اخر الاخبار:
اطلاق نار على سياح في الأردن - السبت, 24 آب/أغسطس 2019 10:32
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

كـتـاب ألموقع

الثقوب السوداء!// اوراها دنخا سياوش

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

 

الموقع الفرعي للكاتب

الثقوب السوداء!

اوراها دنخا سياوش

 

لقد صار معروفا ان الثقوب السوداء في الكون باتت حقيقة، بعد ان تم رصدها من قبل تلسكوبات عملاقة وضعت حول الارض. ويعرّف الثقب الاسود وفق النظرية النسبية، على انها منطقة الزمنكان، "الزمان والمكان"، تمنع فيها جاذبيته كل شيء من الإفلات بما في ذلك الضوء.

 وما يهمنا في هذا المقال هو هذا الضوء... ولكن اي ضوء ؟! المقصود هنا هو الضوء الذي يتنور به عقل الانسان، فتنوير العقل الانساني يبدو من اصعب المهام، لان كسر طوق التخلف الناتج من العادات والتقاليد للمجتمعات المتخلفة، والتي يتشبع بها الفرد، تصبح جزءا من حياته، وتتأصل في عقله وكيانه، وتزداد تأصلا عندما تمتزج بقدسية، من خلال غمسها، اي التقاليد، في كأس الدين، لتتشبع وتصبح ثقوبا سوداء في عقل الانسان، تبتلع كل محاولات التنوير التي تقترب منها.

هذه الثقوب السوداء على ارضنا باتت تشكل خطرا على كل ما له صلة بالحياة. فلو تمعنا في الفكر السلفي المتطرف على سبيل المثال سنرى انه ثقب قاتم السواد، عدواً للبشر اولاً، وعدواً للحياة بكل معانيها ثانياً، حتى الزرع والحيوان لا يسلم منه، يحول الغزو الى (فتح !) والى (جهاد !) في سبيل الله، وكلنا يعرف ما يحمله الغزو من قتل، وسلب، وسبي، واغتصاب، وتدمير للطبيعة، والبيئة وصولا الى حجر التاريخ، من اثار وتماثيل ومدافن ومراقد ومزارات، باعتبارها بدعة، وكل بدعة ضلال، وكل ضلال في النار، فيكون من واجب هؤلاء الغازين رمي المشركين والكفار اصحاب هذه البدع في النار، ولا يستثني من هذا النوع من الـ(جهاد !) الكتب العلمية وحتى الدينية. هذا الغزو يكون عادة مستندا الى عقيدة الولاء والبراء المقدسة الدموية، التي تحمل في طياتها حقد مقدس، انها قيمة من قيم الكراهية ضد الانسان المخلوق من نفس الاله الذي يؤمن به هذا الفكر.

 كلنا يعلم ان الفكر الـ(سماوي !) دوِّنَ بكتب اطلق عليها سماوية ايضاً، كتبها الانسان في زمان ومكان معين، وفي ظروف تناسب ذلك الزمان والمكان، وبالتأكيد ليس كل ما في هذه الكتب يصلح لهذا الزمان، بسبب تطور العقل البشري، تطور منَّ به الخالق الانسان كي يتفاعل من الزمنكان في كل حقبة وجيل جديد. ولكن، ليس كل ما كتب يكون ايضاً صحيحاً، فالخطأ وارد والتحوير وارد، يعتمد على نزاهة الكاتب وتأثّره بأحداث الحقبة التي عاش فيها. فعلى سبيل المثال عبارة (شعب الله المختار !)، وعبارة (خير امةٍ !) تصنف الناس في درجات، وهو تفضيل شعب على شعب آخر، مما يعني ان الانسان سوف يتعدى حدود العبادة وحدود علاقته بالإله، وتصبح ممارساته تمس المجتمع والوجود الانساني لأنها تسبب صراعا لا نهاية له، لإيمان كل منهما بما نصه هذا المقدس، الذي يأبى ان يفكر ولو للحظة ان يبعده عن العقل، او على الاقل اعادة تحليله، باعتباره فكر السماء الذي لا يساوم عليه.

وكالمثل الذي اوردناه سابقاً يوجد العشرات من الامثلة الاخرى الموجودة في بطون الكتب الدينة، التي تحوي على افكار اكثر عدوانية ودموية، تتسبب في تشكيل ثقوباً سوداء تجذب الكثيرين وتشكل مجاميع سوداء ايضاً، عند الاقتراب مع بعضها تحاول احداها ابلاع الاخرى، وعند اصطدامهما ينتج دماراً لبني البشر، ويمنع قبس الضوء من الوصول الى كل شيء، فالرؤيا تضمحل، والعقل يتشوش، والقلب يتحجر، والحقد يكبر ويكبر. وما حصل في افغانستان، ولا يزال، لم يكن الا بسبب هذه الثقوب السوداء، كذلك الصراع الدموي والفتاك في سوريا وقبله العراق، فها هي المجاميع السوداء، تتصارع مع بعضها وتحاول ابتلاع بعضها، برغم تدينها بدين واحد، وايمانها بإله ورسول واحد.

 ان كل مجموعة من هذه المجاميع المتصارعة، تعتبر ان حفظ الدين اولى من حفظ النفس، في حين ان الله اعز النفس وكرمها، ولم يكن، جلّت قدرته، ضعيفاً حتى ندافع عنه بالقتل والذبح، ونتفنن في الاساليب الوحشية لإسالة الدماء بغية الحصول على رضا الله... فهل من المعقول ان ربنا وخالقنا فرح ومسرور ومغتبط بهذا (الفن !) الاكثر من متوحش ؟!

ان الفكر الديني المنتقى "من الانتقاء" من بطون الكتب والمؤدلج لغاية سياسية، هو بحد ذاته مركز للثقوب السوداء، او للمجايع السوداء على هذه الارض... ان مثل هكذا فكر، هو بحق ثقب اسود يبتلع النور والحضارة...

 

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.