الإنسانية نحو مستقبلها الحرّ النيّر، نحو الاشتراكية. وأمّا أن يكون في شكله قوميًا، فذلك ما يعبّر عنه باللغة القومية في الأساس. ولكنّ اللغة القومية ليست العنصر الوحيد في الشكل القومي، فالتعبير عن الطابع القومي، عن الميزات القومية والتذوّق الفنّي القومي الخاص، هو من مقوّمات هذا الشكل القومي، وهو ما يقدّمه كلّ شعب إلى بحر الثقافة العالمية الزاخر" (المصدر السابق، ص 40-ٍ41).

السمة الثانية لهذا الشعر، وهي في رأينا مشتقّة من المنحى اليساري الذي عرضنا له، هي شيوع هذا الشعر بشكل واسع لا بين المثقّفين وهواة الأدب فحسب، بل بين الجماهير الواسعة أيضًا، بحيث يمكننا الحديث عن جماهيرية الشعر في هذه الفترة. رأينا أعلاه كيف حاول الشيوعيون الوصول بصحافتهم إلى كلّ قرية وبيت، إلا أنهم لم يكتفوا بالوسيلة الدعائية المذكورة، فكثيرون من أبناء الأقلية الفلسطينية لم يكن بمقدورهم شراء الصحف أحيانًا، كما أن نسبة غير قليلة لم تكن تجيد القراءة والكتابة أيضًا. فكيف يمكن الوصول إلى الجماهير العريضة وتجنيدها لتأييد الحزب في سياسته وفي الانتخابات البرلمانية أيضًا؟ الوسيلة الوحيدة الناجعة كانت إقامة المهرجانات الشعرية.

أوّل مهرجان شعري، ولعلّها إحدى المفارقات، عُقد بمبادرة الشاعر ميشيل حداد (1919-1997) في جمعية الشبّان المسيحية في الناصرة، في آذار 1955، وكان ميشيل حدّاد نفسه عريفًا للمهرجان أيضًا: "دعوت باسم مجلّتي "المجتمع" إلى مؤتمر عُقد في مكتبة جمعيّة الشباّن المسيحية في الناصرة في اليوم الثاني عشر لآذار سنة 1955، تلاه مهرجان حافل كان لي شرف عرافته، أعلنتُ فيه عن القرار التاريخي الذي اتّخذه الشعراء الستة

عشر في مؤتمرهم الأوّل بتشكيل رابطة شعراء العربية" (حدّاد 1955، ب).إلا أن المهرجان المذكور كان بعيدًا عن القضايا الوطنية والسياسة التي تشغل بال الناس، فقد اقتصرت أكثر قصائده على الغزل "الرومانسي" المكرور والقضايا الذاتية، وتناول القليل منها بعض القضايا الاجتماعية. في مقال كتبه د. أحمد ريناوي في الجديد، بعد سنوات، عرض الكاتب لظاهرة المهرجانات الشعرية؛ كيف كانت بدايتها، وكيف تغيّرت تمامًا فيما بعد، فقال: "أصبحت المهرجانات الشعرية مظهرًا ذا قيمة خاصّة من مظاهر حياتنا الأدبية، وهذا أمر يدعو للتفاؤل لما فيه من دلالة على أنّ البراعم الصغيرة أخذت تتفتّح في حقل أدبنا، وأنّ الأغصان اللدنة بدأت تقسو ويصلب عودها. وعند تتبّعنا للمراحل التي مرّت بها المهرجانات الشعرية منذ أوّل مهرجان في الناصرة في ستة 1954 [1955] حتى اليوم، نلاحظ أمرًا في غاية الأهمية، ذلك أنّ هذه المهرجانات التي بدأت قلقة، متشكّكة، يعتريها التحويم في أجواء الخيال والغيبيات والمثاليات الملائكية، وصلت الآن إلى مخاطبة مشاعرنا وأمانينا، نحن أبناء الشعب المكافح من أجل حقّه في الحريّة والكرامة، ونزعت أيضًا إلى انتهاج سبيل واضح المعالم، لحمته الدفاع عن الحرية والخير في كلّ مكان، وسداه النقمة على الاستعباد والجور في كلّ مظاهرهما. وهذا الأمر إن دلّ على شيء، فعلى نضوج الحسّ الكفاحي عند شعرائنا وأدبائنا، ونضوج شعورهم بالمسؤولية في معركة شعبنا ومعركة كلّ الإنسانية من أجل الحرية والعدالة والسلام". (أحمد توفيق الريناوي:"الجديد"، نيسان1961، ص 66-68).

بعد المهرجان المذكور، والانقسام في رابطة شعراء العربية، ثمّ إقامة رابطة الأدباء والمثقفين العرب، في أيلول 1957، تتابعت المهرجانات الشعرية التي تحولت "إلى مخاطبة مشاعر وأماني الشعب المكافح من أجل حقّه في الحرية والكرامة"، بكلمات أحمد الريناوي، فأقيمت المهرجانات الشعرية "المكافحة" في الناصرة، وحيفا، وعكا، وكفرياسيف، وفي القرى الصغيرة والنائية أيضًا مثل المكر والبقيعة. هكذا تحوّلت هذه المهرجانات إلى تظاهرات أدبية وسياسية ، ينتظرها الناس متلهّفين، ويتقاطرون إليها للاستماع إلى الشعراء، من شيوعيين وغير شيوعيين، في القاعات في المدن حينًا، وفي ساحات البيوت والنوادي المكشوفة في القرى أحيانًا، وعلى ضوء "اللوكس" أيضًا. ازدهرت هذه المهرجانات وتعدّدت في أواخر الخمسينات بوجه خاصّ، في موازاة الأحداث السياسية الكبرى في العالم العربي آنذاك، بحيث يمكن اعتبارها ميزة واضحة من ميزات الشعر الفلسطيني في فترة البحث، بل إنها شكّلت عاملاً سياسيًا واجتماعيًا أيضًا؛ في رفع معنويات الجماهير العربية في إسرائيل، وتعزيز ثقتهم بالنفس، وفي تأييدهم القضايا الوطنية والسياسية أيضًا. ولعلّ خير دليل على أهمية هذه المهرجانات وأثرها أنّ السلطات ضاقت بها ذرعًا، فهاجمتها صحف السلطة هجومًا عنيفًا (انظر "الجديد"، كانون الأول 1960، ص 31)، وأخذت شرطتها ومخابراتها تحاول بشتى الطرق، "القانونية" وغير القانونية، إفشال هذه المهرجانات أو الحؤول دون انعقادها. روى لنا أحد الأصدقاء من قرية المكر، مثلا، أنّ قوّات الشرطة عقدت العزم على إفشال المهرجان الشعري الذي كان سيعقد في القرية، فانتظرت الشعراء الوافدين في مدخل القرية لتحول دون دخولهم بطريقة أو بأخرى. إلا أنّ الجماهير "هرّبت" الشعراء على الجرّارات من طريق جانبي غير معبّد، فأقيم المهرجان رغم أنف الشرطة، ولاقى النجاح أيضًا! (أنظر أيضًا: درويش 1968،

ص. 62-63).

ثمّ إنّ هذه المهرجانات، من ناحية أخرى، كانت فرصة مواتية للشعراء أنفسهم، خصوصًا من كانوا في أوّل الطريق، يلتقون فيها بقرّائهم والمعجبين بأشعارهم، فيؤثّرون فيهم فكريًا وسياسيًا، ويتأثّرون هم أيضًا بنبض الجماهير في الشارع، ولذا فإنّ معظم القصائد المهرجانية عكست، بشكل أو بآخر، توقّعات هذه الجماهير، مضمونًا وأسلوبًا. فلا شكّ أنّ "المهرجانية" كانت عاملاً من عوامل الخطابية العالية التي ميّزت تلك القصائد، والقصائد الأخرى التي زامنتها أيضًا. حتى الشاعر حبيب قهوجي (1931- )، وهو شاعر مهرجاني خطابي واضح، أشار إلى "النبرة الخطابية" في تلك المرحلة قائلاً: "تميّز إنتاج تلك

الفترة بالنبرة الخطابية وبالأسلوب الكلاسيكي نظرًا لما تتطلّبه تلك الوقفات من أساليب قريبة إلى عواطف الشعب. فالبيت الكلاسيكي علاوة على رنّته الموسيقية يؤلّف وحدة قائمة بذاتها من القصيدة، وينطوي على معنى وصورة كاملة، يمكن حفظه بسهولة وترداده والاستشهاد به في مواقف مماثلة. لقد كان الشعر يومذاك مجنّدا في خدمة الشعب وقضيّته" [قهوجي 1972، ص 285؛ وانظر أيضًا: القاسم 1968، ص 77؛ الريناوي 1961، ص. 66-67).

من ناحية أخرى كانت هذه المهرجانات، وفي فترة البحث بالذات، عاملاً هامًا في لصوق هذا الشعر بالأحداث واستقائه من المحكيّة، لغة الناس البسطاء، بشكل يفوق نسبيًا ما نجده في الشعر العربي المعاصر آنذاك. أشرنا، في كتابنا عن الشعر الفلسطيني "الانتدابي"، إلى هذه الظاهرة الأسلوبية في الشعر الفلسطيني في عهد الانتداب، إلا أنّ الشعراء هنا واصلوا هذا التقليد وذهبوا فيه إلى ابعد الحدود، وهو ما ستعرض له بالتفصيل لاحقًا، لذا نكتفي هنا بالإشارة إلى هذه السمة فحسب.

من السمات الواضحة في قصائد هذه الفترة أيضًا، شيوع الأمل والتفاؤل، حتى في القصائد التي تتناول الأوضاع العصيبة، كقضية اللاجئين مثلا، أو ما كُتب منها في السجن الإسرائيلي أيضًا. هذا الطابع التفاؤلي في قصائد الفترة كان العامل الأوّل، ربّما، في المفاجأة التي أصابت الأدباء والنقاد العرب عندما أطّلعوا على هذا الشعر في أواسط الستينات، وبعد حرب 1967 خاصّة. كان هذا التفاؤل مفاجئًا ومشجعًا لجميع من قرأ هذا الشعر في العالم العربي، وذلك بالمقارنة مع قصائد اليأس والضياع والحزن والبكاء التي عمّت الشعر الفلسطيني، والشعر العربي عامة، في البلاد العربية بعد حرب 48 ونتائجها المدمّرة: "معظم ما صدر عن الشاعر الفلسطيني بعد عام 1948 هو صدى الجرح، وتعبير عن المأساة، وتصوير للتشتّت الذي أصاب الفلسطينيين.. ولقد كان هناك بين الحين والآخر أصوات تحاول أن تتمرّد، ولكنّ صوت اليأس كان يخنق صوت التمرّد ويرتفع فوقه.. وذلك لأن جيل عام 1948 كان جيل الهزيمة وجيل المهزومين [...] حتى الشاعر الكبير أبو سلمى، ابن ثورة 1936، قد امتدّ اليأس إلى قلبه، وسيطرت عليه روح الهزيمة، ونحن لا نجد هذه الروح المهزومة في شعره الوطني فقط، ولكنّنا نجدها أيضًا حتى في شعره العاطفي". (النقاش، 1972، ص 81، 79؛ وانظر أيضًا الخطيب 1968، ص 18؛ مصطفى 1978، ص 64).

النقاد العرب أنفسهم أشاروا، عند تناولهم لهذا الشعر، إلى روح التفاؤل والأمل المذكورة، سواء بعد حرب 48 أو بعد 67، فاعتبروها أهمّ نواحي الاختلاف عن الشعر الفلسطيني في المواقع الأخرى: "والشعر في الأرض المحتلّة يختلف عن شعر المنفى، فهو إشراق ثوري دائم، وأمل يثير الإعجاب، وهو يتأثّر بسرعة مع أحداث الوطن العربي باعتبارها جزءًا من مهمّاته، وعلى هذا فإن الحسّ العروبي يبدو بارزًا في الشعر الفلسطيني". (عطوات 1998، ص.239؛ وانظر أيضًا حافظ 1969، ص 74). فإذا عرفنا أنّ أوضاع الفلسطينيين في إسرائيل لم تكنْ أفضل منها في العالم العربي، فما سرّ هذا التفاؤل إذن؟

لم يكن هذا التفاؤل "واقعيًا" ناجمًا عن أوضاع الفلسطينيين في إسرائيل طبعًا، إنما هو تفاؤل "نظري"، إذا صحّ التعبير، تُمليه فلسفة "الواقعية الاشتراكية" التي روّجها الشيوعيون وأدباء اليسار، بل إنّ هذا التفاؤل بالذات هو أيضًا علامة من علامات الهيمنة اليسارية التي ذكرناها آنفًا: حتى حين تكون الأوضاع سيّئة والظلام حالكًا، يجب أن لا ترى ما هو قائم فقط، بل ما سيكون أيضًا، وما سيكون هو النصر الحتمي لقوى اليسار والاشتراكية!

في العدد الأوّل من "الجديد"، وكانت لا تزال ملحقًا للإتحاد، كتب محررّها آنذاك، جبرا نقولا، مقالاً بعنوان "آراء في الأدب الواقعي" مؤكّدًا منذ البداية مواقف "الواقعية الاشتراكية" المذكورة: "ولكنّ هدف الأدب، أو الفنّ، لا يقتصر على تصوير الواقع على علاته، بل يتعدّى ذلك إلى تحليل الواقع وتفسيره وتبيان حسناته وسيئاته، ميزاته ونواقصه، والمساعدة على تغييره في خدمة المجتمع والإنسانية [...] قد يعمد أديب ما إلى كتابة قصّة عن حادثة إضراب، مثلاً، وقد تكون الحادثة التي خبرها أو شاهدها أو سمع عنها قد انتهت بالفشل. فإذا عمد إلى تصوير الواقع، كما هو، لا مناص له من أن ينتهي بها إلى نهاية قد تكون باعثة على اليأس من النضال. ولكنّه إذا نظر إلى الإضراب كسلاح في أيدي الطبقة العاملة في نضالها، وإذا رأى أنّ هذا النضال، طال أم قصر، سينتهي إلى النصر

يومًا ما، وأنّ فشل تلك الحادثة بالذات له أسبابه وملابساته، عمد في تصوير تلك الحادثة إلى إبراز تلك الأسباب وتحليلها، وبيّن انتصار الطبقة العاملة مع فشل ذلك الإضراب، بالاستفادة من اختبار تلك الأسباب التي أدّت إلى الفشل، وبما يبثّه ذلك في نفس أولئك المشتركين في ذلك الإضراب من عزم على مواصلة النضال". (نقولا 1953، ص 5-6). هذا هو التفاؤل "النظري" الذي قصدناه، أو "التفاؤل التاريخي"، كما سمّاه محمود درويش، في حديثه إلى احمد سعيد محمدية سنة 1970: "إنّ تفاؤلي ليس تفاؤلاً بروح المرحلة الراهنة.. تفاؤلي تاريخي.. إنّني مؤمن أنّ حركة التاريخ لا بدّ أن تتّجه في مسارها الطبيعي، ولا بدّ بالتالي أن توضع الأشياء في مواقعها". (درويش 1971، ص 298).

لذلك لم تكن مصادفة أنّ أوّل قصيدة نشرتها "الجديد"، كانت بعنوان "سلام.. برغم الأذى والسجون" للشاعر أنور جلال من الأردن (تموز 1953). وفي العدد الثالث أيضًا نشرت قصيدة أخرى للشاعر العراقي ناظم جواد بعنوان "في طريق الشمس"، تنتهي بهذه الخاتمة المتفائلة أيضًا:

مهما تعاظمت القيود، وشوّهت معنى الحياه

مهما تنمّرت الوحوش فسوف نكتسح الطغاه

وتحجّر الليل البليد، وجفّ في وطني دجاه

مهما تنمّرت الوحوش فسوف نكتسح الطغاه

("الجديد"، كانون الثاني 1954، ص 8).

فكأنّما يقدّم محرّرو "الجديد"، بالإضافة إلى المقالات النظرية في الأدب، مثالاً للشعر "الواقعي" الذي يرغبون فيه ويدعون إليه. هكذا تمكّن نقّاد اليسار وشعراؤه من "ترسيخ" التفاؤل في القصائد، حتى غدتْ الخاتمة المتفائلة في أشعار كثيرة تبدو مجلوبة منبتّة عن مبنى القصيدة؛ ما جعل الشاعر سالم جبران، الشيوعي الملتزم، يعارض إميل توما صراحة في مفهوم الشعر الثوري: "الخلاف بين الأستاذ إميل توما وبيننا ليس في ضرورة وجود شعر ثوري، وإنما في ماهية الشعر الثوري وشكله الفنّي. إنّ إميل أراد من محمود درويش ومن توفيق زيّاد ومنّي "نهايات" لقصائدنا متفائلة. إنّ أحد أخطاء الشعر الواقعي الاشتراكي، في عهد تقديس الشخصية، كان النهاية الاصطناعية الملصقة إلصاقًا، والتي ليست جزءًا من التجربة الشعرية الأصلية. وإذا كان الأدب الواقعي في الاتحاد السوفييتي وأوروبا، قد تخلّص من الجمود والافتعال، فنحن هنا بكلّ تأكيد لن نعود إلى هذا". (سالم جبران: "الشعر العربي الثوري في إسرائيل" "الجديد"، العدد 2، 1965، ص. 17).

يلاحظ أيضًا، في شعر هذه الفترة، شيوع الأسماء المستعارة في صحف الحزب الشيوعي، بحيث يمكن اعتبارها ملمحًا بارزًا في الشعر الفلسطيني آنذاك. ليست الكتابة باسم مستعار ظاهرة جديدة في الأدب العربي الحديث، والأدب العالمي أيضًا، بل إن بعض الأدباء والشعراء عُرفوا بأسمائهم المستعارة بالذات واشتهروا بها. إلا أنّ الأسماء المستعارة غدتْ في فترة البحث ظاهرة لافتة لشيوعها نتيجة أجواء الاضطهاد والملاحقة التي مارستها الحكومة الإسرائيلية ضدّ من يكتبون في الصحف الشيوعية، حتى إذا كانت الكتابة قصيدة غزل أو خاطرة اجتماعية أيضًا. أحصينا ما ظهر من أسماء مستعارة في فترة البحث على صفحات "الجديد" وحدها، فوجدناها تقارب الخمسين اسمًا مستعارًا، معظمها كتب الشعر، إلا أن بعضها ظهر في مجال القصة القصيرة والمقالة ورسائل القراء أيضًا. نسارع إلى القول إن بعض هذه الأسماء المستعارة كانت أحيانًا لشيوعيين معروفين لم يرغبوا في تكرار اسمهم مرّات في المجلّة ذاتها، مثل إميل توما الذي كتب بعض مقالاته بتوقيع ابن خلدون وجابر الكرملي، أو توفيق زيّاد الذي "خجل" من نشر قصائد الغزل باسمه، فظهرت بتوقيع يزيد، الناصرة ("الجديد"، نيسان- أيار، آب 1962؛ وانظر أيضًا ما كتبه محمود درويش بهذا الصدد في عدد آب 1962 ذاته، ص. 28). إلا أنّ معظم الأسماء المستعارة كانت، كما أسلفنا، خوفًا من ملاحقات الحكم العسكري والمخابرات الإسرائيلة- الشين بيت.

بعض هذه الأسماء المستعارة يومئ إلى مسكن الكاتب المقنّع (ابن القرية، ناصري، ريفي، ابن الجليل...)، وبعضها الآخر يلمّح بانتمائه الإيديولوجي أيضًا (ابن النور، أديب كفاح، أبو نضال، ابن الشعب)، وبعضها أخيرًا لا يتعدّى كنية عادية، قد تكون حقيقية أو خيالية، فتذكّر بالأسماء المستعارة لقادة المنظمات الفلسطينية في فترة قادمة (أبو إياس/ راشد حسين، أبو عصام، أبو حاتم، أبو نزار).

من هذه الأسماء المستعارة لعلّه يجدر بنا الوقوف هنيهة عند اثنين يعكسان، في رأينا، أجواء الخوف والاضطهاد في تلك الفترة السوداء. الاسم الأوّل أبو نزار، وقد كتب رسالة إلى "الجديد"، يعتذر فيها عن لجوئه إلى "التقنّع" مبيّنًا أسباب ذلك بصراحة: "أخيرًا، وبعد تفكير طويل قرّرت أن التجئ إلى حضن "الجديد" لكي احتمي به وأتقنّع بهذا القناع، ولأعبّر عن آلام شعبي من وراء هذا القناع. وأنا أؤكّد أنني لو نزعت هذا القناع لكنت غدًا ضيفًا على "سعادة" الحاكم العسكري.. فأرجوكم أن تنشروا قصيدتي "مزارع الموت" تحت الاسم المستعار "أبو نزار".. وطبعًا أنتم تعرفون السبب". ("الجديد"، تشرين أوّل 1960، ص. 57). الاسم المستعار الثاني هو "بنت الفرات"، وقد نشرت مقالة بعنوان "خواطر عن المرأة العراقية" ("الجديد"، كانون الثاني 1960)، تحدّثت فيها عن نشاط المرأة في سبيل تحرّرها. ورغم أنّ المقالة لا صلة لها بالسياسة في إسرائيل من قريب أو بعيد، إلا أنّ كاتبتها آثرت "التقنّع" أيضًا، وهي المواطنة اليهوديّة، تجنّبًا للمشاكل. ولكنّها في عدد آخر من "الجديد" عادت إلى نشر مقالة أخرى بعنوان "مهر الزوج" وباسمها الصريح هذه المرّة: دوريس كباي، "بنت الفرات سابقًا"، الرملة. ("الجديد"، العددان 6/7، 1961). حتى هذه الكاتبة اليهودية القادمة من العراق لم تجرؤ على نشر مادّة اجتماعية، بعيدة عن السياسة في إسرائيل باسمها الصريح أوّل الأمر. إلى هذا الحدّ كان مجرّد النشر في صحيفة شيوعية مدعاة للخوف في ظلّ الحكم العسكري!

من الملامح البارزة في شعر الفترة شعر السجون أيضًا، بحيث يشكّل هذا الشعر موضوعة متميّزة في نتاج شعراء اليسار. بل إن شعر السجون موضوعة شائعة في نتاج الشعراء الشيوعيين واليساريين في العالم العربي، وفي دول أخرى كثيرة، حيث يكفي أنْ يكون الشاعر شيوعيًا ليُلقى به في السجن. وقد حرصت صحافة الحزب الشيوعي، وخاصّة "الجديد"، على نشر نماذج من هذا الشعر، من البلاد العربية ومن العالم أيضًا، ليشكّل هذا الشعر مثالا يقتدى أمام من يرغبون في كتابة الشعر: أنور جلال (من الأردن): "سلام برغم الأذى والسجون"؛ إبراهيم عبد الحميد عيسى (من مصر): "حرب على الاستعمار"؛ محمد صالح بحر العلوم (من سجن نقرة السلمان في العراق): "كفّي وكفّك"؛ عصام حمّاد (من الأردن): "غزل في الأغلال"؛ عبد الرحمن الخميسي (من مصر): "انطلاق"؛ شوقي بغدادي (من سوريا): "النوافذ المغلقة"؛ "من أعماق السجون"(مقطوعات شعرية من اليونان كتبها سجناء حكم عليهم بالإعدام سنة 1948)؛ فؤاد الشامي (من سوريا): "من مفكرّة سجين سياسي في سوريا، "لكلّ فجر عصفور"( "الجديد"، تموز 1953، نيسان 1955، حزيران 1955، آب 1955، كانون الثاني، 1956، نيسان1959، تشرين الثاني 1959، تشرين الأول 1960، بالترتيب).

بالإضافة إلى هذه القصائد/النماذج من شعر السجون، لم "يبخل" الحكم العسكري أيضا على شعراء اليسار، خاصّة في النصف الثاني من فترة البحث، بالسجن والاعتقال والإقامة الجبرية، أو "تحديد الإقامة" بالاصطلاح القانوني. على هذا النحو كان السجن "تجربة ذاتية" في شعر حنا أبو حنا، توفيق زيّاد، محمود درويش، سميح القاسم، سالم جبران وغيرهم: " إنّ شعراءنا الثوريين لم يعتمدوا فقط على التجربة العامّة لجماهير الشعب، وإنّما اعتمدوا أيضًا على تجربتهم الذاتية. إنهم لم يكتفوا بالوقوف إلى جانب جماهير الشعب وهي تصنع كفاحاتها وتدفع الثمن، وإنما اشتركوا معها – جسمانيًا – في صنع تلك الكفاحات ودفعوا الثمن.. وهذه هي إحدى الأمور التي تميّز الأكثرية الساحقة من المشتغلين بالكلمة الثورية في بلادنا". ( توفيق زياد: " ملاحظات أساسية حول الشعر العربي الثوري في إسرائيل"، "الجديد"، 8-9، 1966، ص. 10).

وهل من مكان كالسجن يدفع بالشاعر المناضل إلى كتابة الشعر؛ إلى مناهضة الحكّام والأحكام بالقلم، بالقصيدة؟ يذكر محمود درويش أنّ مجموعته الشعرية عاشق من فلسطين كتب معظمها في السجن بالذات، مؤكّدًا أن السجن هو خير محفّز على التأمّل والمراجعة وكتابة الشعر أيضًا: "القسم الأكبر من الديوان [عاشق من فلسطين]كُتب في السجن أو عن السجن، وأظنّ أنّ للمكان بعض التأثير على بناء القصيدة أيضًا. ويخيّل لي أنّ كتابة القصيدة في السجن أشبه ما تكون بعملية التقاط سريع أو اصطياد خاطف وماهر في نغمة أشبه ما تكون بالدندنة، حيث لا تكون للشاعر هناك أدوات الكتابة المادّية التي اعتاد عليها [...] إن السجن يرغم المرء على المراجعة والتأمّل في كلّ شيء. وكون السجين مقطوعًا عن العالم الخارجي ومحرومًا منه يجعل ارتباطه العاطفي والفكري به أكثر التحامًا وحميميّة. كلّ شيء في هذه الدنيا الطليقة خارج الأسوار يصبح ذا ذكريات ومواعيد".

( محمود درويش: حياتي وقضيتي وشعري"، الطريق اللبنانية،تشرين الثاني وكانون الأوّل، 1968 ، ص 56).

هكذا نجد، لكلّ شاعر من شعراء اليسار، قصيدة أو أكثر، كتبها في السجن أو المعتقل أو "الإقامة الإجبارية" في البيت، وهي قصائد تحفل جميعها بالثورة والنقمة والتفاؤل معًا، وإنْ كانت تختلف أسلوبًا، كما سنرى لاحقًا، وهذا ما جعلنا نعتبر "شعر السجون" موضوعة متميّزة من موضوعات شعر هذه الفترة.

لعله يجدر بنا أخيرًا الإشارة إلى "الرافد العراقي" في الشعر العربي في إسرائيل، في الخمسينات بوجه خاص. ففي سنتي 1950-1951 هاجر معظم يهود العراق إلى إسرائيل، وكان بين "القادمين الجدد"، باصطلاح تلك الأيام، أدباء وشعراء ومثقّفون كثيرون ساهموا في النتاج الأدبي في إسرائيل بشكل ملحوظ. يذكر شموئيل موريه إسهام هؤلاء الأدباء فيعتبرهم "النواة في إحياء الأدب في اللغة العربية" في إسرائيل، ويرى أنّ الشباب منهم هم من أتوا من العراق إلى البلاد بـ "الشعر الحرّ" أيضًا: "مع الهجرة الجماهيرية ليهود البلاد العربية، وخاصّة يهود العراق في السنتين 1950-1951، شكّل يهود العراق النواة لإحياء الأدب في اللغة العربية. فقد كان بين المهاجرين من العراق شعراء وكتّاب كثيرون من ذوي الخبرة والشهرة. كان منبرهم الأدبي الأساسي صفحة الأدب الأسبوعية في جريدة اليوم التي بدأت بالصدور سنة 1948، والى حدّ ما أسبوعية حقيقة الأمر أيضًا. وجاء الشعراء الشباب من بين القادمين من العراق بـ "الشعر الحرّ" الذي اتّخذ شكله الحالي بتأثير الشاعرين العراقيّين بدر شاكر السياّب ونازك الملائكة". (شموئيل موريه: "الأدب في اللغة العربية في دولة إسرائيل"، همزراح هحداش، المجلّد التاسع، 1958، ص 27) [بالعبرية]. ثم يتحدّث موريه عن مجلّة "الجديد" فيذكر، عرضًا، أنّ هيئة تحريرها "تلقّت ضخّة دم هامّة من مهاجري العراق الذين كان بعضهم ذوي خبرة في النشاط الشيوعي والأدبي على حدّ سواء في الخارج"، مضيفًا في الهامش: "مثل سمير مارد، إبراهيم خيّاط، س. فتّال، س. ساسون. ص. دافيد". (المصدر نفسه؛ وانظر أيضًا شموئيل موريه: دراسات في الشعر والنثر العربيين الحديثين، بريل لايدن، 1988 ، ص 162).

لا مجال إلى إنكار دور الأدباء والشعراء اليهود العراقيين في النتاج الأدبي العربي في الخمسينات. إلا أن البروفيسور موريه في المقتبس أعلاه ضخّم هذا الدور فجعله "نواة لإحياء الأدب العربي" من ناحية، وهو حكم يجافي الواقع والمنطق، كما أنّه من ناحية أخرى أبرز دور كتّاب جريدة "اليوم" و"حقيقة الأمر" الناطقتين باسم السلطة، وكان هو واحدًا منهم، وهمّش، بالمعنيين! ، أدباء اليسار اليهود ونتاجهم في الصحافة الشيوعية، وهؤلاء بالذات، في رأينا، هم الذين اندمجوا إلى حدّ بعيد في الثقافة العربية في البلاد، وأسهموا إسهامًا حقيقيًا في النتاج الأدبي، في الشعر والقصة والنقد، في تلك الفترة، ولو واصلوا الكتابة بالعربية بعد الخمسينات لكان لهم دورهم وأثرهم في تاريخ الأدب العربي في إسرائيل فعلاً.

كان بين "القادمين الجدد" من العراق، كما أسلفنا، أدباء ومثقفون كثيرون، بدأ معظمهم كتابة الشعر والقصّة في العراق، وإذ قدموا إلى البلاد انقسموا فريقين واضحين: فريق يساند السلطة "أدبيًا"، ويشغل المناصب الخاصّة بالعرب في الأجهزة الحكومية والصحف الحكومية الناطقة بالعربية، وفريق ثان انضمّ إلى كتّاب "الاتحاد" و"الجديد" في مناهضة سياسة الاضطهاد الحكومية، والدفاع عن الحرّيات الديمقراطية، والدعوة إلى الأخوّة اليهودية- العربية في هذه المعركة العادلة. بين أدباء اليسار هؤلاء كان القاصّ سامي ميخائيل/ سمير مارد (1926- )، وكان انضمّ إلى الحزب الشيوعي العراقي قبل هجرته إلى إسرائيل، فالتحق في إسرائيل بهيئة تحرير "الجديد"، وأخذ ينشر قصصه القصيرة فيها تباعًا، وهو اليوم من الروائيين العبريين المرموقين؛ والقاصّ شمعون بلاص/أديب القاصّ (1930- )، وقد كتب القصة القصيرة والمقالة، ثم انصرف فيما بعد إلى كتابة الرواية بالعبرية، والعمل محاضرًا للأدب العربي الحديث في جامعة حيفا؛ والناقد الشاعر ساسون سوميخ (1933- )، وقد كتب في "الجديد" النقد والشعر، وكان له الفضل الأوّل في إنشاء ندوة "أصدقاء الأدب العربي التقدّمي في تل أبيب" ( "الجديد"، حزيران، 1954)، وقد أنصرف أيضًا بعد الخمسينات إلى العمل الأكاديمي، فكان أستاذ الأدب العربي الحديث في جامعة تل أبيب لسنوات طويلة؛ والشاعر المرحوم دافيد صيمح (1933-1997)، فيما بعد البروفيسور دافيد صيمح، أستاذ الأدب العربي الحديث في جامعة حيفا. ( انظر : رئوفين سنير:عروبة، يهودية وصهيونية: صراع الهويّات في نتاج يهود العراق، القدس2005، ص.226-300)[بالعبرية].

بالإضافة إلى هؤلاء الأربعة، ساهم في الكتابة في "الجديد" أيضًا: إبراهيم خيّاط وأخوه لطيف خيّاط، سليم فتّال، ناجي شاؤول، موشي قوجمان، دافيد كوهين؛ إلا أنّ هؤلاء كانوا أقلّ مكانة وأثرًا من الأربعة المذكورين، واقتصر نتاجهم على المقالة التاريخية، والتعريف بالشعر والأدب الشعبي في العراق في كتابات الأخوين إبراهيم ولطيف خيّاط خاصّة.

هكذا نرى أن اثنين فقط، من بين "العراقيين اليساريين" كتبا الشعر في تلك الفترة وهما: ساسون سوميخ ودافيد صيمح. أمّا سوميخ فلم يكتب، في الواقع، سوى ثلاث قصائد "شيوعية": "تلك القلوب" ("الجديد"، آذار 1954)، "رغم القيود حرّ أنا"( "الجديد"، حزيران 1954)، "واشتدت الخفقات في قلب الحياة" ( "الجديد"، تشرين الثاني 1955). إلا أنها قصائد مجدّدة فعلاً، في معايير تلك الفترة طبعًا، تحمل في أسلوبها ومضمونها فكرًا شيوعيًا واضحًا، بل إن القصيدة الأخيرة تعتمد التناصّ الواضح من "البيان الشيوعي" أيضًا. ثم إن القصائد الثلاث تنتمي إلى شعر التفعيلة، المبنى الإيقاعي الجديد، وتقوم بالذات على تفعيلة الكامل التي هيمنت بوضوح على بدايات شعر التفعيلة في الخمسينات، كما يتجلّى ذلك في خاتمة القصيدة الأخيرة: "شبح يجول../ ومتى يحلّ بأرضنا/ ومتى يحلّ هنا هنا؟!/ إنّي أراه/ وأكاد أسمع من بعيد/ طلقات "اورورا" تهيب بشرقنا:/ لن "تخسروا إلا القيود". غير أن سوميخ لم يواصل كتابة الشعر بعد هذه "البواكير"، وإن كان واصل بضع سنوات كتابة المقالات الأدبية والنقدية في "الجديد" وغيرها؛ فلعلّه رأى أن شعره هذا لا يحقّق المعايير النقدية التي أخذ بها في نقده، كما أنه انتقل بعد ذلك إلى الكتابة بالعبرية، فهجر الكتابة بالعربية شعرا ونثرا، كما أسلفنا.

بذلك يكون دافيد صيمح أبرز من كتب الشعر بين "العراقيين" اليساريين، إذ واصل نشر قصائده في "الجديد"، بالإضافة إلى بعض مقالات النقد، حتى سنة 1960، بل أصدر في سنة 1959 مجموعة شعرية اسماها "حتى يجيء الربيع" أيضًا (دافيد صيمح: حتى يجيء الربيع، المطبعة الحديثة، تل أبيب، 1959).

في مجموعة دافيد صيمح المذكورة 33 قصيدة، في 94 صفحة، وتكاد تقتصر على محورين مركزيين: محور غزلي وجداني، كما يتوقع من شاب في مقتبل العمر (ص. 5-34)، ومحور سياسي يساري (ص. 35-94) صدّره بمقطع للشاعر اليهودي الشيوعي الكسندر بن، اتخذه شعارًا لهذا القسم، وترجمه إلى العربية شعرًا: "إلى أين؟ تسألني، فأقولْ:/ هنالك، حيث الأيادي تموج/ بنار أكولْ/ هنالك، حيث أخوك استفاقْ/ إلى ثورة/ وأنشودة البعث في قلبه".

القصائد السياسية في المجموعة لا تكاد تختلف عمّا كتبه شعراء اليسار، في الخمسينات: بضع قصائد عن العراق، فيها حنين واضح للعراق، ونضالات الشعب العراقي، وانتصار ثورته سنة 1958، قصيدة طويلة إلى محمد مهدي الجواهري "عارض" فيها قصيدة الجواهري المعروفة في أبي العلاء المعري، سمّاها "شاعر البعث"، وتضمّنت تناصّات كثيرة من شعر الجواهري تشهد بإعجاب الشاعر الشديد بالجواهري؛ قصيدة تحيّة لنضال الجزائر، قصيدتان عن أحداث أيار 1958 في الناصرة، قصيدة أخرى عن مجزرة كفر قاسم سنة 1956، قصيدة بعنوان "العالم الجديد" في الذكرى الأربعين لثورة أكتوبر، وهكذا. باختصار، تعكس القصائد السياسية في المجموعة المذكورة أجواء الخمسينات بصدق وحرارة، تمامًا كما نجد في شعر اليساريين الآخرين في تلك الفترة. بل هناك قصيدة نُشرت، بعد صدور المجموعة، في الجديد، كانون الأول 1959، يتحدث فيها الشاعر عن قرية "عين الزيتون" المهجّرة على طريق صفد أيضًا. قرأ الشاعر على لوحة من الصخر: "وقف بناه الأكرمون، فكان أحسن ما يكون، لهم جنان الخلد دومًا بالسعادة يرفلون"، فتأثّر بما ينطوي عليه هذا الموقف من مفارقة:

وأروح اسأل تلكم الأطلال والوادي الحزينْ

هل في جنان الخلد، أم خلف الحدود مشرّدونْ

[...]

ومن الصخور يطلّ نقش: بالسعادة يرفلونْ

واخجلتاه، أنا الغريب وفي يدي عنب وتينْ

والأكرمون على الطريق بجوعهم يتضوّرونْ

والتينة الحمقاء تسأل عنهمُ هل يرجعونْ

والنقش في لوح الصخور يظلّ يضحك في جنونْ

بعد صدور مجموعة "حتى يجيء الربيع"، كتب ح.أ.ح – الناصرة ( حنا أبو حنا ؟ ) معرّفًا بالشاعر ومجموعته الشعرية، فقال بحقّ: "فألف تحيّة للشاعر، ومرحبًا بسفارة ديوانه! ولا أكتمك يا قارئي العزيز أنني كنت أشعر بروح من الفخر وأنا أقرأ القصائد الكفاحية، ففي معركتنا في هذه البلاد يسعدني ويسعد شعبي أن تُمدّ إلينا هذه اليد القوّية المخلصة فنكافح معًا.. "حتى يجيء الربيع". (مجتة "الجديد"، نيسان 1959، ص. 46).

شعر صيمح، أخيرًا، شعر جيّد، بمعايير تلك الفترة، صياغاته متماسكة وإيقاعاته متدفقة أخّاذة، يغلب على "شعره الكفاحي" الإيقاع التقليدي، بل يلمس القارئ في كثير منه روح الجواهري "أستاذه"، ويعمد في غزلياته إلى الشكل المقطوعي أيضًا. باختصار، لولا الاسم العبريّ للشاعر لعدّه نقّاد كثيرون من "شعراء المقاومة" أيضًا!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.