اخر الاخبار:
السلطات الإيرانية تعتقل ابنة شقيقة خامنئي - الأحد, 27 تشرين2/نوفمبر 2022 21:41
إعلان الإضراب العام بمدارس السليمانية - الخميس, 24 تشرين2/نوفمبر 2022 21:46
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

كـتـاب ألموقع

عبد الرضا عوض المتصوف الذي عشق الكتاب ومدينته الحلة// نبيل عبد الأمير الربيعي

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

عرض صفحة الكاتب 

عبد الرضا عوض المتصوف الذي عشق الكتاب ومدينته الحلة

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

خسرت مدينة الحلة الوادعة التي تغفو على نهر الفرات قبل أقل من عام قلمٌ جريء، كان صادقاً في تعاملهُ، وحياتهُ أقرب إلى متصوف عشق مدينته، كما عشق الكتاب والكتابة والبحث والتمحيص والتدقيق والتحقيق، إنهُ أخونا وصديقنا وأستاذنا د. عبد الرضا عوض رحمه الله.

 

إنَّ تدوين أحداث ذلك التاريخ وتطوراته وتقديم مادته للباحث محفوظة بمؤلفات مهمة تكون منطلقاً صحيحاً لدراسة علمية في ميدان اختصاصهم, يقف في مقدمة أولئك المؤرخين والمدونين والباحثين والمحققين والموسوعيين المعاصرين الدكتور عبد الرضا عوض رحمه الله، الذي انصبَّت جهوده بشكل رئيس منذ ستينيات القرن الماضي وباجتهاد ذاتي منهُ على تدوين مفردات تاريخ مدينته الحلة وتاريخ العراق إبان العهود السابقة واللاحقة, ومنها العهد العثماني والملكي والجمهوري الأول والثاني والثالث, وعهد ما بعد التغيير عام 2003م, أو عهد الاحتلال الأمريكي، وما رافقه من بؤس وانحلال سياسي واقتصادي واجتماعي, وتدمير للبنية التحتية ومؤسسات الدولة كافة, والتدمير المعنوي والوطني لشخصية الفرد العراقي مدوناً يومياته في سفر (كلٌ يبغي حاجاته).

 

كما أن الباحث والمحقق عوض عاصر وتابع أحداث العراق فأثمرت جهوده عن العديد من المؤلفات المهمة التي تبحث في التاريخ والأدب والاقتصاد والتحقيق وتراجم الرجال, والتي تجاوزت مؤلفاته أكثر (51) مؤلفاً, بين التأليف والتحقيق, خصوصاً كتابه المعروف (الحوزة العلمية في الحلة, نشأتها وانكماشها الأسباب والنتائج 562هـ - 951هـ) والتي نال من خلاله درجة الدكتوراه, فضلاً عن أنهُ علماً من أعلام نهضة العراق في عصرنا الحديث, ذاع اسمهُ وانتشر في الأوساط الثقافية العلميّة والمحافل التاريخية والبحثية داخل العراق وخارجه.

 

تمثل كتاباته في عرض المعلومات التي جذبت العديد ممن رجعوا إليها لتوثيق بحوثهم ودراساتهم, وهو المعروف في مؤلفاته بأنهُ لا يكتب في مجال كُتب فيه الآخرين, ولا ننسى دورة الريادي في إصدار مجلة (أوراق فراتية) ومجلة (العشرة كراسي), فضلاً عن دوره في تأسيس (مركز تراث الحلة)، ودوره في بذل الجهود مع ابناءه في (مهرجان تمصير الحلة) واستذكار (لواقعة أو دكة عاك).

ومن خلال مطالعتي لمؤلفاته ومنهجه في التدوين التاريخي وجدت نفسي أن أسلط الضوء على سيرة هذه الشخصية المهمة ومؤلفاته ومنهجه في التدوين التاريخي من خلال كتابي (الريادة في مؤلفات عبد الرضا عوض) الصادر عام 2017, عرفت فيه الاستقامة والنزاهة والعفّة والغيّرة والشفافية والوداعة والتسامح وطيبة القلب المتناهية.

 

الراحل الدكتور عبد الرضا عوض بَثَّ فينا الدعم المعنوي للاهتمام بالتاريخ, وقد طرح بعض الأفكار والآراء العلمية في تحليل الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية, فكانت اشارته لي أن أكتب تاريخ مدينة الديوانية السياسي والاقتصادي والاجتماعي منذ التأسيس عام 1747م ولغاية عام 2003م، وقد صدر عام 2015م بثلاثة أجزاء، وكتاب حول توثيق انتفاضة آذار عام 1991م في الديوانية، وكتاب آخر عن حياة آخر علماء الحوزة العلمية في الحلة الشيخ إبراهيم القطيفي المتوفى عام 945هـ/1538م، وقد تحقق ذلك وصدرت تلك المؤلفات بتوجيه الراحل.

 

يمتلك الدكتور عبد الرضا عوض أخلاقاً امتداداً لأخلاق العلماء الصالحين, ومن خلال سلوكه الطيب انتزع احترام الناس حتى أولئك الذين كانوا يختلفون معهً في الفكر والرأي, فهو ثقة, متواضعاً, عفيفاً, كثير الحياء, محتملاً للأذى, محباً للعلم والتاريخ, ناشراً لهُ, صبوراً على البلوى, مناظراً بارعاً, باحثاً دؤوباً, كثير التأمل, يغور بعيداً في أسرار التاريخ، دمث الأخلاق, حيث انتزع ثناء الناس واحترامهم لهُ من خلال ما يحملهُ من أخلاق عالية, يثق بهِ الأصدقاء والمقربون, فضلاً عن كونه موسوعة جامعة لتاريخ مدينته الحلة, متنوع النتاج في التأليف, يتمتع بقوة الملاحظة, ودقة الاستدلال, من يطالع مؤلفاته يكون أكثر إحاطة بمعالم شخصيته.

 

في جميع مؤلفاته الصادرة حديثاً ألفته قد انبثق من حب أصيل في ذاته لدخول المجاهل, وتتبع الخفايا, والاهتمام بالمهملات, فالتاريخ دونهُ مؤرخو العرب قديماً تاريخ رجال, لا يظهر للمرأة أثر في واجهته حتى لكأنه يؤرخ مجتمع الرجال, تعيش المرأة فيه على الهامش, مما دعا المؤرخ عوض إلى تقصي أخبار الأديبات والشاعرات من النساء, تناول سيرهنّ ممن دخلن مجال الشعر والأدب، وتمّ تكريمهنّ في ملتقى العشرة كراسي من قبله.

 

كما اهتم بتأريخ الأماكن التي اهملها التاريخ, فكان التلميذ المؤرخ بلا استاذ, والأستاذ بلا تلميذ, وتلك هي الشخصية الفذة زادها منها ولا يقوى أحد على هضم ما تقدَّم من زاد. وكانت له تنبيهاته ومثال ذلك توثيق (تاريخ مدارس الحوزة العلمية في الحلة) و(وقعة السفاح عاكف), فكانت من مآخذه عليهم.

 

كان لانكبابه على البحث والتوثيق والتحقيق الذي اوتى به حباً لا يكافئه حب, فأتخذ منه خدناً وعشيقاً ونديماً, ينبع من هوى نفسه وشغاف قلبه, يقوم الليل قيام الزهاد المتبتلين ليكحل عينيه الكرى غارقاً بين كتبه ودفاتره وأقلامه, وينهض في البكور فلا يفرط بساعة من النهار, وكم كنت أراه في الصباح في مكتبته دار الفرات وآثار السهر والإعياء بارزات في رسوم وجهه وعينيه التعبتين, فيطبق جفنيه احياناً, ويسترخي في اغفاءه قصيرة من حيث لا يشعر, ثم ينتفض ويعود إلى كتاب يقرأه أو إلى حاسبته ليصحح ويراجع ما كتبه, والمرء بطبيعته إذا طاوله الجهد والإرهاق استرخى, واستروح إلى الراحة, وسكن إلى الهدأة, لكن المؤرخ عوض كان من ألد أعداء الكسل والالتذاذ بالراحة, إلا إذا اصابه المرض.

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.