اخر الاخبار:
الصحة تسجل 4471 إصابة جديدة بكورونا - الخميس, 24 أيلول/سبتمبر 2020 19:48
استقطاع 18% من رواتب موظفي الاقليم - الخميس, 24 أيلول/سبتمبر 2020 19:47
العراق يخرج من قائمة الدول عالية الخطورة - الخميس, 24 أيلول/سبتمبر 2020 09:53
القبض على عنصرين من "استخبارات داعش" في بغداد - الأربعاء, 23 أيلول/سبتمبر 2020 19:32
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

كـتـاب ألموقع

لا لكي نوقف الانهيار// صالح الطائي

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

صالح الطائي

 

عرض صفحة الكاتب 

لا لكي نوقف الانهيار

صالح الطائي

 

يكذب من يدعي عدم وجود انهيار حقيقي في العلاقة التاريخية بين الناس والأديان، وواهم جدا من يرى أن التثقيف الإلحادي لن يؤثر على منظومة الدين على المدى البعيد، فالانهيار كان قد بدأ منذ زمن طويل بتسارع يتناسب مع مراحل التبدل الفكري وولادة المنظومات الحديثة، ولكنه تحول اليوم إلى سيول جارفة ستقتلع أكثر أشجار الحقيقة رسوخا، وتُجرِّد الأرض من رونقها، وتجرف التربة الصالحة للإنبات، فالتثقيف الإلحادي الذي تقوده منظمات دولية جبارة مدعومة ماديا وإعلاميا بمؤسسات هي الأعظم في التاريخ بدأ يؤتي أُكله، ويؤسس له قواعد في قلوب وجيوب شرائح مهمة من المجتمع ولاسيما طبقتي الشباب والبسطاء السذج.

 

ونحن إن كنا سكتنا بالأمس عما كان يقال، طالما أنه محدود التأثير بسبب عدم قدرته على الانتشار الواسع، يجب علينا اليوم أن نحذر من أثر تكرار الأقوال التي تنتقص من الدين والشريعة جهاراً على مسامع شبابنا عبر وسائل التواصل والانترنيت، فالنكوص والقهقري باتا أمران في متناول الجميع، وأعداد المرتدين والمتحولين بدأت تتفاقم بشكل خطير، وأؤكد هنا أننا لا نتخوف على الدين منهم لأنهم أضعف من أن يؤثروا على عقيدة تدعمها السماء، ولكننا نتأسف على حالهم وما سيئول إليه أمرهم بعد أن يخسروا الدنيا والآخرة، وبعد أن يتقدم بهم العمر فيجدون أنفسهم وحيدين ضائعين.

 

إن عملية الانكفاء لم تعد بمثل تلك الصعوبة القديمة المعهودة بسبب التبدل الكبير في وسائل النشر، فإذا رافقها عجز عن تطبيق الأحكام الرادعة ولو بمستواها الأدنى، أي الرد عليهم وليس قتلهم أو استتابتهم أو مضايقتهم أو سلبهم حريتهم، فسيكون التحول في متناول يد الجميع وسنخسر كفاءات؛ نتحسر عليها بعد حين. وهذا واقع ملموس فقد كنت قبل أيام أقرأ مقالا بعنوان "القصيمي من الوهابية إلى الإلحادية" بقلم الأستاذ داود السلمان(1) تحدث عن انكفاء القصيمي من تشدد السلفية إلى عالم الإلحاد المفتوح على مصراعيه.

 

والقصيمي لمن لا يعرفه هو: عبد الله بن علي النجـدي القصيمي (1907- 1996م ـ 1416هـ)، كان والده شيخا متزمتا وسلفيا متشددا، فنشأ على عقيدة أبيه في السلفية المتشددة، ثم سعى لتطوير قدرات سلفيته ودعمها بالعلم، فوفد إلى العراق لمتابعة تعليمه في مدرسة الشيخ أمين الشنقيطي، في منطقة الزبير التابعة للبصرة، ثم التحق بالمدرسة الرحمانية بنفس المنطقة، ومن ثم رحل إلى الهند ومكث فيها عامين، وبعدها عاد إلى العراق والتحق بالمدرسة الكاظمية، ثم رحل إلى دمشق، ومنها إلى القاهرة وانتسب إلى جامعة الأزهر؛ التي فصلته بسبب تشدده يوم لم يكن للسلفية موطئ قدم في مصر مثلما هي عليه اليوم. فبعد كم المؤلفات والمحاضرات والخطب والتوصيات والحوارات التي قام بها لدعم سلفيته، توقف القصيمي فجأة، واستدار 180 درجة، وأعلن كفره وإلحاده بكل الأديان، ووظف خبراته العلمية ليدعم منهجه الإلحادي الجديد، فألف كتبا إلحادية تُكفِّر جميع المذاهب الإسلامية، منها: "لئلا يعود هارون الرشيد" و"الإنسان يعصي لهذا يصنع الحضارات"، وبدأ ينتقد الفكر والتراث الديني بشكل قاسٍ جداً، وهذا ينبيك بقدرة التبدل التي تنجح باقتلاع سلفيٍ جامدٍ من جذوره اليسارية المتطرفة جدا لتلقي به إلى أقصى اليمين المتطرف.! ويعني هذا أن من الحقائق التي لم ندرك حجمها بعد، ولم نُعطها حيزا تستحقه في تفكيرنا أمران مهمان الأول تسارع وتيرة انتشار الإلحاد بين الشباب. والثاني ولادة تيار جديد يعتقد أن ثقافة البحث عن الإيمان خارج المحراب أجدر من الارتباط بتقليدية المسجد وأبوته القاسية. وهما كلاهما ثقافتان غزتا ساحاتنا الفكرية بشكل خطير، وأن هذا التبدل أنتج خطا موازيا لخط الإيمان ومنافساً له.

 

والذي أراه ان الذي تسبب في انهيار المنظومات التقليدية الدينية والحياتية، والاستهانة بالمقدس، وطغيان ثقافة المدنس، هو تبدل المفاهيم وتغير المصطلحات؛ الذي وُلِدَ من الانفتاح الأخلاقي المرافق لتنوع الآراء، ودفقة الشجاعة الزائفة المكتسبة من الاختباء خلف لوحة مفاتيح الحاسوب، بعد أن غُيبتْ وأُغلقتْ ساحاتُ المواجهة العلنية الأولى التي كان المُجالد يحسب لها ألف حساب قبل أن يتخطى عتبتها ليخوض غمار المساجلة مع علماء كبار.

 

فالجنسية غير الطبيعية على سبيل التوضيح كانت فاحشةً متفقٌ عليها في كل الحضارات والأديان بما في ذلك حضارتنا المعاصرة، وكانت تسميات مثل: "المنحرفين" و"الشواذ" تعطي ذات المعنى المتفق والمُتعارف عليه، نجدها اليوم قد تحولت إلى معنىً آخر بعيداً عن مضمونها المصطلحي واللغوي والأخلاقي المتداول تاريخياً؛ بعد أن تغير مصطلحها، وأُنِّقْ وجُمِّل لتصبح: "المثلية" بكل ما يوحيه هذا المصطلح من معانٍ خادشة بعيدٌ ظاهراً عن معنيي الشذوذ والانحراف التقليدي، وأصبح التحدث عنها لا يخضع للتابو الأخلاقي التاريخي بعد أن تحشدت قوى ظلامية داعرة لتوحي للشاذ بأن ما يمارسه هو حق من حقوقهِ مثل أي حقٍ آخر، تُقره الحياة المعاصرة وتُدافع عنه، وهو الأمر الذي دفع المنحرفين إلى تأسيس اتحادات ومنظمات وجمعيات محلية ودولية، غطى موقفها قانون الأمم المتحدة والقانون الوضعي لبعض دول الغرب، وهي قوانين أباحت ممارسة تلك الأفعال، واتخذت جانب الدفاع عنها، وخصص دعاتها جوائز للمتميزين من دعاة المثلية والمناضلين من أجلها، ومن ذلك ما قدم من دعم للفتاة المصرية "شروق العطار"بنت الخامسة والعشرين، التي ما إنْ تقدمت بطلب للجوء إلى المملكة المتحدة، حتى قبل طلبها، ثم منحت جائزة أفضل شاذة مهاجرة، لأنها تعمل للدفاع عن حقوق المثليين في بلادها الأم مصر(2). في وقت مات فيه آلاف المهاجرين الباحثين عن لقمة عيش غرقا في البحار والمحيطات دون أن يلفتوا انتباه رعاة تلك القوانين والمشرفين عليها.

 

ومثلها الشاذة المصرية الأخرى "سارة حجازي" المدافعة عن حقوق المثليين في كندا؛ التي انتحرت مؤخراً لأنها فشلت في تحقيق الفوز في مغامرتها اللاأخلاقية المنحرفة.

ولا تقف المهاترة عند هذه الحدود فالدول التي تريد الدفاع عن موروثها صارت تتهم بأقبح التهم، وتجعل من نفسها عرضة للانتقام. فبعد أن وصف الرئيس البولندي "اندجيه دودا" في خطاب ألقاه أثناء حملته الانتخابية المطالبة بحقوق المثليين بأنها أيديولوجية أكثر تدميرا من الشيوعية، اتهم حزبه حزب العدالة والقانون أن لديه أجنده مناهضة للمثليين، وفي تقرير أصدره الفرع الأوربي للمؤسسة الدولية للمثليين والمثليات ومزدوجي التوجه الجنسي والمتحولين جنسيا وثنائيي الجنس (ILGA Europe) وُصفت بولندا بأنها أسوأ دول الاتحاد الأوربي أداء فيما يتعلق بحقوق المثليين، وهذا يؤثر كثيرا على درجات تقييمها داخل الاتحاد، وبالتالي يؤثر على الدعم المقدم لها مما يوقعها في مشاكل تجبرها على التخلي عن منهجها. كل ذلك لأن الرئيس تجرأ وقال في أحد خطابات حملته الانتخابية في مدينة "بجيغ" جنوبي البلاد إن: "الأهل مسؤولون عن تربية أطفالهم الجنسية" وأنه "لا يمكن لأي مؤسسة أن تتدخل في الطريقة التي يختار الأهل أن يربوا بها أولادهم"(3)، وهذا يعني أن الدول بدأت تفقد سلطاتها المحلية لصالح سلطة الحكومة العالمية الواحدة التي تسعى إليها الماسونية والصهيونية.

 

ونحن حينما نجد أنفسنا واقفين أمام مثل هذا الامتحان الدولي العسير، مع علمنا بقلة عددنا، وضعف حالنا، وتفشي الجهل والأمية الثقافية بين صفوفنا، لا يعد أمامنا سوى النضال باستماتةٍ من أجل الحفاظ ولو على بقايا الموروث الإنساني الطاهر الذي تركه لنا ديننا وعروبتنا، ولا بأس أن نساير العصر وفق ضوابط الدين لكي نوقف الانهيار، ونتصدى للهجمات المرتقبة.

 

الهوامش

(1)  ينظر: صحيفةالمثقف، الرابط:

http://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=947208&catid=327&Itemid=123

 

(2)  وكالات الأنباء ومنها بي بي سي 19 نيسان 2018.

(3)  المصادر نفسها.

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.