اخر الاخبار:
احتجاجات غاضبة بعد هجوم الناصرية - الإثنين, 27 كانون2/يناير 2020 12:07
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

كـتـاب ألموقع

• في جدليـة التعـدد والتنـوع عـند الآشـوريـين

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

وليـم أشـعـيا

·        في جدليـة التعـدد والتنـوع  عـند الآشـوريـين

 

لقد أخفي دور الآشوريين كأمة في غبار الماضي ليدخلوا على أثرها حلبة الصراع من أجل البقاء والمحافظة على الهوية القومية واستمرار وجودهم كأمة بعد انهيار وجودهم السياسي والتكوين المجتمعي الموحد في نينوى(612)ق.م وبابل(539)ق.م وخاضوا صراعاً شرساً وغير متكافئ استطاعوا من خلاله التواجد ولو على هامش التأريخ ليواصلوا المقاومة بالرغم من ظلم عاملي المكان والزمان. من أجل تجنب عملية جلد الذات والدوران في جدل عقيم حول دور العوامل الخارجية في المأساة الآشورية المتمثلة في تداخل وتقاطع المصالح الدولية والمتغيرات الإقليمية  فأن الموضوعية تقتضي التوقف عند بعض الأسباب المؤدية في ظهور ذلك التعدد والتنوع الغزير من المظالم التي طالت الآشوريين وتعدد التسميات التي أطلقت عليهم عبر تأريخهم الدامي إضافة إلى تنوع الانقسامات والولاءات المتمثلة في جدلية فريدة من نوعها وأثرها في إشكالية تعثر المسيرة القومية الآشورية.

 

 اعتنق الآشوريون المسيحية في منتصف القرن الأول الميلادي بعدما وجدوا أن المبادئ الآشورية القديمة التي كانت سائدة في نينوى وبابل أيام العز والقوة كانت تتطابق مع بعض مفاهيم الدين الجديد في نشر المحبة والسلام إلا أن ذلك جلب عليهم تنوع وتعدد آخر من المآسي بعد وقوع أراضيهم تحت احتلال الإمبراطورية الفارسية والرومانية وبسبب الصراع الدائم بين الإمبراطوريتين بدأت الانقسامات الكنسية تنخر بالجسم الآشوري وتصاعدت مع تبني الإمبراطورية الرومانية المسيحية في القرن الرابع الميلادي.

 

 تعود الخلفية التاريخية للانقسامات في الكنيسة المشرقية إلى القرن الخامس الميلادي لتظهر على أثره الكنيسة الشرقية(النسطورية) والكنيسة السريانية الأرثوذكسية وتبعه انقسام آخر في الكنيسة الشرقية في منتصف القرن الخامس عشر ظهرت على أثره الكنيسة الكلدانية.

 

برزت إلى الوجود تعددية أخرى من الاضطهادات مع ظهور الامبراطورية العثمانية وبسبب عامل الدين كان الآشوريون ضحية التطرف الديني الذي ساد الدولة العثمانية أبان الحرب الكونية الأولى لا سيما بعد دخول الآشوريون الحرب إلى جانب الحلفاء أملاً في الحرية والكرامة والذي ردت عليه الدولة العثمانية في رفعها شعار الجهاد المقدس لكسب الشعوب المسلمة المجاورة للآشوريين من الكورد والفرس والاتراك وهم الأقرب جغرافياً إلى الآشوريين وعملياً نجحت الدولة العثمانية في مسعاها واستطاعت تعبئة غالبية الشعوب المسلمة من غير العرب ضد الآشوريين والأرمن لتبدأ عمليات الإبادة الجماعية في جنوب شرق تركيا وشمال العراق التي بلغت ذروتها في(24/نيسان/1915) ليبلغ عدد القتلى حوالي نصف مليون آشوري ومليون ونصف المليون من الأرمن ومما زاد الأمور تعقيداً كان تدخل البعثات التبشيرية الغربية التي عملت من أجل نشر مبادئ الكنائس الغربية بين الآشوريين.

 

ونتيجة لما تقدم ولظروف ذاتية وموضوعية تعمقت جذور التعددية والتنوع عند الآشوريين التي برزت على شكل العشائرية والقبلية والانتماء الكنسي والطائفي(السريان-الموارنة-الكلدان-الاثوريين) وهي مسميات أطلقت على الشعب الآشوري لتأخذ طابعاً قومياً في فترات معينة نتيجة الصراعات الداخلية يضاف إليها تعدد الولاءات المناطقية بسبب تواجد الآشوريين في عدد من الدول كالعراق وسوريا ولبنان وتركيا وإيران إضافة إلى المهاجر والمنافي. تظهر ازدواجية الولاءات لدى الآشوريين بين الانتماء الطائفي(الكنسي) والولاء المناطقي(الجغرافي) نحو الدول التي يعيشون فيها وهي ولاءات تنموا على حساب البعد القومي للآشوريين بمختلف مذاهبهم باعتبارها معوقات يحاول العقل السياسي الآشوري جاهداً في احتوائها. كل ما سبق أثر بشكل ملحوظ في تكوين الشخصية الآشورية خاصة لدى محاولة دراسة الواقع الآشوري الحاضر من النواحي القومية والوطنية والسياسية والفكرية.

 

من خلال التمعن في جدلية التعدد والتنوع عند الآشوريين نلاحظ أنهم يتوحدون على صعيد اللغة والثقافة والتأريخ ويعانون من الانقسام العمودي والافقي على صعيد البنية التواصلية الجغرافية والبنية الكنسية المذهبية والمجتمعية وتبدو تلك الانقسامات قد ترسبت بتكلس متراكم حتى الوقت الراهن وبمعنى آخر أن البنية التحتية للآشوريين المتمثلة في الولاءات المذهبية الكنسية والمناطقية تعاني من انقسام شديد وأما على صعيد البنية الفوقية فهم منسجمون في القيم والشعور والوعي وموحدين في اللغة والثقافة. لذلك فأن بعض مقومات وشروط دورة الحياة القومية الموحدة للآشوريين لا زالت غائبة وحتى الموجود منها غير مكتملة وغير ناضجة يعتريها قصور حاد في ظل غياب آلية التفاعل الحقيقي بين البنية التحتية والفوقية . فالشعور القومي المتصاعد ولمراحل عديدة في تأريخ الآشوريين إلى الوقت الحاضر يأتي من الاعتزاز بالقيم واللغة والثقافة والوعي بالذات الآشورية.

 

 أما مقومات البنية التحتية من الولاءات المذهبية والكنسية فهي تتقاطع بشدة فيما بينها لتخلق التعدد والتباعد وصولاً إلى التيئيس وإجهاض محاولات تحقيق الحد الأدنى من الوحدة القومية المطلوبة. كل ذلك أنعكس في بكائيات الخطاب السياسي الآشوري التقليدي الذي يميل إلى التأريخ الماضوي الممجد والمليء بالانتصارات وعصر الإمبراطورية الآشورية التي حكمت عالم الشرق وهذه تعتبر ازدواجية غير متجانسة في الشخصية الآشورية تتمثل في الميل الشديد إلى الماضي المجيد  والغرق في متاهات وإرهاصات محاولات توحيد الشعب الآشوري في الحاضر ومحاولة التوصل إلى مخرج مناسب يتمثل في محاولة تقنين تلك الازدواجية والتعامل معها بحذر لتجاوز حالة الانفصام بين شخصية تعيش مثالياتها في يوتوبيا الماضي وشخصية تعيش في واقعها اليومي كما هو وتصارع من أجل الوحدة.

 

 أصبح من الضروري مواجهة ودراسة الارهاصات الناجمة من محاولة تقنين تلك الازدواجية بدلاً من الهروب إلى الأمام سواء في محاولة تجاوزها باعتبارها من ترسبات الماضي القريب المتضمنة الانتماءات الكنسية والتسميات المذهبية المتعددة أو في الهروب إلى الخلف وقبول هذا الواقع كما هو باعتباره أصبح جزءً من تراثنا القومي ليغدو شعبنا يحمل مسميات مختلفة مبررين ذلك بأنها مسميات لشعب واحد بشكل معدل وفق منظور تأريخي بعيد المدى.

 

التعامل مع تعددية التسميات المذهبية ومحاولة خصوم شعبنا في التعامل مع تلك التعددية كأسماء قومية يضع مسئولية جديدة على عاتق المفكرين الآشوريين لتجديد تفكيرهم وطروحاتهم بشأن تجاوز تلك الحقيقة - الظاهرة وكيفية التعامل معها وإيجاد الصيغ العملية الملائمة لإنهاء جدلية تعدد التسميات القومية التي بقيت مصدر تأزم في التأريخ الآشوري المعاصر وتحويل تلك الجدلية من حالتها السلبية التي كانت تميل نحو التنازع إلى الحالة الإيجابية المتمثلة في تحويل تلك التسميات المذهبية إلى بنى إيجابية متوافقة في إطار قومي موحد قادر على الحركة والفعل مع إذابة البنى العصبوية الناجمة من التعددية المذهبية وبالتالي إمكانية إلغائها لصالح الوحدة القومية في صيغة جدلية مرنة تستطيع إعطاء مبرراً منطقياً مفاده أن التسميات المذهبية والطائفية إنما ولدت نتيجة لانقسامات وانتماءات كنسية حصلت في فترات معينة من تاريخ الشعب الآشوري وأن جذورها وأسبابها استمرت طويلاً في التكوين المجتمعي الآشوري والحياة الآشورية عموماً. إن الخلل كان وما يزال سببه التهرب من التسليم بذلك الواقع ومحاولة الاستعاضة عنه بتضخيم سراب القناع القومي الوحدوي أو في الاستسلام لتلك التسميات كمبررات لدفع عجلة العمل القومي بانسيابية إلى الأمام.

 

إذن ليس منطقياً الإشارة إلى الواقع الآشوري بالبعد القومي الموحد فقط أو البعد ذو التسميات المتعددة أي في إطلاق اسم الأمة المركب باعتبارها أسماء تدل على شعب موحد والتسليم بأن الآشوريين موحدين في بعض جوانبهم ومنقسمين في جوانب أخرى. فالعقل السياسي الآشوري ملزم في قبول الحقيقتين معاً على شكل معادلة جدلية مرنة تستوعب مقتضيات البعدين لحين العثور على مخرج ينهي إشكالية التسميات المتعددة.

 

وعلى الأقل الحل في الظرف الآشوري الراهن يحتاج إلى عقلية سياسية متحررة تستطيع التعامل مع التعددية المذهبية والسياسية والمناطقية وعدم اعتبارها نموذجاً فسيفسائياً صعباً ومحاولة تطويعها لقطع الطريق أمام بعض خصوم شعبنا  الذين حاولوا جاهدين من أجل تثبيت إشكالية التسميات المذهبية المتعددة والتعامل معها كأسماء قومية للمحافظة على النموذج الانقسامي في تأصيله وتقنينه بشكل دائم.

 

 أن ما يعانيه شعبنا من إشكالية التعدد والتنوع هي أعراض لتراكمات طويلة الأمد تداخلت فيها عوامل الجغرافيا والتأريخ والتركيبة المجتمعية للآشوريين والتي ستبقى محصورة في ظروفها الآنية ما لم يتم دراسة كافة أبعادها للتوصل إلى خصوصية العوامل الفاعلة والمتداخلة في الواقع الاجتماعي والسياسي الآشوري وهي خصوصية يتوجب التعامل معها وفهمها لوضع الحلول المناسبة لها والتحرر من سلبياتها بعد أن غرق شعبنا في التأويلات الآيدولوجية والتصورات الطوباوية البعيدة عن الواقع.

 

 ونشير هنا إلى أن مصطلح الخصوصية في الإطار الآشوري ليس المقصود منه في الدعوة إلى الانغلاق أو الاستعلاء القومي بل هي خصوصية تجربة المكان والزمان والتعدديات الموروثة التي أصبحت مؤشرات للتنافر في بعض أوجهها. ولعل أحد أبرز أوجه تلك الخصوصية هي عملية الإجهاض المبكر الذي تعرض له الوعي القومي الآشوري وانقطاع المسيرة الحضارية لعقود طويلة ودخولهم مرحلة سبات  ضمن معركة الدفاع عن الذات القومية في معارك غير متكافئة ضد أعداء تميزوا بالغدر  إضافة إلى الانعزال عن العالم الخارجي بالعيش في مناطق جبلية وعرة أو التواجد كأقليات بين أكثرية تختلف عنهم حاولت صهرهم في بوتقتها. ينبغي الإشارة هنا أيضاً أن الآشوريين لم يتسنى لهم المشاركة في إدارة الدول التي عاشوا فيها ولا في مؤسساتها السياسية وبذلك لم يمارسوا فنون القيادة والعمل السياسي بالمعنى المعاصر لفترة زمنية طويلة إلا أنهم استطاعوا مواجهة التحديات المستجدة في الوقت الحاضر إلى حد ما.

 

من الأوجه الأخرى للخصوصية في الوضع الآشوري هو ضرورة الإلمام في عامل المكان(الجغرافية) كشرط لفهم تطورات الزمان(التأريخ) بسبب ما يملكه عامل المكان من خصوصية وتحديات بالنسبة للآشوريين في عملية صياغة الواقع الآشوري الحالي. فالتعامل مع الجغرافية الآشورية يجب أن يحتل أهمية خاصة لدى المفكرين الآشوريين لأنه يمثل الأرض والوجود وهو أهم من التأريخ بعد أن تناثر الوجود الديموغرافي الآشوري في عدة دول لها حدود سياسية مؤدية إلى توقف دورة التفاعل التاريخية ولم تحل محلها دورة تفاعل جديدة وفق معايير الزمن المعاصر للمحافظة على القاعدة التاريخية المادية للوحدة المجتمعية الآشورية. كل تلك الأمور أثرت سلبياً على الروابط المعنوية الموروثة كاللغة والتراث والثقافة التي بقيت تعمل منفردة من أجل الوحدة القومية دون قاعدة التواصل الديموغرافية والاجتماعية بعد عمليات الإبادة الجماعية والتهجير القسري الذي طال الآشوريون ونزوح أعداداً كبيرة منهم من مواطنهم التاريخية في شمال العراق وجنوب شرق تركيا والجزيرة السورية وشمال غرب إيران وبذلك دخلوا مرحلة القطيعة الجغرافية وظهر على إثرها الإنسان الآشوري العالمي المتواجد في المهاجر والمنافي المتعددة.

 

  الأمر الذي أدى إلى تقلص النطاق المكاني للجغرافية الآشورية في الوطن ملقياً بضلاله على العمل القومي الآشوري عموماً الذي هو بحاجة إلى جسد جغرافي واضح الملامح للعمل في ربوعه والدفاع عنه.

 

إذن الخصوصية الجغرافية الآشورية المتآكلة باستمرار والانتشار الديموغرافي غير المتجانس إضافة إلى الإجهاض السياسي والفكري كلها تضع أعباء ثقيلة على العمل السياسي الآشوري يمكن التغلب عليها باستحداث تكتيك واعي وتبني إرادة إستراتيجية موحدة

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.