اخر الاخبار:
ديجافو.. نار تركية تزحف لمسيحيي العراق - الأحد, 27 أيلول/سبتمبر 2020 19:00
فيروس كورونا يزداد شراسة في دهوك - الأحد, 27 أيلول/سبتمبر 2020 11:05
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

كـتـاب ألموقع

في حوارٍ معها (الجزء الحادي والعشرين)// د. سمير محمد ايوب

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

 

الموقع الفرعي للكاتب

في حوارٍ معها (الجزء الحادي والعشرين)

الدكتور سمير محمد ايوب

الاردن

 

جدل الستر والأحتشام - الحجاب مثلا

إعْتَدْتُ فيما إعتدت، تَجنبً الخوض في كل ما يتصل بالإيمان، من عقائد سماوية وعبادات ومعاملات. ولكن بين الفينة والأخرى، أسمح لنفسي، بمقارباتٍ نقديةٍ لبعض موروث الناس في التدين، ولبعض ما أرى من بدع، لا تليقُ بأسْوِياءِ المؤمنين. رغمَ توقعي لشَعوذاتٍ عابثةٍ، يقترفها بعضُ مُتَألِّهي الموروث وعبدةِ أصنامِه. لشيطنة كل محاولات المراجعة النقدية، لبقرهم المقدس المخبأ بخبث، في ثنايا الكثيرمن الموروث البشري في التدين.

مضامينُ الجدل المعاصر حول الحجاب، تثير الكثير من تساؤلاتي قبل حفيظتي، بعيدا عن غرضيات، الإفتاء أو الدعوة إلى إرتداء الحجاب أو خلعه. فأنا ممن يؤمنون، بأن الله أعلم بما في قلوب عِبادِه.

لا أظن أن أحدًا لم يرتطم يوما ما، بشئ من الجدل المحتدم، بين أنصار إرتداء الحجاب وأنصار خلعه. فقد إنقسم الناس حول تشعبات هذه القضية، بين مؤيد مشجع للفعل مرحب به، ومُعارضٍ يتعامل مع الأمر بسلبيةٍ كبيرةٍ جدًا. بل وصل الأمر وفق عناوين هذا الجدل وما يلفه من إستفزازٍ مُتبادلٍ، حَدَّ الشتم واللعن والتكفير الأهوج، على كل من إرتدته، وعلى كل من لم تقتنع به أو من خلَعَتْه. حتى بدا الحجابُ لدى كثيرين، مجرد عادةٍ أو موضةٍ لها سطوةٌ. تُبْعِدها عن المقاصد الربانية، في حواضن إجتماعية غارقة في جدلٍ يُثرْثِرُ كثيرا عن تغطية الرأس، وقليلا حول الإحتشام والستر.

خلال زيارتي الأخيرة إلى لبنان، فجأتني الصديقة زينب، إبنة جبل عامل، بدعوةٍ لورشةِ عملٍ، مع طلبتها وأطقم المعلمات والمعلمين والإداريين، العاملين برفقتها في الثانوية، ألتي تمتلكها وتُديرها في مدينة النبطيةِ في الجنوب اللبناني الذي أعشق .

في قاعة فسيحة أنيقة مجهزة للإجتماعات، تربض على سطح المدرسة، تطل بإمتياز من هناك، على ألجليل الأعلى في شمال فلسطين المحتله، تابَعَتْ الصديقةُ زينب ما إبتدأته من ترحيب، تقول: رأيتها قبل أيام في أحد شوارعنا، أربعينية ممشوقة القوام، تمشي الهوينى بين الناس متبخترة. تستجدي بعطرها الفواح، ولمعانِ شفتيها، ألنظراتَ والهمساتَ المُعجبة. أخْفَتْ شعرها، وارتدت ذاك اللباس الضيق المثير، البعيد كل البعد، عن المعنى الحقيقي للحجاب واللباس الساتر المحتشم. تابَعَتْها عيونُ كثرةٍ من المشدوهين، ولسانُ حال بعضهم يصرخ: ليتَكِ كشَفْتِ شعرَكِ، وسَتَرْتِ تفاصيلَ جسدك. لو إحْتَشمَتْ هذه السيدة، وما إختزلَتِ الحجابَ في أقل من بعضِ مظهره، مجرد غطاء للشعر او بعض الشعر، لكفَت الناس، وكفَت حالَها تَحَرُّشاً مريضاً مُؤسِفا.

قلتُ معقبا: مع التسليم بأهمية الحجاب، وبما يرتبط به من معاني ومرامي، أضفته عليه كل الأديان السماوية مجتمعة، يتمايز أمامنا واقعان متغايران. يتفقان بينهما على معاني الستر والاحتشام، المتجاوز لمظهر الحجاب. إلا أن كليهما إنتقائي، كل على طريقته. ولكن المؤدى لهما معا، نتيجة واحدة تسئ للكثير من قضايا الحجاب.

يتمثل الواقع الأول، بفرضِ الحجاب على المرأة، بالإكراه القانوني، أو بسطوة عرف مستبد. يشرع باسم الدين ما ليس منه الا بالإسم. في ظل فوضى هذا الخلط، باتت المرأة لقمةً سائغةً لشعارات التمرد. ليصبح عندها الحجاب القسري، مُتهماً بتقييد حريتها وإندماجها. شأنه شأن سائر العادات والأعراف الظالمة لها. خذوا من الأمثلة ما شئتم، ستجدون أن الواقع الحقوقي للمرأة مُتَرَدٍّ. يتقافز فيه أبطالٌ وأشباهٌ وبهلواناتٌ وحواةٌ، من دعاة تحرير المرأة وأدعياء الإصلاح. مع التسليم، بأن كثيرا من المجتمعات، تتطلب بالفعل جهودا مكثفة للإصلاح والتعديل والتغيير.

أما الواقع الثاني، فنراه بكل وضوح، في حال تلك المرأة التي أحبت حجابَها وإحتشامها، فإذا بها تصطدم بواقعٍ قاسٍ. يفرضُ عليها في الكثير من ميادين الحياة ألا تكون محجبة. هذا إن لم يلحقها الأذى اللفظي أو حتى الجسدي في بعض الحالات بسبب حجابها.

وهنا أحبت نائبُ المدير أن تضيف لما قلت، وهي سيدةٌ محتشمةٌ غير محجبة، أظنها في الخمسين من عمرها، فقالت: هناك كثيرون ممن يزعمون، أن الحجاب والحشمة، علامتان مميزتان للدين الإسلامي. في سياق هذا ألإدعاء، نتعثر بأشخاص، يقصفون جبهة المرأة بمفرداتٍ عشوائيةٍ لا تنتهي، ليس لها من الدين شيء، مثل: الحجابُ هويتك، حجابك عفتك، رأس مالك غطاء رأسك. إن خلعت الحجاب أنت كافرة.

قلت مضيفا وموضحا: لا علاقة للهوية بالحجاب والوجه وملامحه. أظن أن هوية الإنسان، مقولة لا يمكن إختصارها في الوجه، بل أراه محض إدعاء إفتراضي إنشائي فارغ. فهل محروق الوجه بلا هوية مثلا؟ وعلى إفتراض صحة ربط الهوية بالوجه ؛ فهل دميم الوجه دميم الهوية؟

وهنا، على وقعِ إبتساماتِ الحضور، سألُني المشرف الإجتماعي للمدرسة: أوليس الحجاب إسلامي المبتدى؟

قلت مجيبا: هذا زعم لا دليل عليه هو الآخر. ولا هو مما تُبنى عليه أحكام. بل الحقيقة عكس ذلك تماما. لاحظوا أن الأديان كلها، تؤكد على الجانب الأخلاقي في الإنسان كجزءٍ من كينونته. جاءت لتحفظه من التفكك والإنسحاق أمام منطق المادّة. مفهوم الحشمة وتغطية أماكن معينة من الجسد، نشأ مع "آدم" وزوجه والشجرة المحرمة. من تلك الواقعة ، إبتدأت مسيرة البشرية في تغطية الجسد، وستر مواقع حساسة فيه. حتى الإنسان البدائي ألذي سكن الكهوف، كان يغطي عورته ، بجلد الحيوانات التي يصطادها.

وعند مجيء الديانات السماوية، تطور مفهوم تغطية الجسد والحشمة. ففي الديانة اليهودية، يذكر "سفر التكوين" في نصوص العهد القديم، أن حجاب المرأة، يجب أن يستر جسدها وشعرها ووجهها كاملاً.

لم تفرض الديانة المسيحية، أنماطاً معينة من اللباس الخارجي. إلا أنها اعتبرت ألحشمة تعبيراً عن إلتزام المؤمن والمؤمنة بتعاليم الرب. ويجب أن تعكس مافي النفس من التقوى والورع. فلا يمكن أن تجد صورةً أو تمثالاً للسيدةِ مريم العذراء عليها أطيب السلام، إلا وهي مغطاة الجسد والرأس. أضف إلى ذلك، لباس الحجاب للراهبات في الكنيسة، وفرضُ عددٍ من الكنائسِ المسيحية، تغطية المرأة لشعرها أثناء حضور القداس.

وعندما جاء الإسلامُ، مُتَمِّماً لما حملته الأديان السابقة عليه، من دعوةٍ إلى الحشمة وستر العورات، جاء في القرآن الكريم عددٌ من الآيات، التي تحدثت عن تغطية المرأة لجسدها وشعرها وعن احتشامها.

وهنا، إلتقطت الحديث طالبة محجبة في مرحلة البكالوريا، لتقول: في وقتنا الحالي، صار الحجاب أحد أهم نقاط الإختلاف بين المسلمين بكل مذاهبهم. يراه بعضهم فريضة عينٍ على كل امرأةٍ مسلمة بالغة عاقلة، وبعضهم يرى فيه عادةً إجتماعية لا شأن للدين بها. هذه الحيرة والتضارب دفعت بكثيراتٍ من المتحجبات إلى خلعه. ولنكون منصفين، لا بد من الإعتراف، بأن الحجاب، قد بات في العصر الحالي، مفهوماً إختلط فيه الدين مع العرف الإجتماعي، حتى بات أقرب إلى عادةٍ إجتماعيةٍ في كثيرٍ من الحواضن الإجتماعية والثقافية. ، مما جعله لدى البعض، عادةً سلوكيةً مجردةً من أي قيمة دينية، يرتديه بعضهم، مخافة من الناس أكثر من إله الناس.

قلت: مشكلتي مع النقاشات ألتي تدور حول الحجاب، تتمركز حول الإختزال الكبير له، وحصره في قضية اللباس. وإختزال هذا اللباس بغطاء الرأس فقط.. القطيعة ألمفتعله بين مضمون الستر، التي أعتقد أنها المصطلح الذي يجب أن نستبدل به كلمة حجاب، وتحقيق قيمة الحشمة التي تنطوي تحتها الإختيارات المتعلقة بملبس الأفراد ، هي منبع الألتباس.

تقدم نحو المايكروفون بخطى وئيدة ، طالب وسيم أنيق المظهر، أظنه لم يكمل ألعشرين من عمره، وسأل مباشرة بصوته القوي، دون إستعمال المايك الذي يمسك به: هل الستر والإحتشام يا سيدي ، منوطٌ بالمرأةِ وحدها؟

قلت: يا ولدي، هذا تغافل متعمد مشبوه. وإلا، كيف نتغافل عن أن مطلب الإحتشام، شامل عابر لكل بني آدم على الإطلاق؟ الستر والإحتشام تكليف لكل بني آدم . ولم يقتصر على بنات آدم وزوجه حواء.

مدربة الرياضة في المدرسة، سيدةٌ غير محجبة، لم تصل الثلاثين من عمرها. سألت وهي تبتسم: هل الستر يا سيدي هو الاحتشام؟ يتحدث كثيرون هنا وهناك، حول الحجاب والستر، بينما القليل منهم من يتحدث عن الحشمة.

قلت فَرِحا بسؤالها: لقد لامستِ يا سيدتي، مفصلا أساس في دهاليز ذاك الجدل. فعندما نربط المظهر المادي للستر (الحجاب) ، بالمتطلب النفسي للإحتشام، سيغدو الأمر ايسر للفهم. وسيغدو الستر والإحتشام، تحريراً لأنفسنا لا تقييداً لأجسادنا. فالحد الأدنى من الإنسياب السلس مع المقاصد الربانية هو الحشمة. حشمة تجعلنا نستحي من الخيلاء، أو أن نتجبرعلى خلق الله، ونزاحم الله في قوته ومجال حكمه، يمنعنا الإحتشام من أن نفسد ما سخره لنا في هذا العالم، حشمة تلف حياتنا، تقودنا بالنتيجة، إلى أن نسير في الأرض، ونحن نحني الرؤوس لخالقنا ، في كل شؤوننا وأحوالنا.

في ظل ثقافة التعري العابث، يمثل الإحتشام، عنوانا بارزا في المقاصد الربانية من الستر. تلك مقاصد التي ما جاءت من فراغ . جدل الستر – الإحتشام، كرمز وفعل، ليس مجرد ملبس. ولكنه بناء نفسي متكامل. في يبثه الإحتشام تتجسد تصرفات المؤمنين وتصبغ حياتهم، بعيدا عن كل محاولات التمييع والإلتفاف المتخابثة. دون أن ننسى ولو للحظة واحدة، علينا أن نعترف بلا تأتأة او تمويه مفتعل، أن ثقافة الإحتشام ليست محصورة بالإسلام فقط. بل تتمايز بها كل الديانات ، وعابرة لكل مذاهبها وفرقها ونحلها.

وهنا وقف رجل يشوب شعره الكثير من الفضة، ويشي مظهره بوقار مكتمل. عرَّف عن نفسه بأنه المستشار القانوني للمدرسه ليقول: طالما أن هناك ما هو أهم من مجرد اللباس وهو الحشمة والاحتشام، ليتك يا سيدي، توجز لنا كيف نحتشم مع الستر؟

قلت: إن الإحتشام بناء نفسي متكامل. يُبنى بهدوء وتدرج ورفق. ليصبح ثقافة جمعية، تعنون أي مجتمع دون إفراط ودون تفريط، يجب أن لا يفرض بأي قوة ولا أي سلطة، لأنه جزءٌ من بناء النفس الطبيعية، إذا أخذ حقه في النمو عبر أطوار الزمان والحياة.

عادت زينب مديرة المدرسة ، قبل إنتهاء وقت الورشة لتقول: ليتك يا شيخنا، تبين للحضور الكريم ، فيما إذا كان الحجاب عبادة أم لا.

قلت فَرِحاً أيضا بطلبها: العبادة في كل الاديان السماوية، علاقة خاصة بين الإنسان وربه. وهي قناعة حرة قبل أن تكون فعلاً. فالأعمال بالنيات. والحرية التي منحها الله لعباده عندما خلقهم، ليس من حق احد كائنا من كان، ان يسلبهم إياها في تشريعاته وقوانينه الدنيوية. الحرية من مقاصد الله العليا، الى جانب التوحيد والعدل والسلام والأخلاق. فَرَبُّ كل الناس، يؤكد هذه الحرية في أكثر من مناسبة، ومكان في القرآن الكريم : يقول سبحانه فيما يقول : "لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ". ويقول أيضا : "أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ"؟ ويضيف سبحانه (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ).

وهذه الحرية بطبيعة الحال لها سقفٌ لا يمكن تجاوزه ، (الأخلاق) . بمعنى آخر لا تُجْبَر الفتاة على اللباس بشروطه الشرعية عملاً بمقصد الحرية. ولا يناقض ذلك فرض الإحتشام العام، فَتُسْتَر مواضع الفتنه, لحل الإشكال والتضارب بين مقصد الحرية ومقصد القيم والأخلاق، لا بد من التسليم، بأن الحجابَ ليس زِيّاً ترتديه المرأةُ على رأسِها، لتخرُجُ به. بل أسلوبُ حياةٍ. فِلّلباس بُعدٌ أخلاقيٌ. وهذا ما يُعَقد عملية الحكم لدى المتصيدين، من أدعياء التحرر، وأدعياء التدين. يحجرون على الحجاب في قفص الإتهام. بينما المتهم الحقيقي، هي ثقافة المجتمع المغلوطة من حوله.

الحجاب بريء من أي تهمة يحاولون عبثاً إلحاقها به .

الاردن – 14/10/2017

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.