اخر الاخبار:
اطلاق نار على سياح في الأردن - السبت, 24 آب/أغسطس 2019 10:32
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

كـتـاب ألموقع

تصبيرة!// علياء الانصاري

تقييم المستخدم:  / 1
سيئجيد 

اقرأ ايضا للكاتبة

تصبيرة!

علياء الانصاري

 

عندما كنت صغيرة، كانت جدتي تصبرني على الجوع ب (تصبيرة خبز وجبن) حتى يحين موعد الطعام.

عندما كنت اشتاق الى وجه أمي.. كانت (تصبيرة) شوقي، قبلة اطبعها على صورتها القديمة.

وعندما كنت اطلب شيئا بإلحاح الطفولة، كنت أسمع من كل الجهات: (اصبري.. اصبري)!

وعندما كبرت، اكتشفت ان كل شيء في الحياة، له (تصبيرة).. وأن الانظمة التي تسيّر البلاد والعباد، قائمة على (تصبيرة)!!

نحن شعوب، تمت برمجتها على نظام (التصبيرة).. حتى أمسينا لا نؤمن بأهمية الوجبة الرئيسية او لا نفكر بمفهوم (الشبع)، لان الامة التي تصل الى سدّ احتياجاتها الاساسية من جوع وخوف، ستنتقل الى مرحلة التفكير بالامن ومن ثم تعزيز الذات فاحترامها وبالتالي انتاج الثقافة وابتكار فنون الحياة، وهذا ليس قدرنا والعياذ بالله.

نقرأ في كتابنا (القرآن)، والذي غابت ثقافته عنا: (فليعبدوا ربّ هذا البيت الذي اطعمهم من جوع وآمنهم من خوف). القرآن يريد ان يلفت الانظار الى ان احتياجات الانسان الاساسية لكي يبدأ بالتفكير بالعبادة اثنان: الجوع والخوف، فان استطعنا ان نسدّ حاجة الانسان في هذين الامرين فنوفر له الطعام لكي يشبع جسده ويطمئن ونوفر له الامن كي تطمئن روحه ويستقر، عندها فقط يستطيع ان يفكر بالعبادة.

والعبادة التي يريد القرآن ان يثير الفكر باتجاهها، تعني العمل، لان الحديث النبوي يقول: (العمل مخ العبادة). فالذي لا يعمل لا عبادة له، والذي لا يفكر فعبادته خرقاء كالرأس الذي بلا مخ. والانسان الذي بلا عقل تصفه الطبيعة ب (المتخلف) ويعّد من المخلوقات التي لا فائدة من وجودها غير كونها ابتلاء لمن حولها.

ويروى ان رسول الله (ص) دخل ذات يوم الى المسجد، فرأى احد الزهاد يكثر من العبادة والصلاة دون ان يخرج من المسجد، فتساءل من اين لهذا رزقه ورزق عياله، فأخبروه بان له اخ يعمل وهو الذي يأتي برزقه ورزق عياله، فقال رسول الله عليه افضل الصلاة والسلام: اخوه اعبّد منه. اي بمعنى ان ما يقوم به هذا الشخص لا فائدة منه، فما جدوى عبادة لا تصنع من صاحبها، إنسانا مفكرا عاملا مبدعا منتجا!

كما ان القرآن الكريم، عندما يشجع الانسان على فعل الصالحات وعمل الخيرات يصفه بانه العامل في سبيل الله، وسبيل الله في القرآن الكريم هو سبيل المجتمع، فبلاحظ الآيات التي تذكر مصطلح (سبيل الله)، كلها تصب في سياق العمل للآخرين وفعل الصالحات التي عادة ما تكون ذات صبغة اجتماعية تغييرية!! ولذلك جاءت خدمة المجتمع طريقا للوصول الى الله تعالى، فمن اراد ان يسير على درب الله (سبيل الله)، فعليه بخدمة المجتمع، والارتقاء به من خلال تحسين الخدمات التي تقدم للناس، او تحسين ظروف معيشتهم، او الارتقاء بمستواهم.. أي ما يسمى بمفهوم (التنمية) سواء الاقتصادية منها أم البشرية.

فالعاملون في مجال التنمية المستدامة بكل اشكالها وانماطها، هم السائرون في سبيل الله!!

لذلك أدرك جيدا، لماذا تم تربيتنا على نظام (التصبيرة)!!

ولماذا اختار حكامنا العرب هذا النظام من دون غيره من الانظمة في اعتماده لبرمجة خلايانا الدماغية والروحية والعضلية على أساس ذبذاته..

ولماذا في جامعاتنا، يتخرج الطلاب بتصبيرة (الشهادة) يعلقها على جدار غرفته يستذكر من خلالها ايام جميلة قضاها مع اقرانه في اشياء لم يعدّ يتذكرها لان يومياته الفعلية لا تجعله يتذكر سوى جوع بطنه وفراغ عقله.

ولماذا في قضايانا السياسية، نعتمد (التصبيرة)، وفي قضايانا الفكرية هناك (تصبيرة)، وفي قضايانا الاجتماعية تعجّ مفاهيمنا السلوكية بنظريات (التصبيرة).. وفي مساجدنا، تعلو منابرنا، خطابتهم التصبيرية: (كونوا فقراء لان الجنة يدخلها الفقراء..

لا بأس ان قتلتكم اسرائيل وشردتكم طرائق قددا فالصبر من سيقودكم الى الجنة، لانكم لا يمكن ان تجتمعوا واياهم في جهنم..

لتروي دماء ابنائكم، طرقاتكم.. فما الضير في ذلك، فهذه تصبيرة الجنة!!).

أدرك جيدا، لماذا أفرغوا عقولنا من مفاهيم القرآن وقلوبنا من شحنات الإيمان وحياتنا من فكر الصلحاء..

ادرك الآن جيدا، كيف للحاكم السياسي في بلادي العربية، ان يبيعني واولادي وأرضي بحفنة (تصبيرة) لجوعي وخوفي وضياعي.

كيف تصادر أحلام الفتيات بجرعة (تصبيرة) عندما يغتال منها الحلم على اسفلت الشارع صباح نهار يستعر فيه الصبر كفتيلة قنبلة نووية.

أدرك الآن، ان كل ما قيل ويقال، على مرّ التأريخ والازمان، هو (تصبيرة) لتخدير الجوع والخوف في مفاصل حياتنا، فنعجز عن التفكير والعمل والعبادة في سبيل الله. فنبقى أمة متشرذمة تترنح بجوعها وخوفها وعارها المفترش على طول الخريطة.

الكلّ يقدمُ لنا (تصبيرة) بطريقته الخاصة.. ونحن بدورنا نقدمها لغيرنا كأمة صادقة في الحفاظ على تركتها وإرثها العتيق في الخنوع والاستسلام لما يزرعه الغير فينا دون أدنى تفكير في اسباب الرضا  (بالتصبيرة) دون ان أفكر برفضها باعتبارها (عرضا مؤقتا لتسكين وجع دائم).

آه، لعلي الآن بدأت أفهم لماذا نسرع الى الصيدلي لنأخذ منه مسكن الصداع لتهدئته بدلا عن البحث عن أسبابه.

فهمت الآن.. نحن أمة تختار أسهل الطرق وأقصرها في دروب الحياة، لذلك كثرت دكاكيننا التجارية و(مولاتنا) واندثرت مكاتبنا ومعاملنا.

نحن أمة المتبضعين في أسواق الضياع، وامة الضياع في أسواق البضائع.

عذرا يا محمد بن عبدالله (ص)، لقد أدمنا (التصبيرة) فتشوهت ملامحنا ولن تقوى بعد الآن على التعرف علينا.

 

أضعنا الطريق إليك.. فهل من تصبيرة؟!

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.