اخر الاخبار:
احتجاجات غاضبة بعد هجوم الناصرية - الإثنين, 27 كانون2/يناير 2020 12:07
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

كـتـاب ألموقع

• مذابح الآشوريين بعيداً عن سياسة الذاكرة

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

وليم أشعيا

·        مذابح الآشوريين بعيداً عن سياسة الذاكرة

 

كلما نتذكر اللوائح التي عليها الأرقام المرعبة لضحايا الإبادة الجماعية والإرهاب المنظم الذي تعرض له الآشوريون في هكاري , طور عبدين, أورمية , سلامس , سميل وصوريا وغيرها من المدن الآشورية يتطرق في بال كل إنسان ذو ضمير حي صراخ الأمهات الآشوريات وفزع الأطفال وحسرات الرجال الذين غدر بهم الزمن ولم يترك لهم خياراً سوى الموت وقوفاً كما تموت الأشجار والشيوخ العزل وتأوهات الأرواح البريئة وضجيج خطوات الموت المشؤومة التي جلبها الغرباء من القتلة والمجرمين.

 

      فالحديث عن مذابح الآشوريين ليس الغرض منه منح المسألة الآشورية أي رصيد أخلاقي استثنائي أو جعلها رأسمال رمزي ومعنوي على شكل إرث المذبحة للتلويح بها أثناء الحاجة ولا يدخل في باب سياسات الذاكرة وتسويقاتها الإعلامية والدعاوية كما تفعل بعض الشعوب ولسنا أيضاً في صدد إعادة إنتاج المعضلة الأخلاقية ضد الذين ساهموا في قتل الآشوريين وتحميلهم مسؤولية وتبعات تلك الجرائم باعتبار ذلك من مسؤولية المجتمع الدولي وهيئاته ذات الاختصاص والعلاقة إضافة إلى أن ظروف المكان والزمان قد تغيرت بل أن الغرض من الحديث عنها هو لتذكير العالم وخاصة أبناء شعبنا العراقي بكافة تلاوينه وتجنباً لنسيان آلام أهلنا وذووينا أثناء الزمن الصعب حتى لا يعود ذلك التأريخ الدامي إلى الحدوث مجدداً  بالرغم من كونها مشاهد لا تغيب ولا يمكن تغييبها من الذاكرة العراقية والآشورية لأنها محفورة بعمق .

 

       النقطة الأخرى في هذا الصدد أنه أثناء تناول عمليات الإبادة الجماعية التي مورست ضد كافة الشعوب العراقية من قبل الأنظمة في الوطن نرى أنه من الواجب أن لا يتعامل معها المثقفين العراقيين بشكل انتقائي وتحويل تلك الذاكرة إلى مسرحاً لاجترار الضغائن والآلام وفقاً إلى سياسة الذاكرة التي لا تخلوا أحياناً من مخاطر المبالغة في صناعة المذبحة وتغييب الحاضر وتغليب تلك السياسة على منطق التأريخ بطريقة تؤدي إلى إبقاء الوعي العراقي المعاصر أسير وسجين تلك المذابح وعمليات القمع مع تقديم شريحة معينة من الشعب العراقي في صورة الضحية الدائمة والقصوى بشكل استثنائي خارج اعتبارات التأريخ انسياقاً وراء حقيقة أن العراقيين كافة منذ تأسيس الدولة العراقية(1921) كانوا في مرحلة معينة ضحية للقمع والإرهاب المنظم سواءً في شمال الوطن أو في وسطه وجنوبه رغم اختلاف هول الكارثة والظلم الذي عانى منه الآشوريون والأخوة في الوطن من العرب الشيعة والكورد والتركمان وبقية أبناء العراق .

 

       مع مرور الزمن والابتعاد عن الانفعال والعواطف تصبح أحداث التأريخ كما هي وليست الذاكرة فقط هي الإطار المعقلن للتعامل مع مآسي الشعب العراقي باعتبار أن الظروف والمتغيرات عبر ذلك التأريخ هي التي تحدد الضحية والجلاد ومن سخرية القدر ثبت من التجارب أن الضحية يمكن أن يتحول إلى جلاد في ظروف معينة .  كانت مذابح السابع من آب عام (1933) ضد الآشوريين بمثابة أول إرهاب منظم تمارسه الدولة العراقية ضد أحد أقدم القوميات العراقية الأصيلة والتي على أثرها تصاعدت وتيرة العبث بمفردات الهوية الوطنية مغيبةً عمق انتمائهم التاريخي والجغرافي في أرض النهرين كمحاولة للقفز على حقيقة دورهم المتميز في بناء العراق ووحدته .

 

            فالنزعة الانتقامية التي سادت الأنظمة العراقية المتعاقبة ضد الطموحات المشروعة للقوميات في العراق كانت مستنبطة من العقلية العشائرية والتعصب القومي المقيت المتمنطق بظاهرة الاستعلاء القومي التي أصبحت بمرور الزمن مفردة طغت على آيدولوجية النظام الشمولي الذي استلم السلطة بعد عام(1968) مستخدماً الشعارات اللفظية الفارغة والنهج القمعي ليعمل على تشويه النسيج المجتمعي العراقي واستهانته بالمواطنة ومحاولاته مسخ الهوية القومية للآشوريين واجتثاث انتمائهم الوطني رغم عراقية الآشوريين التي تعود إلى ما يقارب السبعة آلاف سنة في العراق.

 

      لقد ذاق الآشوريون علقم السياسات الشوفينية للأنظمة التي حكمتهم ابتداءً من الدولة العثمانية وانتهاءً بالأنظمة العراقية حيث تجسد العذاب والمعاناة المستمرة على كافة الأصعدة وبمجرد التعمق في تصفح تأريخ هذا الشعب نراه تغلب عليه صفحات من الاضطهاد القومي والديني في مشهد شكلت بعض تفاصيله أطلال وبقايا قرى آشورية تحكي خرائبها  والتجاوزات عليها عقوداً طويلة من القتل والتنكيل. يملك العراق الوطن التاريخي للآشوريين خصوصيته في هذا المجال وكما هو معروف أن التعددية القومية والثقافية التي تميز بها التكوين المجتمعي العراقي لم يتم التعامل معه بالشكل السليم من قبل الدولة العراقية لا بل تعاملت الدولة مع تلك التعددية بسلوكية أدت إلى شرعنة الوظيفة السياسية لها والتصاعد الحاد في الميل إلى قومية معينة والانغلاق على الذات وتزايد الشعور بالعداء حيال القوميات العراقية الأخرى .

 

        وكان نتيجة ذلك تغييب أهم عناصر الهيكل الوطني الموحد وظهور الدولة العصبوية التي تتبخر فيها مشاعر الولاء للوطن والمواطنة وتقسيم المواطن العراقي على أساس عمودي كأفراد ينتمون إلى هذه القومية أو تلك وفي داخل القومية الواحدة يتم تقسيم المواطن بشكل أفقي على أساس طائفي وهي الحالة الظاهرة منذ تأسيس العراق حيث تشكلت على أثرها النزعة الطائفية للأنظمة العراقية لتصبح الطابع الذي يحكم الحياة السياسية والاجتماعية . رافق كل ذلك الشعور المستمر بالإحباط والاضطهاد وحالة من التيئيس النفسي والمعنوي بسبب ظهور الدولة في العراق خلال كافة مراحلها كسلطة مركزية رادعة وشمولية ذات طروحات مؤدلجة فشلت في تحويل التعدديات داخل المجتمع العراقي إلى بنى إيجابية متوافقة ضمن إطار وطني قادر على تذويب التعددية العصبوية والمتطرفة في بوتقة مجتمع مدني يسهم في تجاوز النموذج الانقسامي المتكلس بشدة في التكوين المجتمعي العراقي الذي يستمد جذوره من تراتبية عصبوية ترسبت بقوة في القاع نتيجة الممارسات الخاطئة للسلطات العراقية المتمثلة في استخدام العنف وتصفية الآخر.

 

 

             حسب سوسيولوجيا العنف فأن العنف هو استجابة مكتسبة من البنية الاجتماعية والسياسية وحسب سياق التثقيف الذي ساد العراق خاصة بعد عام (1968) نلاحظ سيادة النزعة العدوانية للنظام ونمو العصبيات القومية والقبلية والطائفية بسبب الحروب المدمرة والظروف القاسية التي مر بها الوطن خلال العقود الثلاثة الأخيرة . نشير هنا إلى ظهور العشيرة في كافة أنحاء العراق بدون استثناء كقوى سياسية تعبر عن طروحاتها بواسطة نزاعات مسلحة ليصبح النظام القائم وبعض الأحزاب المتنفذة استمرارية لحكم العشيرة وامتداداً لها في ظل غياب المشروع الوطني العراقي المتطابق مع المشروع الديمقراطي التعددي والدستوري.

 

           فالحروب الداخلية والخارجية أثرت على الإطار الأخلاقي للوعي السياسي العراقي  محولةً أياه إلى ممارسات تتقاطع بالضد مع القناعة الوطنية للعراقيين عموماً والأسوأ هو ظهور ورم اجتماعي للدولة الشمولية تبوأ فيها الشعب الموقع الأدنى والتي أثرت سلباً في بنيته الحضارية والنفسية والأخلاقية نتيجة الزمن الطويل من التجويع والقتل والظلم.

 

       عموماً فيما يتعلق بظاهرة العنف السياسي الرسمي فمنذ حصول كافة دول عالمنا المشرقي استقلالها نلاحظ غياب الاستقرار السياسي بعد فشل معظم تلك الدول في تحقيق الحد الأدنى من طموحات شعوبها في الحرية والديمقراطية واحترام مبادىء حقوق الإنسان والاستعاضة عنها في تبني أسلوب العنف السياسي الرسمي والمنظم ليحتل موقعاً مهماً في الحياة السياسية عبر الإدارة والسلطة المركزية الشديدة ذات الأنظمة الشمولية وحصر كافة الصلاحيات العسكرية والأمنية والإدارية في شخص رأس النظام الذي جاء نتيجة الانقلاب العسكري الذي اجتاح المنطقة  وليس عن طريق صناديق الاقتراع والذي يبرر تواجد الرئيس في الحكم لفترات طويلة مع بداية ظاهرة التوريث السياسي وتأهيل البديل من نفس العائلة .

 

         على الرغم من مظلومية الآشوريين إلا أن المسألة الآشورية لم تلقى الاهتمام اللازم من قبل المجتمع الدولي مما أدى إلى ما يمكن اعتباره ضعف الآفاق المستقبلية للعراقيين الآشوريين الذين لم يدخروا جهداً في إثبات اعتزازهم بالعراق وطناً وشعباً من خلال الخطاب السياسي الآشوري وتضحياتهم في الأحزاب الوطنية العراقية ومساهماتهم المعروفة لدى المنصفين من أبناء الوطن العراقي.

 

     فالظروف الراهنة التي يمر بها العالم بأسره بعد تأريخ الحادي عشر من أيلول (2001) حيث التحول الكبير في استراتيجية السياسة العالمية من أجل اجتثاث جذور الإرهاب بكافة أنواعه والأنظمة التي ترعاه لهي فرصة تحتم علينا الخروج من دائرة الخطاب البكائي وتوجيه الدراسات الأكاديمية بشأن القضية الآشورية للأنطلاق نحو العمل وفق آلية جديدة وبشكل عملي مدروس يهدف في الأساس إلى استقطاب الرأي العام الوطني والعالمي باعتبار المسألة الآشورية جزء من المسألة الوطنية العراقية وكشف الممارسات الإرهابية التي مورست ضدهم باعتبارهم من أوائل ضحايا الإرهاب المنظم والإبادة الجماعية بعد أن استشهد مئات الألوف منهم أثناء المذابح التي طالت الآشوريون ووصلت ذروتها في (24/4/1915) خلال سنوات الحرب الكونية الأولى في بعض مناطقهم التاريخية(طور عبدين-هكاري-آمد-أورمية وسلامس وغيرها) تقع اليوم في جنوب شرق تركيا وشمال غرب إيران بعد تخطيط الحدود في العشرينات من القرن الماضي

 

 وتكرر سيناريو الإرهاب المنظم ضدهم من قبل الدولة العراقية في السابع من آب(1933) في مدينة سميل الشهيدة شمال الوطن حيث قتل بضعة آلاف من الآشوريين العزل وفي هذا الصدد يتوجب على القوى الوطنية العراقية  مطالبة المجتمع الدولي وهيئات الأمم المتحدة للعمل على رد الاعتبار وتعويضهم مادياً ومعنوياً وإعادة أراضيهم التي فقدوها أثناء الحرب والحروب الداخلية التي شنتها السلطات العراقية المتعاقبة ضد أبناء العراق وهذا سيكون دليل على حرص القوى الوطنية العراقية بكافة اتجاهاتها على قيام عراق ديمقراطي تعددي دستوري وتمسكها بمواثيق حقوق الإنسان في العراق بعد التغيير المرتقب الذي سيكون بسواعد عراقية 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.