اخر الاخبار:
رسول: ‏العثور على 90 صاروخا نمساويا في كركوك - الإثنين, 28 أيلول/سبتمبر 2020 21:01
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

كـتـاب ألموقع

• ماذا نشبه المصريين نحن العراقيين؟

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

إبراهيم الزبيدي

مقالات اخرى للكاتب

ماذا نشبه المصريين نحن العراقيين؟

                          

بدون جدل، ما قام به الشعب المصري البطل إنجاز حضاري وإنساني تاريخي وفريد من نوعه، في زمن فقد فيه الناس أي أمل في حدوثه بعد أن تمكنت أنظمة القمع من ترويض شعوبها وإذلالها.

لقد استحق الشعب المصري العظيم أن ننحني له إكبارا وتقديرا وإعجابا بكل ما فعله، وما زال يفعله، وما سوف يفعله في مواجهة القهر والظلم والفساد. وأروع ما في انتفاضته الرائدة هي هذه الإلفة والمحبة والتعاون والإيثار بين جميع الزاحفين إلى ميدان التحرير، حتى كاد البعض يذوب في بعض، فلا تفرق بين علماني ومتدين، مسلم ومسيحي، إمرأة ورجل، شاب وشيخ وطفل صغير، صعيدي ومدني، مثقف وأمي، شبعان وجوعان.

ثم هذه الروح الطيبة المتسامحة المسالمة. ففي عز مواجهاتها الساخنة مع أجهزة قمع النظام، وفي أشد حالات حماسها في المطالبة بحقها في الخبز والكرامة والحرية لم تفقد هذه الجماهير المتدفقة تحضرها ورقي سلوكها وصدق شعاراتها. فلم نسمع ولم نشاهد إلا شعارات وهتافات عفيفة وطنية واعية دون شتائم بذيئة، لا لرأس النظام ولا لأبنائه ولا لأي واحد من أعوانه الكبار.

لم يعمد حزب من أحزابها حالة الإنفلات الأمني فيحتل واحدا من مباني الدولة أو يسرق أحد بنوكها، ولا يقوم بتهريب آثارها.

والأكثر استحقاقا لاحتراما هو هذا الجيش المصري الوطني الأبي الذي انحاز لشعبه وأعلن تأييده لمطالبه العادلة، وقام بحمايته ثواره من غدر أجهزة الأمن والمباحث والمخابرات.

ثورة المصريين العظيمة هذه جعلتنا، نحن العراقيين، نبكي كثيرا ونلطم أكثر على حظنا الأسود الذي ابتلانا بكثرة أدياننا وطوائفنا وقومياتنا وعشائرنا وأحزابنا وزعمائنا ومليشياتنا وسجوننا السرية والعلنية، على حد سواء. لا أمل لنا في انتفاضة من نوع انتفاضة مصر أو تونس، ولا حتى في أصغر منهما بكثير.

فشعبنا العراقي شعوب متقاتلة. ولاءاتها موزعة على أحزاب وطوائف وقوميات وأديان وعشائر. لكل حزب مليشيا، ولكل طائفة جيش، ولكل قومية دولة، وإن لم تعلن. هموم العراقي العربي الشيعي ليست هموم العراقي العربي السني، وأحلام العربي ليست هي أحلام الكردي ولا التركماني.

لن تثور جماهيرنا المهانة رغم أن ظلم قادتنا أشدُُ كثيرا من ظلم حسني مبارك لشعبه بعشرات الأضعاف، وفسادَهم أكبرُ وأعمق وأخطر، وسجونَهم السرية أشدُ قسوة وقهرا ووحشية من العلنية.

دولتنا غنية، ولكن شعبها فقير، بل تحت خط الفقر بكثير. في كل يوم، بل في كل ساعة، تنهال الدولارات عليها دون حساب، ثم تضيع. ليس في دولتنا الغنية ماء ولا كهرباء، لا صناعة ولا زراعة، لا خبز ولا كرامة ولا حرية ولا حياء. وفي مصر الفقيرة، لم تنقطع الكهرباء ولا الماء، وأمن المواطن مستتب، ينام في منزله آمنا، لا يقتحم داره أحد فيأخذه من زوجته وأطفاله إلى المجهول. يخرج المصري من داره آمنا ويعود إليه آمنا كذلك. لا أحد يختطفه ولا أحد يغتاله، وليس في مصر مفخخات ولا كواتم صوت. ومع كل ذلك لم يتحمل هؤلاء المصريون الأباة ظلم رئيسهم وأبنائه وكبار معاونيه، وأقسموا على ألا يهدأوا وألا يعودوا إلى منزلهم إلا برحيل الديكتاتور. أما في عراقنا الديمقراطي العظيم فكل شيء مباح. سرقة كل شيء، وتهريب كل شيء، واغتيال كل شيء. نُزور الشهادات والانتخابات والشعارات، ونتاجر بالدين والطائفة والقوم والوطن. شوارعنا مزابل. وأعراسُنا مآتم. ومثلما التصق مبارك بكرسيه المنهار فعندنا أيضا تمسك السيد رئيسنا ا بكرسيه المذهب الجميل، وقاتل بكل ما وسعه القتال دفاعا عنه وعن خيراته ورواتبه ومخصصاته ونثرياته التي لا تحصى.

في مصر برلمان، وعندنا برلمان. يجيء النائب المصري من منزله إلى البرلمان بسيارة تكسي، أو بسيارة خاصة ولكن دون سائق، أو بسائق ولكن دون حماية، ثم شرطي المرور ويتوقف عندما تكون إشارة حمراء ويسير عنما تصبح خضراء، وعندنا يجيء نائبنا بثلاثين حارسا، وبزفة سيارات سوداء مظللة تسير على الرصيف وتدهس شرطي المرور، وتطلق زماميرها الصارخة لتعلن أن نائبا في طريقه إلى البرلمان، رغم أنه إمعة لا في العير ولا في النفير، ولا يصلح لرعي عنزتين. لولا ولاؤه لرئيس حزبه أو رئيس عشيرته اللما قرر تنفيعه وجاء به إلى قبة البرلمان لينام ويستريح. 

ليس في العراق ماء. وليس في العراق كهرباء. وليس في العراق أمن، وليس فيه أمان. ومع ذلك فشعب العراق ساكت مستكين. لن يثور ولن يفيق. ولو حدثت المعجزة وأشعل فتيلَ الثورة عراقيٌ سني لهبَّ أخوه الشيعي لطعنه واعتقاله، ولو ثار شيعي لخالفه السني والكردي والتركماني.

ولو حدث ما ليس في الحسبان وانتفض شعبنا كما انتفض التوانسة والمصريون واليمنيون والجزائريون والأردنيون فسوف نرى العجب. موكب الناصرية في طرف من ميدان التحرير، وموكب البصرة هناك في الطرف الآخر. في كل جزء من هذه الساحة الواسعة حزب وفئة وطائفة وقومية ودين. لا أحد يأتمن أحدا، ولا أحد يحب أحدا، ولا أحدا يريد لأحد بعض خير وبعض فلاح.

كنت متشائما وفاقد الأمل في ثورة عراقية تقول للظلم كفى، وللغش كفى، وللفساد كفى، وتعيد إلينا عراقنا الحبيب سالما معافى. ولكنني اليوم أكثر تشاؤما وأشد حزنا وكآبة. فلن نُشبه غيرنا من شعوب هذه الأمة، في يوما من الأيام. مع الأسف الشديد.

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.