اخر الاخبار:
سقوط مدني ضحية بقصف جوي تركي شمال دهوك - الخميس, 18 تموز/يوليو 2024 09:01
قصف بطائرة مسيرة يستهدف قرية في السليمانية - الأربعاء, 17 تموز/يوليو 2024 08:48
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

كـتـاب ألموقع

محاولة علم النفس التجريبي لإيجاد أساس مشترك بين العلوم ج1// يوحنا بيداويد

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

يوحنا بيداويد

 

عرض صفحة الكاتب 

محاولة علم النفس التجريبي لإيجاد أساس مشترك بين العلوم

- الجزء الأول

يوحنا بيداويد

 

مقدمة تاريخية عن الانجازات العلمية في عصر التنوير

لقد وضع أرسطو في عهد الإغريق، ثلاثة أسس لنظريته في المعرفة (الاستدلال، المبادئ- البديهيات، والبرهان التجريبي)، ومن بعد ذلك بفترة تقارب 2000 سنة وضع الفيلسوف الانكليزي فرنسيس بيكون مبدا الاستقراء (الملاحظة والتجربة والمقارنة"، تطورت كل العلوم نتيجة تطبيقاتها للمنهج التجريبي مستخدمين كلا المفهومين "الكمي والاستقراء". بصورة عامة انقسم الفلاسفة من عصر التنوير إلى مدرستين، المدرسة العقلية التي كان من أهم ممثليها ديكارت، سبينوزا، ملبرانش، ليبنتز وكانط وغيرهم، والمدرسة الحسية- التجريبية التي دشنها فرنسيس بيكون وقادها من بعده قائمة طويلة من الفلاسفة في مقدمتهم جون لوك، هيوم وجون ستورات وغيرهم.

كان القرن التاسع عشر والعشرين حافلا بالانجازات العلمية في كافة حقول المعرفة، في مجال العلوم الطبيعية (الفيزياء والرياضيات والكيمياء والفسيولوجيا) والعلوم الإنسانية مثل (علم النفسية والمنطق واللغة والجغرافية والتاريخ والفلسفة). كانت نظرية "النشوء والارتقاء" للعالم الإنكليزي تشارلز داروين التي نشرها 1858 في كتابه الذي يحمل العنوان "أصل الأنواع" بمثابة قنبلة في أوساط العامة بسبب حساسية موضوعها المخالف للأديان بصورة عامة. ومن بعد ذلل بأقل أربعين سنة بحدود عام 1900 جاء العالم النفساني سيمنجود فرويد لينشر "نظرية التحليل النفسي" ليعيد الإنسان إلى المربع الأول، مؤكداً على قوة الغرائز الحيوانية المدفونة في جزء اللاوعي من عقله في تصرفاته، لكن القنبلة الأكثر تأثيراً، التي نسفت كل الثوابت العلمية تقريبا في العلوم الطبيعية، فجرها العالم الفيزيائي الألماني البيرت اينشتاين حينما اطلق "النظرية النسبية" عام 1905.

 

تأسيس علم النفس التجريبي

كانت الخطوة التي قام بها الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت باستبدال مفهوم "الكمي" عوضاً عن المفهوم الكيفي دورا حاسما لتطور العلوم الطبيعية، ومن ثم بقية العلوم الإنسانية. بدأ المفهوم الكمي شيئاً فشيئاً يستخدم في الأبحاث العلمية، فعمل على التقارب بين كل العلوم المنطق والرياضيات والطبيعيات واللغة. كانت العلوم بمختلف اختصاصاتها تتقدم وتتطور وتحقق نجاحات باهرة في حل المعضلات التي تجابهها. اعتقد كثير من العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر انهم وصولوا إلى الصيغة النهائية لتفسير كل ظاهرة في الكون، إلا ان النظرية النسبية حطمت أمالهم! كان (المنهج التجريبي)، هو الطريقة أو الوسيلة الأهم لإثبات أي فكرة أو نظرية يطمح صاحبها ان تصبح علما فيما بعد. من النتائج المهمة لهذه التطبيقات في هذه المرحلة هذا المنهج، هو تأسيس "علم النفس التجريبي" في مختبر فيسيولوجي في جامعة لايبزك في ألمانيا عام 1874، كان في بداية تأسسه كفرع تابع لقسم الفسيولوجي على يد العالم النفسي فونت، الذي أخذ هذه الفكرة من استاذه العالم الفسيولوجي هيرمان فان هيلمولتز، ومن بعده، حاول رواد هذا العلم جعله مرجعاً لانطلاق لإيجاد تفسير لبقية العلوم.

https://www.facebook.com/photo?fbid=9585695374806355&set=pcb.9585183514857541

 

طموحات رواد علم النفس التجريبي

قام علماء النفس التجريبيون وعلى رأسهم العالم النفساني فرانز برنتانو (1838-1917) بمحاولة وضع تفسير نفسي لكل العلوم أي رد كل العلوم (العلمية الطبيعية والعلوم الإنسانية والفلسفة) إلى علم النفس التجريبي، أي توحيد البنية الفكرية بين العلوم. فقاموا بخلط علم النفس مع علم الفسيولوجيا بينما حاولت فئة أخرى ارجاع علم المنطق إلى سيكولوجية العقل. فظهر مصطلح السيكوفيزيقيا، في البداية تأسيسه. أجرى العالم فيبر تجارب على الاحساس العضلي، ودرس هلم هولتز الرجع أو الاذن الداخلية، ودرس ماخ التوازن واثبت ان العوامل الفيزيولوجية لها النصيب الأكبر في دراسات علم النفس التجريبي، لكن العلماء الذين أتوا من بعد فونت اكدوا استحالة اخضاع كل العمليات العقلية للتجربة أو القياس، مثال على ذلك ان أي عمل ابداعي يأتي أو يبدأ من لحظة شعوره بالالهام، لكن السؤال كان كيف وما الذي يجب ان نقيسه (كميا) في تلك اللحظة كي تمثيله في منحني يمثل تأثير متغير الفيزيائي؟

https://www.facebook.com/photo?fbid=9585201388189087&set=pcb.9585183514857541

 

أهمية علم النفس التجريبي في نظر فرانز برنتانو

أهمية علم النفس التحليلي تأتي من فكرة الربط بين الشعور أو الاحساس بتغير الظروف الخارجية لذلك الإنسان، (مثل الضغط، درجة الحرارة، الصوت أو الضجيج، الضوء وغيرها). اعتمد برنتانو في محاولته للربط بين العلوم النفسية والظواهر الطبيعية على الشعور المباشر، فهو يرى ان الظاهرة النفسية اكثر صادقة من الظاهرة الفيزيائية لان الشعور له معطيات يقينية واضحة وثابتة. رجع برنتانو علوم الروح (Scinences of mind) أو العلوم الإنسانية إلى علم النفس التجريبي، واعطاه الاسم الجديد (علم النفس الوصفي) واعتبره النقطة المفصلية التي يجب ان يبدأ منها كل بحث علمي أو بحث في العلوم الإنسانية حتى الفلسفة. وقد مضى يقول في هذا المجال: "ان العلم يكون تافها ولا موضوع له إذا لم يكن مستندا إلى أسس نفسية سليمة قابلة للتبرير الاستقرائي" .

 

فشل محاولة برنتانو لدمج العلوم

لم يكتمل مشروع علماء النفس التجريبين بل أصابتهم الخيبة حينما اكتشفوا لا يمكن تحقيقه، حيث تاكد لهم ان استخدام الرياضيات والكم في تحليل النتائج التجريبية على الظواهر النفسية ليست كما هي للظواهر الطبيعية، ففي الظاهرة الطبيعية يمكن القياس ويمكن التنبؤ بالنتائج، إذا عرفنا القانون الفيزيائي أو الرياضي الذي يمكن تطبيقه على تلك الظاهرة، اما الظاهرة النفسية مختلفة ولا يمكن تطبيق أي قياس عليها، بسبب امتلاك كل ذات عاقلة حرية باطنية غير مقيدة، أي لها رغبة أو إرادة داخلية خاصة بها (غرائز) لا تخضع لاي قانون أو نظرية، ولا تتصرف بنفس الطريقة حينما يتم خضوعها لنفس المتغيرات الفيزيائية، الأمر الذي استنتج منه، عند كل ذات عاقلة هناك نفس مختلفة، لان لها أي (النفس) الخيار في طريقة تفاعلها الداخلي (المزاج)!

 

العلاقة بين علم النفس والمنطق

نتيجة تقدم العلوم الإنسانية في القرن التاسع العشر كنتيجة لتبنيها المنهج التجريبي في بداية تأسيسه، كذلك تأثر المنطق بها، فظهرت عدة اتجاهات في دراسة المنطق مثل الاتجاهي الاجتماعي، واللغوي، والنفساني.

فالنفساني: هي المصطلح الذي اطلقته مجموعة مهمة من علماء الألمانيين في علم المنطق، الرياضيات وعلم النفس مثل "هرسل، فريجة، رسل، ميننغ " على التأويل النفسي لقوانين المنطق. حيث تم تفسير الأحكام المنطقية بانها ما هي الا تعميمات تجريبية مصدرها الطرق التي يتبعها الناس في تفكيرهم. لكن بمرور الزمن ألتجأ العلماء إلى استخدام التجربة والاتكال على نتائجها.

أما عن علاقة المنطق باللغة: تفسر كالتالي بما ان مجال علم المنطق هو الفكر، وان اللغة هي الوسيلة الأهم تمثيله أو للتعبير عنه والتعمق في معانيه، فتم تجريد المفردات اللغوية من الحس المباشر لهذا أصبح الفكر معتمداً كلياً على اللغة (كوسيلة)، لهذا أصبحت علاقة المنطق باللغة متداخلة، بل راح البعض يعتبر الفكر واللغة شيئاً واحداً.

كان الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت أيضاً هو اول فيلسوف يفكر في دمج المنطق بعلم النفس من خلال ربط الحكم (قرار الإنسان) بالعقل والإرادة أو الرغبة معا. ثم بين ان الإرادة هي قوة سايكولوجية. فالحكم أو القرار لا يكون حقيقي وكامل من العقل ما لم تؤيده الرغبة (الإرادة). لأن الإرادة حسب ديكارت تخترق الطبيعة المادية وتمتد إلى اعماق الذات الغامضة حيث العقل والنفس متداخلان في موضوع بحثهما "الوعي أو الشعور".

لقد رد العالم النفساني الرياضي ادموند هرسل في أكثر من مناسبة على محاولة أستاذه برنتانو، الذي حاول جعل النفسانية المرجع الاساسي لكل معرفة أو كل العلوم الأخرى، موضحاً بان المنطق لا يمكن اشتقاقه من علم النفس، وكل محاولة لإثبات ذلك ستنتهي بالفشل، لكي يتم ذلك لابد ان يكون هناك بعض فرضيات منطقية مسبقاً، لكي يتم استنتاج أي نتيجة (معرفة) لا بد من بعض فرضيات مسبقة (مقدمات).

 

التعليق

يمتلك الإنسان اعقد واكفأ جهاز عصبي (عقل) من بين كل الأحياء، وبين البشر تختلف كفاءة عمل هذا الجهاز، وبما ان الوعي أو الشعور هو نتيجة لتفاعل العقل والحواس مع المحيط، وان العقل الذي هو بمثابة المختبر الكيميائي الوحيد (حاليا) لتحليل معطيات الأحاسيس المنقولة للداخل، لهذا تصبح مقولة العالم ادموند هرسل: "أن الوعي هو نقطة البداية والنهاية" عبارة صحيحة لحد ما.

في هذا الجزء الأول من هذا المقال عرضنا ولو بصورة مختصرة عن أهم الإنجازات العلمية للحضارة الإنسانية خلال القرنين الاخيرين، وكيفية ظهور المنهج التجريبي واثره عن بقية المناهج في تطوير العلوم جميعاً. ومن ثم تحدثنا عن المحاولة التي قام بها علماء النفس التجريبين لجعل علمهم "الجديد" مرجعاً لكل العلوم، لكن حلمهم لم يتحقق بسبب عدم وجود أجهزة متطورة لإجراء تجاربه.

ان تقيمي لعلم النفسي التجريبي هو إيجابي، وامتلك قناعة بعودة هذا العلم إلى الساحة العلمية والفكرية بعد ان يتم تسخير التقنية الحديثة مثل الاجهزة الالكترونية والمايكروفية والنانو- تكنولوجي في الأبحاث.

في الجزء القادم سوف نكمل الحديث عن طروحات العالم النفساني الكبير برنتانو وتفسيره للمفهوم القصدية أو الحدسية العقلية الذي أصبح مبدأ أساسي الذي بنى عليه تلميذه (العالم ادموند هرسل) نظريته الحديثة التي تحمل العنوان "الفينومنولوجيا أو الظاهراتية".

 

نشر المقال في مجلة بابلون العدد 30

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.