اخر الاخبار:
أصغر رئيسة وزراء يسارية في تأريخ فنلندا - الثلاثاء, 10 كانون1/ديسمبر 2019 17:40
العراق يستذكر "النصر" على داعش باحتجاجات دامية - الثلاثاء, 10 كانون1/ديسمبر 2019 11:22
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

كـتـاب ألموقع

عشوائيات في الحب- السابعة: في ظلال زيتون// د. سمير محمد ايوب

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

د. سمير محمد ايوب

 

عرض صفحة الكاتب

عشوائيات في الحب- السابعة: في ظلال زيتون

د. سمير محمد ايوب

 

إبتدأ موسم قطاف الزيتون، منذ ايام هنا في الاردن. اعشق طقوسه بكل تفاصيلها، منذ ايام الولدنه في شويكه ، قريتي الوادعة في فلسطين المحتله . ولا ازال.

 

من اجل أن لا يفوتني شيء من طقوس هذا الموسم، كساري الليل وصلت مبكرا اليوم، مزرعتي في اطراف محافظة المفرق (قرية المعمرية - بلعما). واسترخيت في ظلٍّ وارفٍ إشتركت في نسجه غصونُ شجرتي زيتون ورمان، متجاورتان بسلام عادل، وبلا مناكفات صبيانية. كل واحدة منهما مثقلة بعناقيدها من الثمار المباركة. أحتسي بتمهُّلٍ مُتعمَّد، كوبا من القهوة المُشبعة بيمنيَّتِها ( كانت مهداة لي من صديقة هناك ) . وموجات بصري تتلاطم مع قطعانٍ من الدبابير الحمراء الطنانه، تغزو بقايا اشجار التين والعنب أمامي. تلتهم جثث حباتٍ من تين مُتأخر ، وأشلاء عناقيد عنبٍ، لا تزال تقاوم نسائم الخريف المبكر. مستغرقا كنت في تأمل هذا الصراع الأزلي بين أسرار البقاء والفناء، وأشكالهما ومساراتهما، حين تسللت من بين المتناوبين بجانبي، على التقاط الكثير من عناقيد الزيتون الأسود والأخضر، بأناقة ملحوظة وحنان لا تخطؤه عينُ مراقب، صبيةٌ لي تجاوزتِ الخمسين من عمرها، أرملة وحيدة، يعانقها بنبلٍ الكثيرُ من الجمال البلدي الأنيق، ناشطة في المشهد الثقافي المحلي، تدرسُ الفلسفة في جامعة أردنيه، بعد أن تشربت بالكثير من ثقافات الدنيا وحضاراتها. جاءت بثوبها الفلاحي الأسود، الموشَّى بحريرِ التطريز. يلف هامتَها شماغ أبيض ( لا أسود ولا أحمر ) ، ناصع البياض. سحبت صندوقا بلاستيكيا مما تُجمع به حبات الزيتون، وجلسَت قبالتي، دون أن تُلقيَ كعادتها بتحية منطوقه بشفتيها، بل أصرت على أن تكون تحيتُها إيماءات من رأسها، واستئذانُها في مشاركتي خلوتي تلك، إرتعاشاتٌ مُبهمة من أصابعها.

 

تلاقت ابتساماتُنا، واختلطت حدودُها المُرتَبكه. وسارعَتْ لسؤالي قائلة: أحسك مُنصتا لشيءٍ يُطربُك. أهو طنينُ الدبابير، أم همسُ نسيمِ الصباح، أم حفيفُ الشجر؟

 

قلت متعجبا مستنكرا : ألا تنصتين للموسيقى التي يعزفها ذاك الكناري الحيران ، أمامك هناك على شجرة التين؟

 

نظرَتْ إليه باحثةً عنه وقالت : بلى أسمعه منذ وصلتُ إلى هنا . ما بالُك به؟

 

قلت متخابثا: أظنه يزقزق قلِقا، علّها تسمعه، وتسارع في الحضور إليه، إما بصوتها أو بجلال قدرها.

 

قهقهت بشيءٍ من السخرية المحببة، والحسد المتلفع بتساؤل يرتجف على شفتيها المكتنزتين، بعد ثوان من النظر في عيني قصفتني كالرعد الذي لم يسبقه برق ولا تبعه وميض: أيُحِبُّها عصفورُك؟

 

قلت نعم، أظنه لا يملك إلا أن يحبَّها . لأنه شجاع . فالأقوياء وحدهم هم الذين يطيقون الحب ، ومواسمه ومراسمه . الحب يا سيدتي لا يتعايش مع الجبناء.

 

سارعت لتسأل وهي تتلفت: ولكن أين يقيم مثل هذا الحب، في عصر الارتطامات التقنية ، وتطبيقاتها وآفاقها المشرعة الأبواب؟

 

قلت وانا أبابع تلفتاتها: يقيم هذا الغازي غير المستأذن، بين القلب والعقل . وهو مثل زوج الإثنتين من النساء، يتنقل بينهما. تارة هنا وطورا هناك . والحصيف من يجمع بينهما في بيت واحد متجاور الغرف . ليبقي ما بين القلب والعقل متصلا متشابكا . سالت بتعجل وحيرة : كيف أميز بين الأصيل والبديل ، فيما تُصرُّ على تسميته حبَّا ؟ بين الغث والسمين فيه؟ بين الصادق والأشباه والنسخ المزورة منه؟

 

قلت بين الجد والهزل: إبحثي عنه في  كل ما يعتريك من تحولات نوعية كثيرة. فأينما تقع عيناك تجديه. وأينما اتجهت قدماك هي الأخرى، تجديه هناك. لو غضبت منه احتضني شوقك إليه. من أجله تفارقين نوما لذيذا. وكلما ضاقت بك الدنيا ، تسأليه أن يناجي ربه بشكواك وأن يصلي من أجلك.

 

تنهدت وهي دامعة، وسألت وهي تهم بالابتعاد عني: قل لي بربك أينكسر الحب؟

 

سارعت قبل ان تبدء خطوات الابتعاد ، قائلا : الحب الحق يا سيدتي ، لاينكسر كالعيدان اليابسه ، بل ينحني ناعما كالحرير .

 

الاردن 11/11/201354

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.