اخر الاخبار:
سقوط مدني ضحية بقصف جوي تركي شمال دهوك - الخميس, 18 تموز/يوليو 2024 09:01
قصف بطائرة مسيرة يستهدف قرية في السليمانية - الأربعاء, 17 تموز/يوليو 2024 08:48
حماس توقف مفاوضات هدنة غزة - الأحد, 14 تموز/يوليو 2024 09:31
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

كـتـاب ألموقع

بغداد والتطبيع القسري: أنبوب نفط "البصرة -العقبة" قيد التنفيذ// علاء اللامي

تقييم المستخدم:  / 2
سيئجيد 

علاء اللامي

 

عرض صفحة الكاتب 

بغداد والتطبيع القسري: أنبوب نفط "البصرة -العقبة" قيد التنفيذ

علاء اللامي

 

بعد سنوات من التردد والتسويف والممانعة التي دأبت عليها الحكومات العراقية المتتالية، اتخذت حكومة السيد محمد شياع السوداني التي شكلها ويدعمها تحالف الأحزاب الإسلامية الشيعية "الإطار التنسيقي" خطوة عملية مهمة للبدء بتنفيذ مشروع مثير للجدل هو مشروع أنبوب نفط "البصرة – العقبة"، حيث أعلن النائب البصري مصطفى جبار سند عن إدراج المرحلة الأولى من هذا المشروع والتي تصل بالأنبوب إلى مدينة "حديثة" في الموازنة العراقية العامية وتخصيص مبالغ ضخمة لهذه المرحلة قدرت بأربعة مليارات وتسعمائة مليون دولار، وتعادل ستة ترليونات وأربعمائة مليار دينار عراقي. ومعلوم أن العراق سيتحمل تكاليف بناء الأنبوب داخل الأردن أيضا وحتى ميناء العقبة ثم تؤول ملكية القسم الأردني منه بعدها إلى الأردن.

 

تأريخيا، تعود أوليات هذا المشروع إلى سنة 1983 حين اتفق العراق والأردن خلال الحرب العراقية الإيرانية على مد هذا الأنبوب. وتم التخلي عن المشروع وإهماله بعد أن فشلت الدولتان في الحصول على ضمانات دولية بعدم تعرض الكيان الصهيوني للأنبوب وتدميره. وبعد اسقاط الحكم العراقي السابق واحتلال العراقي وقيام النظام الجديد عاد المشروع الى الواجهة سنة 2012. حيث اتفق رئيس مجلس الوزراء العراقي آنذاك نوري المالكي مع الأردن على البدء بتنفيذ هذا المشروع بعد عام من الاتفاقية العراقية الأميركية على انسحاب قوات الاحتلال. وقيل حينها إنَّ موافقة حكومة المالكي على هذا المشروع تأتي جزءاً من ثمن الانسحاب الأميركي السري وتسليم قيادة الحكم للأحزاب الإسلامية الشيعية. وقد زار وزير النقل العراقي آنذاك هادي العامري الأردن سنة 2014 وأبلغ الأردن موافقة العراق على المشروع وقرب البدء بالتنفيذ، وبعد عام واحد أي في سنة 2015 زار وزير النفط آنذاك عادل عبد المهدي الأردن وكرر موافقة العراق على المشروع وأعلن إشراك مصر فيه.

 

ولكن المشروع تعرقل مجدداً بعد اجتياح تنظيم الدولة "داعش" وسيطرته على ثلث مساحة العراق وانتهاء فترة حكومة المالكي الثانية بهزيمة قواته التي شكلتها ودربتها واشنطن أمام مسلحي داعش. وفي سنة 2017 تجدد الضغط الأميركي على رئيس الوزراء الذي قاد عملية القضاء على تنظيم الدولة "داعش" حيدر العبادي، وصرح هذا الأخير بأن العراق دعا الشركات المتخصصة لتقديم عروضها لتنفيذ المشروع وتلت ذلك فترة من التسويف والضغوطات الأميركية. وفي سنة 2019 وقبل استقالته أعلن رئيس الوزراء عادل عبد المهدي أن حكومة أعادت النظر كليا بالمشروع ليكون ثلاثيا؛ عراقياً أردنياً ومصريا. ومع حكومة مصطفى الكاظمي بلغ الإصرار العراقي على تنفيذ المشروع أوجه، وظل رئيس الحكومة يصر على تنفيذه حتى أيامه الأخيرة، ولكنه رحل وترك هذه القنبلة الاستراتيجية على مكتبة خليفته الحالي!

 

لقد تعرضت حكومة الكاظمي المتهمة بالتقارب والتعامل المباشر مع السفارة الأميركية لنقد حاد ومحق من مجموعة الأحزاب والفصائل الإسلامية الشيعية الحليفة لإيران آنذاك ولكن - ويا للعجب - فهذه المجموعة الناقدة نفسها غيرت موقفها 180 درجة عمليا وسكتت هذه الأيام على الحكومة الحالية التي بدأت التنفيذ فعليا.

 

لقد قيل الكثير عن هذا المشروع، وهو يعود كما يبينا الى مرحلة ما قبل الاحتلال الأميركي، ولكن طبيعته وأهدافه تغيرت خلال سنوات الاحتلال الأولى، وأمسى واحداً من عدة مشاريع وضعتها مجموعة كروكر (وهي مجموعة مخابراتية أميركية بعضوية خبراء عراقيين للتخطيط والتنفيذ، وكنتُ قد أمطتُ اللثام عن هذه المجموعة وأسماء أعضائها وأهدافها في مقالة بعنوان "هل تحكم مجموعة كروكر العراق؟" نُشرت في الأخبار في عدد 7 أيلول 2017). لنلقِ الآن نظرة على هذا المشروع من داخله ومن خلال ما قاله الخبراء والمتخصصون والساسة والصحافة الأجنبية:

نشرت جريدة إندبندنت البريطانية/النسخة العربية، في عددها الصادر بتاريخ الخميس 1 تموز - يوليو 2021 تقريراً اقتصادياً مفصلاً عن هذا المشروع بعنوان (العراق يصر على تنفيذ أنبوب "البصرة ـ العقبة" النفطي رغم الانتقادات) خلصت فيه إلى أنه "لا قيمة تجارية له على الإطلاق، لأن كُلفة نقل البرميل الواحد فيه قد تصل إلى تسعة دولارات إضافية مقابل ستين سنتاً عن طريق موانئ البصرة".

وفي تفاصيل وأوليات الموضوع أيضا نعلم من تقرير الاندبندنت أن المشروع: "منذ الإعلان عن الاتفاق بين الحكومة العراقية السابقة، برئاسة عادل عبد المهدي، والحكومة الأردنية في عام 2019، واجه سلسلة انتقادات وتشكيك من أحزاب وجماعات شيعية، وصلت إلى حد اعتباره بدايةً للعلاقة مع إسرائيل خلال الفترة المقبلة".

 

ونقرأ أيضاً رأياً للباحث العراقي في مجال النفط حمزة الجواهري قال فيه إنَّ "الكُلف المرتفعة لتصدير النفط العراقي عبر الأنبوب العراقي - الأردني والمخاطر الأمنية من تفجيره تجعل منه غير مجدٍ اقتصادياً". وأضاف الجواهري أن "26 مليار دولار - بجميع مراحله - كُلفة إنشاء الأنبوب النفطي وهو رقم كبير، ما يعني أن كُلفة مرور برميل النفط الواحد ستبلغ تسعة دولارات، في المقابل فإن كُلفة تصديره من الخليج عبر موانئ البصرة هي 60 سنتاً". الجواهري أضاف أن "العراق سيقدم ضمانات سيادية - وهي ضمانات خطرة لا تجرؤ أغنى الدول على تقديمها - من أجل إنشاء هذا الأنبوب كونه سيكون أنبوباً عراقياً، وبالتالي سيكون المستفيدان منه هما دولتا الأردن ومصر، أما العراق فسيتحمل أي خسائر تطرأ". أما عن دور إسرائيل فقد أوضح الباحث العراقي "أن "الأنبوب يمر عبر مضيق تيران الذي تتحكم به إسرائيل بضمان عدة دول جميعها على علاقة جيدة بها"، معتبراً أن "أفضل الحلول هو استمرار تصدير النفط عن طريق موانئ البصرة على الخليج مع زيادة قدرتها التصديرية".

 

خبير اقتصادي عراقي آخر هو د. عبد علي عوض كان أكثر صراحة وحدة فوصف هذا المشروع بالكارثة! يخبرنا د. عوض في مقالة له "لقد أبدَت عدة شركات استثمارية استعدادها لإنجاز ذلك ألمشروع، وفي البداية قدّمت التكاليف التخمينية بمقدار 18 مليار دولار... وهذا يعني أنّ العراق سيدفع مبلغ يزيد على تكلفة النقل المعتادة بأربعة أضعاف على استخراج برميل واحد من باطن الأرض! ويتضمّن المشروع إقامة محطات الضخ، إضافة إلى إنشاء مستودعات التخزين في ميناء العقبة.. والجانب الأردني لن يدفع سنتاً واحداً من تكاليف إنجاز ذلك المشروع، إنما يريد قطف ثماره من دون أية نفقات".

 

يعتبر هذا المشروع العبثي والذي لا طائل تجاريا منه إحدى فقرات مشروع أطلق عليه "الشام الجديد"، ثم غيروا اسمه - لأنه لا يمر بقلب الشام سوريا ولبنان- وسُمِّيَّ مشروع "المشرق الجديد"، وهو مشروع أميركي غربي إسرائيلي يهدف في الدرجة الأولى إلى زجِّ إسرائيل في اقتصادات المنطقة ومحاصرة سوريا وإيران ومعهما كل دولة ترفض التطبيع والاستسلام.

 

أن من المعروف أن نفط العراق يذهب أغلبه الى دول في آسيا وجنوب شرقها وفي مقدمتها الصين والهند وأقصر طريق لها هو عبر موانئ العراق فالخليج فالمحيط الهندي. أما البحر الأحمر فلا يؤدي إلا إلى الكيان الصهيوني ومصر والسودان وأثيوبيا ودول جنوب أفريقيا واليمن والسعودية، وغالبية هذه الدول ليس لها أي تعامل تجاري نفطي مع العراق، أو أنها دول منتجة ومصدر للنفط كالسعودية، فلا يبقى سوى إسرائيل وأول دولتين عربيتين اعترفتا بها وتطبعان معها وهما الأردن ومصر، وها قد اتضحت خطة المشروع الآن!

 

إضافة إلى كل ما سبق، تأتي الكلمة الفصل في كشف حقيقة مشروع أنبوب البصرة العقبة بالأرقام والوقائع في مقالة مهنية للخبير النفطي العراقي أحمد موسى جياد، بعنوان "أنبوب نفط البصرة - العقبة...الاعتبارات الاقتصادية والقانونية والجيوسياسية والجيوستراتيجية" وردت فيها الخلاصات التالية نقتبس أهمها حرفيا عن المقالة:

-في أقل من أربعة أشهر في عام 2021 عرض وزير النفط العراقي موقفين متناقضين تماما يتعلقان بكلفة ونوعية عقد تنفيذ هذا الأنبوب حيث تباينت الكلفة بما يزيد على 14 بليون/مليار دولار رغم بقاء الأساسيات الفنية ومكونات المشروع على ما هي عليه وبدون تقديم أي تفسير لهذا التباين غير المسبوق.

 

-يُستخلص مما تقدم ما يلي: أولا: عدم توفر اي منفذ لتمويل المشروع لغاية 14 نيسان 2022. وثانيا، لا يوجد اي مؤشر لتوصل وزارات النفط والتخطيط والمالية الى امكانية تمويل المشروع ضمن اتفاق إطار التعاون الاستراتيجي الصيني – العراقي.

- لم تعرض وزارة النفط لغاية تاريخه دراسة الجدوى الاقتصادية للمشروع رغم التغيير الهائل في كلفة المشروع وتبديل ونوعية العقد التنفيذي!

-في 20 تشرين أول 2021 ذكرت وزارة النفط ان كلفة المشروع تبلغ 12.1 مليار /بليون دولار وتشمل أربع فقرات وهي الكلفة الرأسمالية وكلفة التمويل ومبلغ الاحتياطي ومبلغ الاشراف والمراقبة (تبلغ الكلفة الرأسمالية وكلفة التمويل 10.917 مليار دولار).

-تقول الوزارة إنَّ "البيئة السياسية، القانونية متوفرة في كل من العراق والأردن"، فهل هذا صحيح؟ وإذا كان الامر كذلك، فهل تمت دراسة اتفاقية "وادي عربة" (بين الاردن والكيان الاسرائيلي) وتقدير مدى تأثيرها على الأنبوب من كافة الجوانب التنفيذ والتشغيل والامنية؟

-نظريا، لو تم تطوير جميع منافذ التصدير -الموجودة الآن - فسيكون للعراق طاقات تصديرية تفوق أكثر من ضعفي الطاقة الإنتاجية للنفط. يبلغ مجموع هذه المنافذ ما يزيد على 13 مليون برميل يوميا، منها 7 مليون برميل يوميا كانت من خلال منافذ التصدير في تركيا وسورية والمملكة العربية السعودية.

- تشير المعلومات الى إمكانية توفر خطين لتصدير النفط من خلال سورية: الاول قديم بطاقة 2.2 مليون برميل يوميا ويحتاج الى اعادة تأهيل مكثفة وينقل نفط كركوك الى كل من حمص وميناء بانياس، والثاني جديد ينقل النفط الثقيل من الحقول الشمالية الى طرطوس وبطاقة 1.5 برميل يوميا؛19 وبذلك يمكن ان تتوفر طاقة تصديرية من خلال المنفذ السوري تفوق انبوب البصرة – العقبة في حالة اكمال مد كلا الانبوبين أو أي منهما.

-ان كلفة ضخ البرميل بالأنبوب من البصرة الى العقبة بواقع 10.33 دولار مرتفعة للغاية مقارنة بكلفة النقل البحري من البصرة الى العقبة والتي تستطيع شركة التسويق الحكومية "سومو" تحديدها بدقة. وهذا ربما يفسر عدم حماسة مدير عام سومو حيث قال حديثا ما معناه إذا كانت كلفة النقل بأنبوب "البصرة العقبة" مرتفعة فإنها تردع المشترين الذين لديهم بدائل أخرى.

-في ضوء ما ذكر أعلاه في هذه المداخلة ومداخلاتي السابقة حول الموضوع قد يكون من الضروري اللجوء الى القضاء وخاصة الى المحكمة الاتحادية العليا لتقييد السلطة التنفيذية (مجلس الوزراء ووزارة النفط والشركات التابعة لها) وعدم سيرها في المشروع لحين تقديم ما يثبت أن هذا المشروع يحقق أفضل مصلحة للشعب العراقي؛ لذا فإنني ادعم أي تحرك بهذا الاتجاه حفظا على المصلحة الاقتصادية للعراق وللقطاع النفطي.

 

أما بخصوص العلاقة المباشرة الكيان الصهيوني بمشروع أنبوب نفط البصرة العقبة ومقدار الفائدة التي سيتحصل عليها فلنطلع على هذه الشهادة المهمة (بالصوت والصورة) للخبير العراقي في ميدان اقتصاديات النفط حمزة الجواهري، والذي سبق للمحكمة الاتحادية العليا أن انتدبته مستشاراً قضائياً تحكيمياً في قضية الطعن في مشروع شركة النفط الوطني، وارتضت تقريره المنصف الذي قدمه وحكمت بموجبه لطرف العراقي الوطني الاستقلالي الطاعن في المشروع. قال السيد الجواهري في لقاء تلفزيوني معه أجري قبل بضعة أسابيع إنَّ خط "البصرة العقبة" النفطي هو حصان طروادة للتطبيع مع إسرائيل. وإن واشنطن تضغط على بغداد لتنفيذه. وأضاف موضحا: "من هذا الخط ستأخذ الأردن 200 ألف برميل من النفط يوميا بخصم عشرة بالمائة، وتأخذ مصر 300 ألف برميل بخصم 18 بالمائة ثم تبيعه مصر الى إسرائيل بخصم 8 بالمائة فتحصل على ربح عشرة بالمائة. والعراق سيدفع تكاليف خط البصرة العقبة كلها وحتى للقسم المار في الاردن وبعد عشرين سنة ستؤول ملكية هذا القسم من الخط إلى الأردن".

 

وأخيرا، هل بلغ الخيار بين الاحتفاظ بسلطة الفساد والطائفية السياسة من قبل الأحزاب الإسلامية الشيعية في "الإطار التنسيقي" مقابل التفريط بثروات العراق والسير في طريق التطبيع وإنعاش الكيان الصهيوني مرحلة جديدة مع البدء بتنفيذ هذا المشروع؟ وما موقع قانون تجريم التطبيع مع هذا الكيان المسمى "قانون تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني رقم (1) لسنة 2022"، والذي سنَّهُ مجلس النواب العراقي ذاته، الذي يلتزم الصمت هذه الأيام على هذه الخطوة التطبيعية الخطرة، وربما سيصوت قريبا لمصلحة إمرار الموازنة والبدء بالمشروع؟

*كاتب عراقي

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.