اخر الاخبار:
القبض على امرأة حاولت تسميم ترامب - الإثنين, 21 أيلول/سبتمبر 2020 11:21
اعلان نتائج جائزة يونان هوزايا للبحوث - الإثنين, 21 أيلول/سبتمبر 2020 11:05
إعادة فرض العقوبات الأممية كافة على إيران - الأحد, 20 أيلول/سبتمبر 2020 10:37
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

كـتـاب ألموقع

الشيوعيون العراقيون والدين قديما وحديثا// علاء اللامي

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

علاء اللامي

 

عرض صفحة الكاتب 

الشيوعيون العراقيون والدين قديما وحديثا:

حين كانت الآيات القرآنية شعارا لجريدة الشيوعيين "الشرارة"!

علاء اللامي

كاتب عراقي

 

مع توسع وتصاعد زخم انتفاضة تشرين العراقية المستمرة،وتزايد دور الشباب والمرأة العراقية فيها بشكل غير مسبوق في تاريخ العراق الحديث والقديم، تصاعدت وبشكل محموم مظاهر العداء للاختلاط والاتهامات بما يسمونها "الإباحية وسوء الأخلاق".وترافق ذلك مع ارتفاع أصوات عديدة محذرة أو شاكية من الكفر والإلحاد والمساس بالمقدسات والدين والرموز الدينية فجأة ودون مقدمات.

 

غير أننا إذا أردنا تفادي الوقوع في معسكر أعداء الشيوعية التقليديين ممن يستخدمون الصرخة التكفيرية التي أطلقها المرجع الشيعي حليف شاه إيران والمعادي للثورة الجمهورية العراقية في 14 تموز 1958 السيد محسن الحكيم "الشيوعية كفر وإلحاد"، أو المكررين لحيثية "عداء الشيوعيين للدين والمتدينين" من أهل النظام الطائفي الرجعي القائم اليوم،  أو الوقوع في المعسكر المقابل الذي يضم الصنميين "الشيوعيين" واللبراليين القشريين والذين يعتبرون أن الشيوعيين أبرياء تماما من أي تجاوزات في هذا المجال، أو القائلين بـ (إن الشيوعية ينبغي أن تكون فعلا عدوا للدين والتدين ولإيمان الناس الموروث)، فينبغي لنا أولا أن نُلِمَّ بحقائق وتفاصيل هذا الموضوع وأن نضعه في سياقه التاريخي الحقيقي وظروفه الواقعية، وأن نأخذ بنظر الاعتبار أن "الشيوعية" ليست دينا جديدا ضد الأديان، ولا هي حركة إلحادية تبشرية ضد ا|لأديان بالدرجة الأولى بل حركة سياسية واجتماعية لها ما لها وعليها ما عليها، وأن أهدافها الثورية الأصلية واضحة وتتمثل بإزالة الطبقات وأنظمة القمع والاضطهاد والتمييز العنصري والطائفي والجنسي من المجتمع، وهذا ما يثير حفيظة القوى الرجعية المحلية الممسكة بالحكم والناهبة لخيرات البلاد وحلفائها الخارجيين الإمبرياليين ويثر ذعرهم ويدفعهم إلى استعمال كل أنواع الأسلحة الخبيثة.

 

ولعل أفضل مصدر للاطلاع على حقائق هذا الموضوع - في ما يخص علاقة الشيوعيين العراقيين قديما بالدين - هو ثلاثية حنا بطاطو وخاصة الكتاب الثاني (الحزب الشيوعي- الفصل 24 ص 361) وعنوانه "جدل حول الدين"؛ ومنه نفهم تفاصيل الحرب التي شنتها السلطات الملكية العراقية الرجعية ضد الشيوعية في سنوات التأسيس، والتي شاركت فيها سلطات الاحتلال والهيمنة البريطانية عبر السفير البريطاني السير جون تروبتك. لقد حاول توربتك تحريك وتحريض المرجع الديني الشيعي الراحل محمد حسين كاشف الغطاء ضد ما سماه "العدو المشترك" ممثلا بالشيوعية والشيوعيين في العراق، وقد رفض المرجع كاشف الغطاء هذا التحريض البريطاني فكرة وموضوعا، وقال المرجع حينها كما ينقل بطاطو عن مصادره إن (مسألة العدو المشترك لا يدعمها أي منطق أو برهان )! ونقرأ أيضا حقائق كثيرة عن علاقة الشيوعيين بالدين وبالقرآن تحديدا حيث كان شعار جريدة "الشرارة" الشيوعية في الأربعينات من القرن الماضي، وخلال قيادة مؤسسه يوسف سلمان "فهد"  آية قرآنية هي (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ)  ثم تغير هذا الشعار في عدد تالٍ إلى آية أخرى هي {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} ص 103.

 

وفي هذا الكتاب نتعرف على جهود الشيوعيين الأوائل للاستفادة من المناسبات الدينية الحسينية، ونشر الفكر الثوري ومعارضة النظام الملكي العميل لبريطانيا عن طريق المواكب والتجمعات العاشورائية. ولكن هذا لا يعني عدم وجود متطرفين رافضين لهذا التوجه الفهدوي ومتجاوزين من ذوي الممارسات والأفعال التجديفية ضد الدين ورموزه من أفراد شيوعيين في مجتمع ذي تقاليد قديمة في الجدل والتمرد والتجديد الفكري تعود إلى العصر العباسي. ففي هذا العصر ازدهرت المدارس الفلسفية والفكرية الكثيرة والمتحررة، وانتشرت المدارس الفكرية والفلسفية ومنها الإلحادية والتشككية واللاأدرية، وكثر مريدو الاعتزال "معتزلة" والزنادقة والربوبيون والتصوف المؤمن والآخر الملحد والدهريون (مازالت هذه الكلمة - دهري - حية في اللهجة العراقية وتطلق على الشخص كثير الجدل والإلحاح والإلحاف فيه).

 

لذا رفض بعض الشيوعيين - وكانوا قلة كما تؤكد المعطيات التوثيقية- تلك التوجهات التسامحية والاعتدالية مع الدين والمتدينين واعتبروها تقاليد إقطاعية بالية ينبغي رفضها والتخلي عنها، كما عبرت عن ذلك مقالة ظهرت في جريدة " كفاح السجين الثوري" سنة 1954، وأحدثت هذه المقالة ردود أفعال مهمة، وأصبحت القضية موضوعا لنقاش فكري وسياسي واسع بين الشيوعيين وأنصارهم في السجون وخارجها. وأخيرا استقر قرار الشيوعين وقيادتهم على الاستمرار بتبني واعتماد الخط الفكري التصالحي المعتدل مع الدين وعدم التصادم مع المتدينين واستعدائهم والتجاوز على رموزهم وطقوسهم، ومحاولة الاستفادة ثوريا منها. وتم تبني ما يشبه القرار أو التوجه الفكري الرسمي الذي يقوم على (موقفنا معروف تجاه معتقدات الناس ... السياسة الطويلة الأمد للشيوعيين العراقيين، القاضية بتجنب توجيه أية إساءة إلى الدين أو إلى القوى الدينية والامتناع بشكل عام عن الحديث عن هذا الموضوع في العلن مهما كان الثمن /ص364). 

 

هذا في ما يتعلق بتراث الحركة الشيوعية العراقية في طورها الستاليني الذي أعاقها عن التطور، وحبسها في حدود معينة عمليا وفكريا، أما اليوم فلم تعد هناك حركة شيوعية عراقية طبقية جذرية، ووطنية معادية للامبريالية والأنظمة الرجعية منذ عدة عقود، وزادت الأمور سوءا بعد الاحتلال الأميركي حين أصبح "الحزب الشيوعي" الوريث الاسمي للحركة الشيوعية العراقية حزبا من أحزاب النظام الرجعي الطائفي الذي جاء به الاحتلال، وشارك الحزب بممثلين رسمين في كافة الهيئات التي شكلها الاحتلال في عهد بول بريمر من مجلس الحكم على الحصة الشيعية إلى لجنة كتابة الدستور المكوناتي، مرورا في المشاركة في عدة حكومات قائمة على المحاصصة الطائفية. وحتى الاختلافات التي حدثت بين أشخاص وتيارات داخل الحزب فقد كانت بائسة ولا علاقة لها بجوهر مهمة الحزب الشيوعي الطبقية الثورية، فمثلا: حدث خلاف بين تيار فهمي والحلفي الداعين للتحالف مع التيار الصدري وتيار آخر مثله قيادي آخر هو حسان عاكف الذي كان يدعو الى التحالف مع مدنيين مشبوهين من أمثال المتصهين وزائر "إسرائيل" الدائم مثال الآلوسي أو النائب المروج للاحتلال الأميركي فائق الشيخ علي، وكأن مشكلة الحزب هي العثور على طرف سياسي يتحالف معه ويكون له ذيلا بعد أن استغنت عنه القيادات الاقطاعية الكردية وأصبح لها "ذيلها الشيوعي الخاص" ممثلا بالحزب "الشيوعي في كردستان" الذي انشطر عن الحزب الأم بقرار داخلي مشبوه وانفصالي الجوهر، ولم تكن مشكلته ومهماته تتعلق بقضايا وطنية وطبقية وبلد يقسم بين أمراء الحرب والمليشيات من زاخو إلى الفاو وتنهب ثرواته وتداس سيادته واستقلاله من قبل اميركا والدول الإقليمة وفي مقدمتها إيران!

 

وحتى حين بدأت انتفاضة تشرين المستمرة بادرت قيادة الحزب الى اتخاذ موقف معاد لها وأمرت قيادة الحزب أعضاءه بعدم المشاركة فيها ثم ما لبثت أن تراجعت عن موقفها هذا بطريقة فجة ودنما أي اعتذار أو اعتراف بالخطأ حين شاهدت أن أعضاء الحزب في القواعد تمردوا عمليا على توجيهاتها الداخلية وشاركوا في الانتفاضة وقدموا التضحيات الكبيرة كمواطنين عراقيين، وأقول: واليوم يختلط الحابل بالنابل والمدني المشبوه والمدافع عن الاحتلال الأميركي بالشيوعي المخلص المدافع عن الانتفاضة والمشارك بها وهناك الكثير من العناصر التي تحسب على الشيوعية والشيوعيين من هؤلاء الذين لا تعرف لهم فكرا أو هوية سياسية فهم ملحدون من النوع الذي سماه فردريك إنجلز "الإلحاد المراهق" والذين يجدون مهمتهم في الإساءة الى الدين والمتدينين ورموزهم دون تمييز وبلا أي جوهر طبقي تقدمي ، وبهدف التنفيس عن غضبهم على الساسة الإسلاميين الطائفيين من الشيعة أو السنة الذين حرموهم من المشاركة في الحكم ومغانمه. ويشترك مع هؤلاء مرتزقةُ القلم ممن يسمون أنفسهم بالمدنيين واللبراليين ويروجون للجهات التي يعملون فيها ولأجلها من منظمات ومراكز أبحاث ومعاهد صحافة وإعلام دولية مشبوهة التمويل والأهداف.

 

إن هؤلاء الناس ما هم إلا عناصر وشلل معزولة ولا قيمة لها رغم علو صوتها وضخامة تمويلها والوسائل الإعلامية المكرسة لخدمتها، وهي لا فكر مهما لها إلا بمقدار من تحدثه من ضجيج فارغ وتحت شعارات العداء لما يسمونه "الإسلام السياسي"! إن هذا العداء في الحقيقة عداء سياسي أيديولوجي لا علاقة له بالنضال الطبقي ضد الأنظمة الكومبرادوية واللصقراطية "كلِبتوقراطية Kleptocratique" وشبه الإقطاعية التابعة للغرب في العراق وغيره، والتي لا يختلف جوهرها الطبقي سواء كانت بقيادة زعماء إسلاميين أو علمانيين، وقد تقاسم الإسلاميون والعلمانيون، في الحالة العراقية بعد الاحتلال الأميركي العمالة للاحتلال وتدمير العراق وتقسيمه عمليا على أساس طائفي وقومي، وقام كل من الإسلامي وعلماني بدوره كما ينبغي، ومنذ أول حكومة بقيادة العلماني إياد علاوي وحتى الإسلامي المدعوم إيرانيا ومليشياويا عادل عبد المهدي!

كما أن هذا العداء لما يسمونه "لإسلام السياسي" لا يخلو من عناصر العداء الغربي للإسلام ككل، دينا وحضارة بائدة وشعوبا حية، ومن منطلقات استشراقية غربية معادية للإسلام والمسلمين من حيث جذوره ومنطلقاته، وهو يمتزج عندهم بالترويج لإسرائيل الصهيونية والدفاع عنها والدعوة للتطبيع معها. وهذا العداء لما يسمونه " الإسلام السياسي" المخلوط بما يسمونه " الإرهاب الإسلامي" تروِّج له وسائل الإعلام و"تصنيع الموافقة الديموقراطية" كما يسميها تشومسكي، في الغرب الإمبريالي حصرا، وقد آن الأوان لوضع الحروف على النقاط وإعطاء الجوهر الطبقي وعلاقاتها بالمركز الغربي أولويته في تقييم الأنظمة والحكومات في بلداننا بغض النظر عن قشرتها الأيديولوجية سواء كانت إسلامية أو علمانية ليبرالية.

 

شخصيا، أعتقد أن الاطلاع على حيثيات هذا الموضوع والعلاقة بين الشيوعيين والدين وخصوصا في العراق مهم جدا، وبدونه لا يمكن الخروج بموقف سليم ومفيد ومنصف. وإنْ كان يحق لي أن أوضح وجهة نظري كمواطن في الموضوع فأعتقد أن الرأي الذي عبر عنه الراحل هادي العلوي في مؤلفاته وخصوصا في كتابة الأهم (مدرات صوفية – تراث الثورة المشاعية في الشرق) هو أفضل ما طرح في هذا المجال، حيث اعتبر الشيوعية أو "المشاعية" كما كان يفضل تسميتها لا علاقة لها بالسياسية، بل هي حركة اجتماعية أولا وأخيرا، تهدف لإزالة الطبقات وإحلال المساواة المشاعية في الخيرات والثروات وتكرّم الإنسان وتكرس حرياته، وبهذا المعنى فهي ليست أيدولوجيا متحزبة أو موقف فلسفي رسمي يفرضه "المكتب السياسي للحزب" بالقوة على الشعب على الطريقة الستالينية. إن الأيديولوجيا لا أهمية فيها في الحركة المشاعية التي يدعو إليها هادي العلوي بل الأهمية تكون للموقف والانحياز التام إلى القلبية الإنسانية والغالبية الفقيرة المحرومة، وهي الحركة التي ترفض الهيمنة الإرهابية الغربية والظلم الطبقي الذي تمارسه دول الأغنياء اللصوص في الدول التابعة، أما الموقف السياسي من مختلف قضايا العالم المعاصر فهو ملحق وتابع ويمكن للفرد المشاعي أن يتبنى المواقف والأفكار الوطنية والأممية التقدمية المعتادة التي يرتضيها، فالأصل هو الموقف الطبقي الثوري العملي من قضية الملكية الخاصة الاستغلالية، والعمل على إزالة الطبقات الظالمة والمستحوذة على الثروات وإشاعة تلك الثروات بين أصحابها الحقيقيين وتحويل الدولة من سلطة "سلطان" إلى خادم للناس يمكن استغناء عنه بمرور الوقت مع تطور العلم والتكنولوجيا والانتقال إلى عصر الإدارة الذاتية للمجتمعات الإنسانية ضمن ما يمكن تسميته مجتمعات دولة اللادولة المشاعية.

*كاتب عراقي

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.