اخر الاخبار:
ديجافو.. نار تركية تزحف لمسيحيي العراق - الأحد, 27 أيلول/سبتمبر 2020 19:00
فيروس كورونا يزداد شراسة في دهوك - الأحد, 27 أيلول/سبتمبر 2020 11:05
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

كـتـاب ألموقع

• ملاحظات عراقية عاجلة على ثورة شباب التحرير

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

إبراهيم الزبيدي

مقالات اخرى للكاتب

    ملاحظات عراقية عاجلة على ثورة شباب التحرير

 

13 فبراير 2011

 

لا مناص من الاعتراف، أولا وقبل كل شيء، بفروق عديدة بين طبيعة الشخصية العراقية، العشائرية القبلية، وبين طبيعة الشخصية المصرية التي لا تعرف العشائرية ولا القبلية. ووجود ديانتين فقط، بطائفة واحدة من طوائف كلتا الديانتين، ساعد كثيرا على طبع الشخصية المصرية بروح المسالمة والمسامحة والميل إلى التعايش والتآلف والندماج أكثر من الاختلاف والاحتراب. فالأقباط طائفة واحدة، والمسلمون كذلك طائفة واحدة. والتدين العفوي الهاديء، غير المتزمت، والخالي من الغرض السياسي، وهو ما عرف عن المصريين، لم يدفع أتباع الديانتين إلى العنف، بل إلى بغضه وإنكاره إلى حد بعيد. ومعروف كيف وقف المجتمع المصري كله بوجه الإرهاب الديني، في أوائل العقد الماضي، وكيف قهره واستأصل شأفته بسرعة وحزم، من البداية. وما حوادث الاصطدام القليلة، بل النادرة، بين الأقباط والمسلمين إلا محاولات بتدبير خارجي لإحداث الفرقة سرعان ما تنبه لها المصريون، فوأدوها في مهدها.

أما العراق الذي يزخر بالملل والديانات والقوميات والطوائف المتنوعة المختلفة فقد جعل شخصية مواطنيه تتميز بالحذر والترقب والاستعداد الدائم لرد اعتداء خارجي متوقع، بسبب الدين أو الطائفة أو القومية، الأمر الذي جعل تاريخ العراق الطويل سلسلة متواصلة من الاصطدامات والغزوات والثارات وحملات التهجير والتهميش. وأضافت القوى والدول الخارجية، بغزواتها وحروبها، عوامل مساعدة أخرى على إشاعة القسوة والعنف في السلوك العام لمواطنيه.

 ويعتبر الدكتور علي الوردي أن أبرز العوامل هي ذلك الصراع الداخلي في الشخصية العراقية، بين البداوة والمدنية. والثابت أن النزعة الطائفية المتشددة والعصبية القومية والعشائرية لم تكن سمة شريحة معينة واحدة من العراقيين، بل إنها أصابت الجميع، مسلمين ومسيحيين، عربا وأكرادا وتركمانا، شيعة وسنة. ومن يتابع مراحل تاريخ العراق السياسي يجد أن ذلك الصراع، خفيا كان أو علنيا، كان السمة الغالبة لطبيعة الأنظمة السياسية التي تعاقبت على حكم العراق، حتى في عهود ما قبل تأسيس الدولة العراقية الحديثة.

وعلى هذا يسهل على المراقب أن يسجل فروقا عدة بين مراحل ثورة شباب مصر الأخيرة، وطبيعتها وشعاراتها ونتائجها، وبين ما جرى في العراق يوم سقوط نظام صدام حسين.

الأول أن ثورة شباب مصر كانت مصرية خالصة، فاجأت العالم كله، بما فيه أمريكا ودول أوربا كلها.  أما في العراق فلأن نظام صدام تمكن من تسخير ملايين العراقيين المستفيدين من ظلامه وفساده للسهر على سلامته ولحمايته من النصف الآخر. حتى صار إسقاطـُه مستحيلا على أية شريحة محلية، سياسية أو عسكرية أو دينية أو اجتماعية. وبسبب ذلك لم يعد ممكنا إزاحته إلا بقوة خارجية أقوى منه ومن معارضيه. ولأن سقوط النظام حصل بدبابات وقوات وأموال أمريكية خالصة، فقد صار الراغب في القفز إلى السلطة مضطرا لقبول سلطة اليد الخارجية، الأمريكية في البداية، ثم الإيرانية والسورية، بعد ذلك، والحرص على إرضائها وتنفيذ أجنداتها، أكثر من حرصه على خدمة أهله ومواطنيه.

الثاني  تابع لما سبق. فقد أصبح هدف شباب التحرير الأول هو تنحي الديكتاتور ثم إلغاء الدستور وحل مجلسي الشعب والشورى، وإلغاء حالة الطواريء، وفتح ملفات الفساد، ومحاسبة من تسبب في قتل المتظاهرين، ومن أمر بسحب قوى الأمن الداخلي وأشاع الفوضى، قبل أن تتمكن مفارز الشباب الذاتية من وقف العنف ومنع السرقة وحماية أمن المواطنين، قبل نزول الجيش المصري لتسلم هذه المهمة من الشباب.

 أما في العراق فلم يهتم أحد من قادتنا السياسيين القادمين من الخارج بعد غياب طويل طويل بمنع الفوضى والسرقة والتعدي على المال العام. بل بادر سياسيون بارزون، منهم رؤساء أحزاب وقادة مليشيات صاروا فيما بعد رؤساء جمهورية ورؤساء وزارات ووزراء ونوابا وسفراء إلى احتلال قصور ومؤسسات ومصارف وممؤسسات، علنا ودون خوف ولا حياء. بل إن واحدا منهم أسرع إلى احتلال مبنى المخابرات وسرق جميع ملفاتها وأسرارها ليستخدمها في تهديد أشخاصٍ وقادة ِ دول بنشرها وفضحهم، لبتزازهم وتحقيق أغراض شخصية معينة، لو لم تبادر القوات (الأجنبية) الأمريكية إلى مداهمة مكاتبه في أحد قصور صدام في مدينة المنصور، وانتزاع الملفات والأقراص والموجودات العائدة لمخابرات النظام السابق. وما زال الزعماء الباقون يحتلون قصورا ومباني في بغداد ومدن العراق الأخرى إلى اليوم.

الثالث أن الشباب لم يعادوا الجيش، بل اعتبروه جيش الدولة وليس جيش حسني مبارك، ومنحوا قادته المحسوبين على الديكتاتور فرصة العودة إلى وطنيتهم والانحياز لجماهير المنتفضين. وقد شكل هذا صمامَ أمان حَفظ سلامة َالدولة وضَمن الانتقالَ من عهد إلى عهد، بهدوء. أما في العراق فقد تمكن القادة الوافدون من الخارج من إقناع الأمريكان، وهم الجَهلة بطبيعة العراق وأهله، بضرورة حل الجيش، وتسريح الشرطة وقوى الأمن، وإلغاء وزارة الدفاع ووزارة الإعلام، بحجة أنها موالية، بالكامل، لرأس النظام، الأمر الذي خلق فراغا أمنيا وسياسيا وخدميا ساعدهم على ممارسة النهب والاحتلال والاغتصاب، وأطلق شرارة الفوضى والعنف وتصفية الحسابات القديمة. حتى محاكمة أعوان صدام تمت بكثير من روح الثأر والتشفي والانتقام وليس بهدف تحقيق العدالة التي لم يقصروا هُم في انتهاكها والعبث بها، بلا حدود. 

الرابع أن جميع الأحزاب والتجمعات السياسية المصرية التقليدية فوجئت بثورة الشباب وأفقدتها التوازن ومنعتها من الهمينة عليها وسرقتها، مما اضطرها إلى الالتحاق بها والمشاركة فيها كأتباع وليس كزعماء، وبقيادة شباب يافعين أنقياء غير مؤدلجين وغير مرتبطين بأجندات سياسية وعقائدية مُسبقة، الأمر الذي جعل ملايين المصريين تثق بنزاهة الثورة ونقائها وعدالة أهدافها، ودفع بها إلى الالتفاف حولها والدفاع عنها إلى آخر نفس. أما في العراق فقد كانت السلطة البديلة للنظام الديكتاتوري، حتى قبل سقوطه، معروفة لجميع العراقيين، ومكشوفة أهدافها وأفكارها وارتباطاتها. وبعض قادتها مطعون في ذمته وأمانته ووطنيته ونزاهته إلى حد كبير. وحين سقط النظام قفز هؤلاء أنفسهم إلى مواقع القيادة، واغتصبوا الحكم، وأباحوا لأنفسهم ولأتباعهم كل شيء، وتنكروا لوعودهم السابقة في إقامة نظام ديمقراطي تقدمي عادل وعاقل يخدم الموطن ويعوضه عما قاساه في ظل النظام السابق من ظلم وقهر وفساد وحرمان. وما زالوا إلى اليوم، بعد ثماني سنوات من الحكم بالمحاصصة، منشغلين بالاستغلال والسرقة والاغتصاب والابتزاز وتهريب الأموال، ولم يقدموا للمواطن سوى الأقل الأقل من الخدمات. وهذا هو السر الذي يجعل المواطن العراقي غريبا في وطنه، مسلوب الحرية والكرامة، وفاقد الإيمان بالوطن والوطنية، ويترقب يوم الخلاص.

وما نُشر مؤخرا عن رواتب الرؤساء ومعاونيهم ومستشاريهم، ورواتب الوزراء، ومكافآت النواب، يكاد يكون ضربا من الخيال، في بلد ليس فيه ماء يصلح لشرب الإنسان ولا الحيوان ولا كهرباء ولا أمن ولا أمان.

الخامس أن حرارة احتفال المصريين في مصر وفي أرجاء العالم كله، بانتصار ثورة الشباب، تشكل جرس إنذار لأي مغامر تسول له نفسه الالتفاف على ثورة الجماهير وسرقة انتصارها لإقامة ديكتاتورية ملطخة بأصباغ ديمقراطية مغشوشة من نوع ديمقراطية رفاقنا حكام العراق (الجديد). 

بصراحة، إنني أخشى على شباب العراق المتحضر المتنور الجديد، غير الطائفي وغير العنصري وغير الحرامي، والذي يدعو لإشعال الثورة في ساحة التحرير يوم الخامس والعشرين من شباط/ فبراير الحالي،  مما قد يصيبه جيوش المحاصصة ومليشياتها. فلأننا نعرف خامة الزعماء المهيمنين على السلطة في العراق، ونعرف أتباعهم، ووحشية مليشياتهم، ولأننا ندرك أن إيران سوف تتصدى لأية ثورة حقيقة قد تطيع بطوابيرها الخامسة العراقية، ولأننا نعرف أيضا خبث النظام البعثي الحاكم في دمشق وبغضه لأي تحرك شعبي حقيقي يطالب بالحرية والكرامة والديمقراطية، فلن يتورع هؤلاء القتلة عن جعل شوارع بغداد وغيرها من مدن العراق الأخرى بحارَ دم، ومقابر جماعية، فيجعلوا صدام حسين وبن علي وحسني مبارك يبدون حملانا وديعة، وقد يترحم عليهم المترحمون. فإن لم تهب انتفاضة شعبية كاسحة في إيران وسوريا معا، فإن مهمة شباب العراق لن تكون سهلة ولا سريعة كثورة شباب ميدان التحرير الرائدة. 

لا أقول هذا لإحباط الشباب، ودعوتهم إلى السكينة وارتضاء القهر والظلم والفساد، بل إلى التمهل والتأمل والتهيأة الطويلة الدقيقة المتأنية، لجعلها معركة مصير، وثورة خلاص، بكل ما تتطلبه من فداء وصبر وثبات. وفي النهاية  لن يصح إلا الصحيح.

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.