اخر الاخبار:
حماس توقف مفاوضات هدنة غزة - الأحد, 14 تموز/يوليو 2024 09:31
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

كـتـاب ألموقع

ساعة الشهيد سلام عادل وموت الضمير الأخلاقي// نبيل عبد الأمير الربيعي

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

عرض صفحة الكاتب 

ساعة الشهيد سلام عادل وموت الضمير الأخلاقي

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

لا اعرف سامي مهدي عن قرب، ولم اتعرف عليه إلا في مكتبة ودار نشر ميزوبوتاميا في شارع المتنبي عام 2016م وهو يزور صديقنا المُغيَّب مازن لطيف، وعندما اسأل أصدقاءه عن قصة سلبه لساعة سلام عادل، قالوا: إن سامي ينكر ذلك. لكن التماهي مع آلة الفتك والتدمير أسكرت سامي مهدي، فلم يخفف من ارتداءه الدم الأحمر حتى رمقه الأخير، لا اعتقد لشاعر شفاف يتمكن من استخدام آلة التعذيب مع خصومه، لكنه عاش سنوات عديدة ومديدة حراً طليقاً أبان عهد صدام وأكثر كانت بعد سقوط النظام، لكن مات الضمير الأخلاقي للشاعر والمثقف، وعجز عن الاعتراف والاعتذار، وانخرط طوعياً في جوقة الطبالين والمهرجين للنظام ولقائده المهزوم، وتغنى بمسالخ البعث الصدامي ومأساة المقابر الجماعية.

 

قبل رحيله كان شيخاً عاجزاً، وهن الجسد، لا يمتلك شيَّم الكِرام، ميت الضمير، لم نقرأ لهُ اعتذاراً شجاعاً بكلمة واحدة للشعب العراقي ولرفاق الشهيد سلام عادل، لا ولم يصحو ضميره حتى آخر يوم في حياته، أسوة برفاقه، نشر الشعر في مديح صدام وتمجيد حروبه، تزلف له طمعاً بعطية، وتملق لهُ ولزبانيته، غلب على جيله نزعة التمرد، ومحبة الزعيم المتوحش صدام، ليس المهم إن كان شاعراً حاذقاً متعلماً المهم أن يكون واعياً حكيماً يمتلك ضميراً أخلاقياً يقظاً.

 

في شهادة حول شعراء الستينات و(نقد البيان الشعري) يصوّر الشاعر عبد الكريم كاصد موقفاً مثيراً لسامي مهدي، حين كان ومجموعة من أصدقائه في جلسة مرح وابتهاج، استفزه ذلك وهو يجلس قربهم، يكتب كاصد: (سامي مهدي أغاضه ما رآه من فسحة فرح منحتها لنا سلطته الجادة الدموية المتجهمة، لأنّ مكاننا الحقيقي هو السجن، أو المنفى، "وهذا ما تحقق فيما بعد بأسوأ مما قبل"، وليس موائد الفرح: فجأةً بحركة همجية شرسة مباغتة قطع ضحكنا بعرض ساعته ليرينا إياها معلناً: إنها ساعة سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي سلام عادل الذي عُذِّب تعذيباً وحشياً لا سابقة له. قال له الصديق الراحل جعفر موسى: هذا يعني أنكَ كنت تمارس دور الجلاد معهُ. أجابهُ: كنت حاضراً التعذيب ولم أمارسه. رد عليه جعفر بل مارسته. ليلة ليلاء لا تُنسى، وجلسة عرس ارتدت حدادها منذ اللحظة الأولى... الجلاد الذي مرّ ذكره، والذي قدم عذراً أسوأ من فعلته، وهو حضوره ليشهد الصلب أو التصليب أو المذبحة، أو سمّها ما شئت: إنسان معلّق بمروحة سملوا حتى عينيه، فلم يقو حتى على الأنين. كيف لشاعر أن يستمرئ رؤيته مثل هذا المشهد المريع! ولم يكتفِ بما فعله أو رآه باعتباره فرجة دموية نادرة، وإن تكررت في أقبيتهم، بل وفي المنازل والشوارع والساحات. لا لم يكتفِ حتى بتذكره. إنه يستدعيه ويستعيده ملتذاً، علناً أمام الجميع، في أي مناسبة تسنح لهُ ملوحاً بساعته، مفتخراً رغم مرور السنوات التي تبدو أنها مرت بالنسبة إليه سراعاً، وكأنها ساعاتٌ تلوّنتْ بالنصر، واستعادة النصر ثانيةً وثالثةً، وهكذا هم بالفعل)(1).

 

وكتب معتزي رشدي: كيف حصل سامي مهدي على ساعة الشهيد الخالد سلام عادل؟ هل اشتراها من سوق الهرج؟ أأهداها إليه جلاد من جلادي شباط الأسود؟: إليكم هذه المعلومة المرعبة، من مقالة للعزيز عبد الكريم كاصد وجدتها منشورة في موقع الحوار المتمدن في ذكرى رحيل طيب الذكر ممدوح عدوان.

 

أضاف رشدي: كان ممدوح، وعلي الجنديّ الصديق الحميم الآخر، من المدعوّين الدائمين إلى المربد. ما إن يصلا إلى البصرة حتى يتصلا بي لنسهر معاً في أحد منتدياتها، رغم الرقابة المحكمة من قبل السلطة، ودعواتها الباذخة، وتدليلها الفائض لهما، باعتبارهما رفيقين سابقين، ولكن ما أبعدهما عن مثل هذه الدعوى، ورغم ذكائهما الشديد في التخلص من شرك الدعوات، لم يفلتا من خيط أو خيطين من الشرك، فكثيراً ما يأتيان وبرفقتهما إما مخبر أو شاعر سلطويّ، ففي مرة كان مخبرهما دكتوراً كشفا عن هويته ما إن وصلا، ولكننا سرعان ما نسينا أن ثمة رقيباً بيننا، بل أن الرقيب سرعان ما نسي دوره واستعاد إنسانيته معنا، وأخذ يهتز طرباً لنكاتنا وضحكنا المتواصل. ومرة جاء معهم الشاعر البعثي سامي مهدي وقد فاجأنا بمعلومة سمجة لا ندري ما موضعها من جلستنا إذ أخبرنا أنه حصل على ساعة الشهيد سلام عادل سكرتير الحزب الشيوعي العراقي من جلاديه!!".(2).

 

كما كتب كريم شعلان: "الصادم في هذا الكتاب (رهان الستينات: نقد البيان الشعري) والذي أثار أسئلة كثيرة من الوسط الثقافي والمتابعين، هو واقعة ساعة الشهيد سلام عادل ودور البعثي سامي مهدي في تعذيب الشهيد والتباهي في مشاركته في تعذيبه وسرقة ساعته اليدويّة التي بقيت في معصمه مفتخرا بها"(3).

 

وكتب الدكتور عبد الجبار الرفاعي: "لم يعد هناك ما يمنعني اليوم من التحدّث عنه، بوصفه نموذجاً لموت الضمير الأخلاقي لعددٍ من شعراء وأدباء ما زالوا يحضرون بقوةٍ في حياتنا الثقافية، ولم نقرأ اعتذاراً شجاعاً ولو بكلمةٍ واحدة من أحدٍ منهم للشعب العراقي. هذا النموذج معروضٌ للبيع في كلِّ العهود، هناك دائماً من يقوم بمثل هذا الدور في خدمة كلِّ نظامٍ مستبدٍّ في بلادنا وغيرها، لا يصحو ضميرُ هؤلاء إلى آخر يومٍ في حياتهم. سألتُ عدداً من شعراء وأدباء وكتّاب معروفين، ممن مكثوا في العراق أيام الحروب والحصار ولم يغادروا الوطن، عن نشرِ الشعر في مديحِ صدام وتمجيدِ حروبه، والتزلفِ له ولحزبه في الكتابة، فشدّد الكلُّ على أن هؤلاء كانوا متطوعين، يطمعون بما يعطيه صدام لهم، ويتملقون له ولزبانيته. شعراء وأدباء وكتّاب كبار صمتوا، ولم يكتبوا جملةً واحدة تملقاً أو طمعاً بمال كلِّ تلك الأيام. سجالات جيل الستينات، أو سلوكياتُ التناحر الجدليّ بين اليسار الشيوعي واليمين القومي، تركتْ آثاراً عميقة على الروح الشعريّة العراقيّة. هذه الآثارُ ستظهر بأوجه عديدة ومتناقضة جداً"(4).

 

وكتب الروائي علي بدر: للمرة الأولى التي شاهدت فيها سامي مهدي حقيقة، أي من لحم ودم كان في غاليري للرسم. لم تكن له هيئة شاعر له اهتمامات ميتافيزيقية: أصلع تماماً، يرتدي السفاري الكاكي، وبدين بدانة مفرطة، هذا قبل أن يصدر صدام حسين قرار تخسيس موظفي الدولة فيشمله القرار ليظهر فيما بعد بنصف ما كان عليه وإن بقي أقرب للبدانة منه لشخص عادي طوال حياته، بل بقيت ملابسه وهيئته أقرب لتجار الجملة في سخرية واضحة من الشاعر كرافان ابن أخت الشاعر أوسكار وايلد وهو يصف الشعراء القريبين دوماً من السلطة، حيث لا ينتمون إلى النخبة التي ترتدي ملابس مميزة تميزها عن العامة سواء بالاكسسوارات أو بالازياء الغريبة، كما هو حال النخبة المثقفة المنشقة في الغرب. لم يكن شاعراً قريباً من السلطة فقط إنما شاعر سلطة، صحيح هو لم يكتب الشعر السياسي، بل إن موضوعة الحرية لم تقلقه، موضوعة بطش السلطة لم تقلقه كان موضوعة الوجود بحسب شعره هي التي تقلقه، فكرة الزوال 1979 التي كرس لها ديوانا كاملاً، الاغتراب كما في ديوانه سعادة عوليس 1987، أو غموض الكائن التي سادت جميع شعره، وهو في واقع الأمر لم يكن شاعراً رديئاً ولكن شعره يفتقر للجذوة، يفتقر للروح، شعره مكتوب ببراعة لكنه مصنوع. لم يكن شعر تجربة مأساوية كما هو شعر فوزي كريم، أو شعر ثورة كما هو شعر فاضل العزاوي، أو شعر دراما هائلة كما هو شعر سركون بولص، أو شعر ملحمة معاصرة كما هو شعر حسب الشيخ جعفر. هو شعر مكتب مبرد ومخدوم خدمة جيدة، شعر موظفين أدمنوا الخدمة، شاعر يراقب الكون دون أن يتدخل في تفاصيله، شاعر يعرف أكثر منا، شاعر واضح، ولكن وضوحه يغري فهو يتعالى علينا بلغته ورموزه، الشاعر مدير، بقي طوال حياته مديراً، مدير المركز الثقافي العراقي في باريس، مدير دائرة الشؤون الثقافية، مدير تحرير، هو مدير حتى في شعره، هو يدير الشعر أكثر مما يكتبه، قصائده مقادة وموضوعة ومسيرة حسب رؤية المدير وأيديولوجيته، لم يشك ولا لحظة واحدة حتى وفاته لا بالأيديولوجية ولا بتطبيقاتها التي انتهت به لاجئا من دون راتب، كما أنه لم تكن لديه ولا حتى أزمة ضمير إزاء الشعراء من جيله الذي انتهوا منفيين او مسجونين أو مقتولين فهو كشاعر أو كمثقف أبعد ما يكون عن التعاطف. كما أنه لم يكن مدرسة كاملة في الشعر له تلامذته ومقلدوه ومريدوه مثل سعدي يوسف، لقد عجز أن يجد شاعرا واحدا يتبعه، ولم نجد شاعراً واحداً نقول إن شعره تقليد واضح لشعر سامي مهدي(5).

 

المصادر:

1- عبد الكريم كاصد، رهان الستينات: نقد البيان الشعري، الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، بغداد، 2022، ص40-42.

 

2- جريدة المدن الألكترونية المستقلة، رحيل الشاعر سامي مهدي... أحد روّاد جيل الستينيات العراقي، 2/9/2022.

 

3- جريدة الصباح، كريم شعلان، عبد الكريم كاصد: الشك والنوايا في رهان الستينات { 3 - 1}، 18/6/2023.

 

4- جريدة الصباح، د. عبد الجبار الرفاعي، الكتابة بوصفها امتحانًا للضمير الأخلاقي، 22/2/2023.

 

5- جريدة المدن الألكترونية المستقلة، رحيل الشاعر سامي مهدي... أحد روّاد جيل الستينيات العراقي، 2/9/2022

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.