اخر الاخبار:
فتاة ناجية تروي تفاصيل مجزرة الموصل - الثلاثاء, 28 آذار/مارس 2017 10:44
داعش يذبح قاضيه الشرعي لـ"ولاية دجلة" - الثلاثاء, 28 آذار/مارس 2017 10:40
نصف الساحل الأيمن بقبضة القوات العراقية - الإثنين, 27 آذار/مارس 2017 21:33
الحشد يحبط "أكبر" هجوم لداعش غرب تلعفر - الإثنين, 27 آذار/مارس 2017 21:30
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

ألمكتبة

من منطلقات فكرية لمسيرة حياة الانسان التاريخية// يوسف زرا

 

من منطلقات فكرية لمسيرة حياة الانسان التاريخية

يوسف زرا

المقدمة

       اذا كان علماء الاجتماع واللغة قد اعتبروا ان تاريخ الانسان الحالي قد بدأ بعد ظهور الكتابة ، أي بحوالي_+ 3200/2900 ق.م . بمعنى ذلك اعتراف منهم بان للكتابة دور مهم في تفتح العقل البشري وابداعه الفكري في خلق وسيلة او واسطة متداولة يعبر فيها عن مراحل حياته على هذه الأرض . وما طرأ عليها ضمن المجرى التاريخي الطويل من التأثيرات والتغيرات لعوامل الطبيعة والمواقع الجغرافية التي نشأ فيها . وكيف بدأ يجول في خاطره عن ما حوله من الشخوص المادية واهميتها في حياته اليومية .

       الى جانب ما حوله من الأحياء المختلفة من الحيوانية والنباتية ، وكيف تمكن عبر قرون وقرون من الانتقال من طور الانسان الشجري الى طور والمرحلة للمشاعية البدائية . وعبر قرون وقرون لابل الاف السنين وظهور (النظام الاقتطاعي) والمشخص عبر التاريخ . والذي اعتبر اعظم طفرة نوعية في حياة البشر وبدء الاستقرار النسبي الاجتماعي واستثمار الأرض بشكل بدائي ، وتبدل حياة الفرد وسلوكه وتصرفاته جزئيا بسبب العمل المناط به ضمن النظام الجديد . وثم بدء مراقبة ما نجم من ذلك عبر عصور بولادة نظام ذي روابط اجتماعية واقتصادية وإدارية ووفق أفكار وتأملات قد تسبق حاجته لحياته البدائية وادراكه النوعي قرونا أيضا .

       وظهور حالة الصراع الداخلي بين ما يتأمله عقله النوعي وما لا يمكن تحويله الى المنطق بسهولة . أي ظهور لديه الوعي والفكر النوعي والادراك النسبي لما في بيئته الجغرافية وتقلبات مناخها وتأثيراتها عليه .

       لم يكن سهلا تمكنه من الانتقال من مرحلة الصيد الى مرحلة القرية الزراعية البدائية ونشوء المجتمع الزراعي البسيط قرب منابع المياه ومجاري الأنهر .

       حتى بدأ يفكر عن أسباب وجوده وعلتها والغاية منها . وثم ماذا بعد الممات؟

       وفق هذا المنطلق الفكري الفلسفي النوعي ، بدأ ينسج خياله قصصا وروايات ذات مغزى لصيرورة الحياة والرموز الأسطورية وذات القدرات الخارقة التي تتحكم به وبما حوله من الموجودات .

       وهكذا ولا زال الانسان (الكائن اللغز) يصارع ذاته والطبيعة معا جيلا بعد جيل ، ويبني ويخترع سبل ووسائط قد تمكنه من الوصول الى فهم او ادراك لكيفية ظهور الحياة رغم اصبح ذلك علميا ومنطقيا معروفا ولا حاجة للقلق .

       الا ان التسابق الحضاري المدني وما نجم منهما من المآسي للإنسان من الحروب والنزاعات التي لا يمكن التخلص منها ما زال هذا الصراع قائم بمفهوم – النشوء والتحول والارتقاء – والبقاء للأفضل في كل شيء . وتنوع رموز العبادة .

       فان الطفرات او المعجزات التي باتت معلومة للكل من سرعة التقدم التكنلوجي في جميع مرافق الحياة المادية خاصة .

       وهل ستؤدي الى جعله كائن اخر في هذا الكوكب كما تصوره العالم النووي – البرت انشتاين – (الكائن الخارق) ام قد تؤدي به الى انهاء حياته وما حوله من الاحياء ؟

       نتيجة التسابق الخيالي في وسائل التدمير الجماعي واستمرار حالة لا حرب ولا سلم بين الشعوب ، وظاهريا بسبب اختلاف الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية ولا غير .

                                                                  المؤلف

                                                               1/4/2014

بحث فكري

أولا - العلاقة الجدلية التاريخية بين لغة العقل ولغة المنطق

صنف علماء الاجتماع الانسان وفق المراحل الزمنية التي مر بها ، فكان ذلك حسب تطور مصدر ( فكرة الدماغ ) بايولوجيا، وكل مرحلة وفق مقاييس صوتية كانت تستعمل كإشارات عن ما يتحسس من الملموسات المادية والتأثيرات البيئية والمناخية ، واولى هذه المراحل هي التي سمي بها (الحيوان الناطق)، وهنا لابد ان نقف ونقول، بان كل النبرات الصوتية المستعملة كانت كمقاطع ذات تعبير لحاجته من المفردات اليومية الضرورية ، سواء كانت اجتماعية بسيطة كعلاقته مع افراد اسرته البدائية المتكونة عبر مرحلة الصيد، او مقاطع اخرى تدل على ما يحدث في مجرى حياته العامة كالأحزان والمخاطر التي يتعرض عليها ضمن الرقعة الجغرافية التي يعيش فيها. وامتدت به هذه المرحلة الى ان وصل يستعمل الى جانب المقاطع الصوتية ، الكثير من الاشارات الدالة بواسطة استعماله الاطراف الامامية والراس والتي تعتبر ايضا مشاركة منها لما يحتاجه او ما يتحسسه من المؤثرات الطبيعية ، وتمكن بعد هذه الفترة من الانتقال الى استعمال بعض الرموز وصور لتلك الاشارات الدالة ويبصمها إما على قطع طينية أو يحفرها على جدران الكهوف والمغاور التي كان يأوى اليها. وبواسطة قطع من حجر الصيوان الصلب والحاد او بواسطة عظام كبيرة وصلدة.

وبسبب التطور البايولوجي الذي حدث على العمليات الجارية في الدماغ، حدث تطور ايضاً في عملية التفكير وكيفية الانتقال من التعبير عن الصور والعلامات الرمزية الدالة، الى مرحلة الانتقال الى النطق وبلغة معينة ولكل شيء تسمية خاصة به _أي دالة_. ومنها انتقل الى مرحلة اختراع الكتابة ، وهي الفترة المهمة والتي ادت بالإنسان الى تدوين وتوثيق ما توصل اليه في الحياة اليومية ومفرداتها المتعددة، ولربما استغرق ذلك قرونا ً عديدة من السنين. وتعتبر فترة ظهور الكتابة ما بين عام 3200 – 2900 ق.م وفي جنوب وادي الرافدين حصراً. اي ظهور اللغة ببدء فترة ظهور الثقافات ، فأعتبر ذلك بداية لتاريخ الانسانية بشكل جلي لمفردات حياته اليومية ولجميع خصائصه الاثنية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية وغيرها.

ولم يتم اكتشاف أي نوع من الكتابة في موقع جغرافي اخر قبل التاريخ المذكور حتى الان.

وبعد انتقاله الى هذه المرحلة سُمي بـ(الحيوان السياسي). أي اصبح ينسق أعماله وحياته ومسكنه، واصبح تعامله مع بني جنسه ضمن الموقع المتعايش به ومع البعيد منه بأسلوب مرضي ومقبول نسبياً ونتج عن ذلك علاقة الألفة والانسجام مع البعض بواسطة تطور لغته وسهولة التفاهم مع الغير . مما أدى الى تقليص النزاعات الفردية والجماعية الى حدٍ ما. ولابد ان يكون هذا الانتقال بعد ظهور القرية الزراعية، وبدء التبادل الاقتصادي بالمواد المنتجة وحسب الحاجة (المقايضة).

علماً بان موضوع ظهور الكتابة في الحياة البشرية لازال يعتبر طفرة حياتية كبيرة وبدء بناء مستوطنات اجتماعية هنا وهناك كنواة لنشوء حضارات متعددة وبخصائص فكرية واجتماعية واقتصادية معينة ضمن البيئات الجغرافية والمناخية المتواجدة في تلك المستوطنات.

وبعد هذه المرحلة، بدء الانسان يفكر ويحاول ايجاد ما يمكن من الوسائل التي بموجبها يحمي نفسه ويأتمن على حياته ومعه اسرته ومجتمعه. وكانت مرحلة الاستقرار النسبي والبحث لما حوله من الظواهر الطبيعية واهميتها وتأثيراتها على حياته السلبية والايجابية والآنية والمستقبلية، كالشمس ولماذا ظهورها نهاراً واختفائها كليا ليلاً، او القمر وظهوره ليلاً واختفائه كلياً نهاراً. وكذلك انتقل الى مرحلة عبادة الاسلاف، او الظواهر الطبيعية الاخرى، كالزلازل او الزوابع والاعاصير والفيضانات والبراكين، وما تلحقه بحياته من الكوارث والمحن، وكيف يتعامل معها. وبدأ يحاول ان يطمأن ذاته بالخضوع لها أي (الرجاء والتوسل) كحالة لضعفه أو بتقديم بعض القرابين وإداء بعض الحركات الايقاعية ترضية لها، وكأنها في تفكيره آلهة كي تجعل حياته بلا كوارث أو صعوبات، ويعيش اكثر اطمئناناً. وبعد ظهور العبادة، بدأ بنشوء نوع من العلاقات ومراسيم دينية مشتركة، وتشييد صروح واماكن خاصة لتقديم تلك القرابين واقامة الطقوس في مواعيد معينة. اي بمعنى ظهور الثقافة الدينية لعبادة الطبيعية.

وبعد مرور قرون عديدة من حياة الانسان نضجت فترة ظهرت فيها لغة العقل واهميتها الفكرية التاريخية لتنظيم الحياة بصورة افضل، وبداية للتاريخ كما جاء اعلاه. ويمكن اعتبار ما توصل اليه الانسان بعد ظهور الكتابة وتعدد اللغات، ثم ظهور عبادة الطبيعة كأول تطور في لغة العقل البشري التي توصل اليها بسبب قناعته باعتماده على التأمل والانفراد في التفكير الذاتي أي (ظهور التصوف العقائدي البدائي)، بغية تفهمه لهذه الظواهر واسبابها وكيف يتعامل معها. لابل بدأ يناجيها ويحاول محاورتها (مع نفسه) لتقيه وتحميه من شرها. وكانت طفرة كبيرة في تفكيره الفلسفي المثالي وكمهمة مرحلية تاريخية كانت كأحد الاسباب الرئيسية المؤدية الى نشوء حضارات عظيمة واستماتت حتى هذا اليوم في الدفاع عن قيمها الفكرية وما نتج منها ضمن العلاقات الاجتماعية، ونظم الانسان حياته العائلية والادارية بموجبها، بعد ان صاغ بعض الاعراف والقيم والعادات بشكل انظمة، لابل قوانين لابُد من الالتزام بها واحترامها واعتبارها المنسق الضروري لحياته العامة والخاصة. وذات قدسية كبيرة وانتقل اثرها من جيل الى آخر وبشكل متوارث جماعي ضمن قبائل وشعوب الى يومنا هذا، حتى ظهرت الدولة الحديثة بعد سقوط عدة حضارات حكمتها سلالات متعددة الاجناس، ومنها الحضارة الرومانية في اواسط القرن السادس عشر (1550م) وظهور الدول الاوروبية الحالية وبتسميات جغرافية أو بأنساب بشرية وبأنظمة ملكية أو امارات، ثم سقوط الحضارة الاسلامية العثمانية في العقد الثاني من القرن الماضي (القرن العشرين) ، وظهور الدول العديدة في الشرق الاوسط وشمال افريقيا وبتسميات قبلية (مشايخ وامارات أو ممالك) وكلها امتداد لحكم الطبقة الاقطاعية ولحد هذا اليوم لازال هذا النفوذ قائما في بعضها ومرتدياً ثوب الدين ومنها مذهب معين وغيرها. وغالبيتها الشرق اوسطية العربية والاسيوية تحكمها لغة العقل. أما الدول الاوروبية فأن ظهور عصر النهضة في القسم الغربي منها اواسط القرن الثامن عشر والطفرة العلمية والتقدم التكنلوجي في جميع المرافق الخدمية قلبت الامور وظهرت لغة المنطق وفلسفتها المادية التي توازي الفلسفة المثالية (لغة العقل) وتتقاطع معها في كثير من التحليلات الفكرية ولها اسبابها ومبرراتها لدى الفلسفتين ولها ضرورة بقاء هاتين الفلسفتين كمحفزتان للعقل البشري للتغيير والتجدد الى أنماط من الحياة في المستقبل ولا توقف لذلك مازال الفكر الانساني دائم ومتواصل في أنتاج الافضل فكرياً واقتصادياً واجتماعياً وغيرها.

واذا اردنا أن نجزئ التاريخ والمراحل التي يمكن اعتبارها مع تداخلها مع بعضها نسبياً بأنها كانت بداية لحضور الوعي والادراك النسبي في كل مرحلة وحسب مقتضى الحالة الحياتية، عدا العمليات الفسلجية للظاهرة الفطرية والمنفصلة كليا عن الطفرات البسيطة في التفكير الانساني، والذي كان ناتج عن قدرة المخ على التكييف في محيطه والمستجدات التي تفرض على الانسان التعامل معها، لان تواصل الفكرة تؤدي الى تغييرات فسلجية في معظم اجهزه الجسم وعلى سبيل المثال: -

إن تفرغ الاطراف الامامية للإنسان للقيام بعدة عمليات، ومنها الحصول على طعامه من تسلق أعلى الجبال، أو قتاله مع الحيوانات بواسطتها وحتى تمكنه من استخدام القطع الحجرية كسلاح ضد العدو وغيرها. مما أدى الى تحررها كلياً من وظيفة المشي وانتصاب القامة تدريجياً. وهكذا تطورت أساليب الإيمآت والاشارات من حركية الى صوتية، وثم الى مقاطع خاصة لمدلولات مادية ومعنوية كما جاء في البحث سابقاً.

وإذا تناولنا مراحل ظهور الحضارات في كثير من بقاع الكرة الارضية واسبابها البيئية والمناخية فلا بد من ان نتكلم بشكل مقتضب عن مفهوم الحضارة واسباب قيامها.

فان المقصود بالحضارة كما نعتقد، بانها تعتبر ناتج تجمع بشري في عمق التاريخ ضمن بقعة جغرافية معينة ووفق نظام اجتماعي وسياسي واقتصادي وعقائدي مع لغة التداول فيها وبسبب تحول مقومات حياة الانسان – اعراف – قيم – عادات - الى مستوى من التقديس والعبادة واعتبارها إرثاً ينظم حياته بموجبها، مع روابط حيَّة دائمة التجدد وحسب الحاجة الآنية لكل مجتمع. ومن هذا المنطلق وعبر التاريخ تنوعت العقائد الدينية الناتجة من لغة العقل تميز بعضها عن البعض عقلياً واجتماعيا ًوفكرياً، كما توصل اليها المؤرخ والعالم الاجتماعي الاغريقي– اليوناني (هيرودوتس) 485-425 ق.م. والذي يعتبر من أشهر علماء وفلاسفة العهد الاغريقي والذي تزامن عصره مع فلاسفة – أثينا - ومنهم سقراط وارسطو وزينون وغيرهم، والذين اهتموا في ذلك العصر بفلسفة المنطق. واهم هذه الحضارات وحسب مواقعها الجغرافية وقدمها التاريخي هي: -

1- الحضارة الايرانية -3900- ق.م. وتعتبر امتدادا لحضارات الشرق الاوسط وتحديدا شرق وادي الرافدين، والتي ظهرت فيها عدة مستعمرات زراعية مزدهرة في الالف الرابع قبل الميلاد، اصابها الخمول وتعرضت الى تمزق، واقتصر الامر لتطور حضاري في بعض اجزائها الشمالية والوسطى، أما بخصوص الملاحم الادبية ذات طابع فلسفي للغة المنطق والتي ولدت الصراع بين الشك واليقين، أي بين فلسفة العقل (التأمل) وبين فلسفة لغة المنطق، فأن قصيدة زرادشت (660 ق.م.) النبي الايراني، والتي جاءت بعنوان (عقائد الإله الواحد) ولم يقل عقيدة الإله الواحد، ومحتوى القصيدة عبارة عن طرح عدة اسئلة مستفسراً عن الشمس والنجوم والقمر والارض والسماء والمياه وغيرها. ولان - لغة العقل - غير قادرة أن تجيب عن هذه الاسئلة، فضلت تشك بحقيقتها، ولابد أن يعترف الانسان بأنه غير قادر على اكتشاف اسرار المعرفة عبر فلسفة العقل. الى جانب أن ولادة زرادشت في عام 660 ق.م. والتي تقول: -

عندما كان الراعي –يوروزهاريو- يرعى ماشيته في حقل ما، فظهر له شبحان نوريان واقتربا منه وقدما له غصناً من نبات –الهوما- المقدس وأمراه ان يحمله الى زوجته، وستحمل طفلاً بكيان روحاني. فمزج الرجل الغصن باللبن وحسب التوصية وشربه هو وزوجته وحملت وليداً وهو (زرافوشترا) أي زرادشت. وهناك عنصر مشترك بين ولادة زرادشت وولادة بوذا في الهند عام 568 ق.م. بان الملكة امه حلمت بأن فيلاً يحمل في خرطومه غصناً من نبات (البشنين) ودار الفيل ثلاث مرات حول فراشها، وثم مسَ جانبها الايمن ودخل رحمها وحملت ببوذا.

وهنا نرى بأنه لم تكتف لغة العقل لدى الايرنيين بقبول هذه الاسطورة وظلت تعبد الطبيعة ايضاً كما في الديانة السومرية والبابلية والهندية وغيرها كعبادة ثانية احتياطية لعدم توفر اليقين بذلك.

2- حضارة وادي الرافدين (3200) ق.م. والتي شملت الامتداد الجغرافي لكل من العراق وسوريا الحاليتين وجزء من تركيا حتى ارمينيا.

فلابد ان نتكلم عن ميزة هذه الحضارة بصورة خاصة، بانها الموطن الاول للملاحم الادبية والقصص الاسطورية التي خلفتها للبشرية، والتي كان لها الفضل الكبير في مفاهيم فكرية وفلسفية سابقة لزمانها، وإن سرعة تطور حياة الانسان فيها وعامل استقراره بالوسط الجغرافي ساعد على أهمية التأمل في كيفية تنظيم الحياة لعشرات القرون. ثم سعى لتعميم ذلك داخل البيئة المتعايش بها وخارجها. واهم هذه المنجزات الفكرية والفلسفية التي ظهرت، هي كمنجزات للغة العقل ، وهي قصة الخلق السومرية والتي تقول بأن الآلهة – ماما - قامت بذبح الإله – وي إلا - أحد آلهة (تيامات) التي استخدمته كسلاح فتاك ضد الآلهة السبع بقيادة – مردوخ - وهو من غنائم الحرب، وبعد ذبحه خلطت دمه بالطين الاحمر النقي وقذفته في البرية فولد الانسان.

وهنا لابد ان تقف البشرية بكل خشوع واجلال امام هذا التعبير الفلسفي لعقل الانسان قبل أكثر من خمسة آلاف عام. والذي عبر فيه أبن الرافدين عن مفهوم ولادة الانسان من عدة عناصر مادية، وجعل الطبيعة، الرحم الذي حضنته ونما فيها وتحول وارتقى الى كائن حي، وهي صيغة فلسفية وواقعية لنفس الاطوار التي يولد فيها الانسان بعملية إخصاب البويضة، وهنا يمثلها الطين الاحمر النقي بواسطة دم وي – ألا - الذكر، والارض كرحم طبيعي أي الام الكبرى الحاضنة للمولود، الى جانب الانتقال الى تطور العقل الانساني وفرضية تنظيم الحياة كضرورة لظهور قوى ذات خصائص فريدة تمثل جميع أطرف ذات العلاقة بهذا المفهوم، وهي ظهور التوحيد التاريخي للأله الواحد – من سبع آلهة - وكل إله له وظيفة بإحدى ظواهر الطبيعة، وتنازل عنها بدون قيد وشرط الى اله واحد وهو (إله مردوخ) كرمز تاريخي يقوم مقام الكل ويفرض النظام والطاعة الطوعية الضرورية، مصحوبة بمركزية دينية مهمة لذلك الانسان.

3- حضارة الفراعنة في وادي النيل (3100) ق.م. وشملت كل من مصر-سودان – ليبيا، وإن ما يخص هذه الحضارة في موضوع الموت وفناء الجسد، فكان الفراعنة قد اعتقدوا ووفق فلسفة العقل، بأن للإنسان روح تسكن جسده، أي هي بمثابة – قرين - له، ففي حالة خروج القرين من الجسد إما بسبب النوم أو الموت. وبعد جولة غير محدودة مدتها وعاد القرين أي الروح الى مسكنها (الجسد) وحسب تصورهم بأن جسد الانسان في هذه الحالة بعد الممات يفنى. فأن الروح – القرين - ستتيه وتدخل جسماً غريباً قد يكون شريراً وتصبح شريرة ايضاً. ولهذا اضطرت الحضارة الفرعونية الى اكتشاف طريقة للاحتفاظ بالجسد بعد الممات سالماً، فكانت عملية التحنيط الطريقة الوحيدة التي جعلت أجساد ملوكهم وكهنتهم سالمة حتى هذا اليوم.

4- حضارة الصين (3000) ق.م. وشملت وديان الانهار الثلاثة – النهر الاصفر- هوانج – والنهر الازرق يانغ تشي كانغ - والنهر الجنوبي- سي كيانغ – فان الحضارة الصينية كأي حضارة قديمة، فكانت تعتقد بوجود الحاكم الاعلى، والمسمى (شانج تي) والذي يمثل حسب اعتقادهم القوى الرئيسية المسيطرة على العالم، ولم يكتف الصينيون بالحاكم الاعلى، فقد اعتقدوا بوجود (الاله الاعظم) (تيان) وهو سيد كل الالهة، اي  (هو السماء بذاتها) وهذا الاعتقاد جاء باعتبار:-

1- ان المطر الذي يروي حقولهم للرز يأتي من السماء.

2- وان السحابة التي تحمل المطر تأتي من السماء.

3- وان الريح التي تدفع السحابة تهب من السماء.

4- وان البرق والرعد اللذان يفتحان السحابة موجودان في السماء.

5- وان القوس والقزح الذي يظهر بعد سقوط المطر يبدو في السماء.

واخيرا بما ان كل شيء من السماء فان (تيان) هو السماء. ولكن لغة العقل لم تكتف بهذا المعتقد الذي اقره المنطق، بل قالوا يجب ان يكون لتيان - روح – وبما ان الروح ممثلة بالعناصر النازله من السماء وهي:- روح المطر، روح السحاب، روح البرق والرعد، روح القوس والقزح – والجبل – والنهر وغيرها.

بمعنى ان ظهور عند الصينيين لغتين في ان واحد، وهي لغة العقل في الحاكم الاعلى، ولغة المنطق في الاله الاعظم - تيان – ثم تعدد الالهة بالأرواح فعادوا الى استخدام لغة العقل لحسم الامر. بمعنى ان لغة المنطق كانت غير معتمده كليا وان لغة العقل اقوى.

5 - حضارة وادي السند – (2500) ق.م وشملت كل من الهند وباكستان وبنكلادش. وسبق ان تكلمنا عن المفهوم الفلسفي للغة العقل وتعدد الالهة في هذا الوادي مع عبادة الاله بوذا (المستنير) وكيف ولد مطابقا لولادة زرادشت وان هو الاقدم (اي بوذا) وقد تم التحدث عنه في الفقرة الاولى من الحضارة الايرانية.

    الا ان العبادة الاقدم في وادي السند (الهند) كانت البرهمية وهو الخالق للرجل والمرأة كزوجين وثم جاء من نسل كلاهما عن طريق تناسخ الارواح لجميع الكائنات الحية وفي مقدمتها حين أنقلبت الزوجة الى البقرة المقدسة، فأنقلب الزوج الى ثور وثم كلاهما الى زوجين جديدين من الاحياء – فرس وحصان - حتى وصولاً الى النمل.

وحسب هذه العقيدة والتي هي من منشأ لغة العقل، تعتبر هذه الرموز من الاحياء، مصادر للقوة وكلها من الاله الاعظم برهما. ورغم انتشار هذه الديانة في الهند بشكل كبير الا أن هناك الكثير من الآلهة تمثل بالأفاعي والقردة وغيرها مما يدل أن لغة العقل لدى الانسان ما قبل التاريخ كانت لغة التصوف اي الانطواء والعزلة على الذات. ولازالت هذه العقائد وبطقوس دينية متعددة قائمة في الهند وغيرها حتى هذه اللحظة، ولها قدسيتها وكتبها الدينية وإن أقدم مصدر عن الديانة الهندية كوثيقة تاريخية هي (الفيدالوجيا) –واخيراً نأتي على نهاية بحثنا هذا، مؤكدين إن الانسان اعتمد على لغة العقل كمصدر للتأمل لغرض وصوله في تلك المرحلة الى نوع من الاستقرار الذهني والنفسي، واضطر لعبادة الطبيعة والاسلاف فترة طويلة حتى ظهور أستخدام لغة المنطق وبدء عبادة الإله الواحد. ورغم ذلك فلازالت عبادة الطبيعة أو عبادة الاسلاف باقية في كثير من المناطق الجغرافية ومنها مجاهل حوض نهر الأمازون في امريكا الجنوبية وفي بعض جزر الاوقياندس وجنوب شرق الصين والهند وغيرها .

المصادر:-

1- موسوعة حضارات – عباس عباس

2- قصة الاديان – سليمان مظهر

3- فلاسفة اليونان – د. جعفر آل ياسين

4- حضارة وادي الرافدين – د. احمد سوسا

المعتقدات الدينية في بلاد الرافدين – رينيه لايات

 

                                                               يوسف زرا     

                                                               25/1/2014

 

بحث فكري

  - ثانيا -

دراسة نقدية لكتاب – ادلة وجود الله بين ديكارت ولايبنتز

دراسة مقارنة: أطروحة لدرجة الماجستير كرستينا بلو

 

الأستاذة الفاضلة كرستينا بلو المحترمة

تحية فكرية

       ارجو من الأستاذة الموقرة ان تسمح لي ببعض الملاحظات التي دونتها في هوامش كتابك الموسوم (ادلة وجود الله بين ديكارت ولايبنتز – دراسة مقارنة) .

كأطروحة لدرجة الماجستير ، بدءا من مقدمة الكتاب وصولا الى الفقرة الختامية وبشكل مختصر ومقتضب .

       مهنئا لك ومقدرا الجهد المتواصل والمضني في سبر غور الكثير من المصادر الفكرية والفلسفية والدينية ، بغية الوصول الى الصيغة النهائية لرسالتك حول الموضوع أعلاه . والذي اعتبره من اصعب المواضيع التي يخوض الانسان فيها ، ولأنه لا يعتمد على أي مصدر علمي او فلسفي للغة المنطق . بل اقتصر الولوج فيه الى لغة العقل فقط . أي(التأمل الباطني) .

       ويبقى الانسان مهما حاول من إيجاد الدلائل والقرائن ، فأنها مجرد اراء وفرضيات لخلق نوع من الاستقرار الذهني والنفسي وإزالة القلق . فان عنصرا الشك واليقين يبقيان ضمن دائرة التنازع والصراع بين الظاهرتين ، لأنه مادة الدلائل والبراهين ناتج من فرضيات مصدرها لغة العقل ، ولا تقبله لغة المنطق .

       لان الأولى غير حدسية وغيبية تفتقر الى علاقة الفرضية بالزمان والمكان . والثانية فهي حدسية مادية متنوعة ، سهلة اثبات وجودها او حدوثها وموضوعية ، أي لها الزمان والمكان .

       ولابد ان ابدا من مادة المقدمة ، ثم الدخول الى باقي مواضيع البحوث بشكل استنقاء فقرات مهمة منها فقط . فان المقدمة قد تركزت على مفهوم الاعتقاد بوجود الله ومفهوم الحياة والموت وتناولت موضوع – الالحاد – كمادة فكرية علمية عاصرت وعايشت مرحلة النهضة العلمية في اوربا الغربية . وحاولت الكنيسة محاربتها ومقاومتها وحتى هذه اللحظة . لما طرأ على ظاهرة الايمان بصورة عامة من الضعف والوهن ومعها جميع رجال الدين للاديان الثلاث – اليهودية – المسيحية – الإسلام – باعتبارها ديانات سماوية تؤمن بوجود اله واحد ، وغيرها ديانات أرضية متعددة الالهة . علما ان منشأ (الاعتقاد) جاء من لغة العقل (التأمل الباطني) فقط . والتي سبقت لغة المنطق . وسبب ذلك ، يعزى الى ضعف الناتج الفكري للدماغ (حالة بايولوجيا) ، ولم تتمكن من توضيف – الحدس – أي ما تشعر به الحواس الخمسة لغير حاجة الانسان الانية والموضوعية ، اما لغة المنطق فهي وليدة تقدم ، نمو وتطور مصدر الفكر – الدماغ – وكثرة تفاعله مع ما يستجد من الإنجازات العلمية – الابتكارات – الاختراعات – الاكتشافات – الى جانب التقدم العلمي النظري والتطبيقي تحليليا ومختبريا . وابسط مثال لذلك.

       وها هي الكنيسة ، وبعد قرون – تعترف بما جاء به غاليلو كحقيقة علمية فلكية ، وكما حاربت أيضا نظرية جارلس دارون – النشوء والتطور للحياة – وعاملته بنفس معاملة غاليلو مع فارق الزمن .

       وقبل اكثر من سنة أعلنت نفس الكنيسة الاعتراف بنظرية دارون ، اما مفهوم العقيدة الدينية ، فهي لازمت الانسان منذ القدم ، وكان ذلك بدافع خلق حالة الاستقرار الذهني والنفسي سائلا – من خلقه – ولماذا خلقه ؟ .

       وماذا بعد الممات الى ما حوله من المؤثرات الطبيعية المناخية والجغرافية . وثم تعدد مقوماته الاجتماعية والفكرية والاقتصادية وغيرها .

       اما اهمالي كل ما جاء في البحثين الأول والثاني ، فقد جاء بسبب قراءتي لأكثر من مرة جميع بحوث الكتاب ، ورأيت ان ما جاء في البحثين المذكورين قد ورد بتركيز اكثر في البحوث اللاحقة ، ولهذا ابدأ ملاحظاتي من البحث الثالث بدءا بالصفحة (54) وما جاء في الاسطر (5 – 7) .

       فان العالم الإيطالي (غاليلو – القرن السابع عشر) قلب مفهوم او – نظرية – مركز الكون، والذي كانت الكنيسة قد فرضته قسرا دون دلائل وبراهين مقنعة بان الأرض هي مركز الكون . ودون ان تعرف ما هو شكلها – مربع – مستطيل – مسطح – كروي مدور – فعندما قال غاليلو بان الشمس هي مركز الكون والأرض تابع صغير يدور حولها فلم تتأخر الكنيسة بالرد المباشر على – غاليلو – وقبله فرنسيس بيكون، باضطهاده واعتبرته جاحدا وملحدا باعتقادها بان (الله) اختار الأرض كأفضل العوالم لنزول السيد المسيح فيها .

       فديكارت يرى (الله الذي خلقنا يستطيع ان يفعل ما يشاء ، وما ندري بعد فربما كانت مشيئته ان يخلقنا بحيث نكون دائما على ضلال) (وحتى في الأشياء والتي نظن اننا على بينة منها) .

       بمعنى ان الله قادر على التوجيه الصحيح !

       والسؤال : فلماذا يعمل على ضلالنا ؟ وهل يعتبر الانسان عدو له ، ويحاول ضلالته ليتسلى به ويجعله تائها في حياته ؟ .. وهذه صفة الانسان الاناني .

       ثم جاء في نهاية السطر (15) كلمة (لعل) الله لم يشأ على اضلاله فالكلمة تدل على غير اليقين .       

       وبمعنى اخر ضعيف الامكانية لإنجاز أي شيء كامل...ولكن الله يتصف بالكمال .

       اما ما جاء في السطر (5) في الصفحة (55) . 

       يقول ديكارت ما نصه (انا افكر اذن انا موجود) . ويواصل ويقول (لأن هذه الحقيقة ، انا افكر اذن انا موجود) كانت من اثبات والوثاقة واليقين بحيث لا يستطيع اللا ادريون زعزعتها لكل ما ) ... هنا ان الفكر الوجودي يتقاطع مع الفكر الفلسفي اللاهوتي ، فالأول مادي والثاني مثالي . اما ما جاء في السطر (9) (توصل اليه ديكارت من خلال الحدس) هنا الحدس مصدر الحواس يتقاطع مع لغة العقل ، حين يقول ديكارت في الصفحة (53) السطر (7) ... (ومن المظاهر التي تبين للإنسان بان الحواس تخدعه) .

       اما ما جاء في صفحة (56) الاسطر (1 – 2 – 4)  والذي يقول فيها . ان الوجود المثبت من قبل ديكارت هو (وجود الفكر وليس وجود الجسد) ... ثم يواصل ويقول ... ولكن لا يستطيع ان يتصور بانه ليس موجودا وجودا فكريا . فان ديكارت يثبت وجود الفكر وليس وجود الجسد (فان الانسان يستطيع ان يتصور بانه لا جسد له ولا مكان له) . ولكن يناقض ديكارت نفسه حينما قال في اعلى الصفحة (انا افكر اذن انا موجود) ولم يلغ وجود الجسد ، لان الفكر يؤكد على وجوده ككائن .

       اما ما جاء في صفحة (58) الاسطر 3 – 5 – 15 – 16 والذي جاء فيها (فالموناد(*) لا يمكن ان يبدأ او يتوقف عن الوجود بصورة تدريجية ... ويواصل ... فليس أي تخوف من تحطم الموناد او انتهائه وجوديا .فالموناد يبقى في العالم الذي يتغير ولكنه يتحطم) ..

       فلماذا هذا التباين في موقع الموناد... (ليس أي تخوف من تحطم الموناد)...(فالموناد يبقى في العالم الذي يتغير ولكنه يتحطم) . أي غير عقلي ولا منطقي .

      

ولغرض وضع النقاط على الحروف فنقول كما يقول لايبنتز :-

1- الموناد لا يمكن ان يبدا ولا يتوقف . وهنا لا يمكن البدء والتوقف ... بمعنى ازلي .

2- الموناد يأتي الى الوجود (أي يبدأ) ... عكس المنطق السابق .

3- لا تخوف من تحطم الموناد ... (هنا لا خوف)... الشك ببقاء الموناد قائم .

4- الموناد يبقى في العالم ولا يتحطم ... هنا يزول الشك .

       اما ما جاء في صفحة (61) الفقرة (بـ) أنواع الموناد ...

1- هو موناد اعظم والذي هو الله تعالى .

2- تشمل المونادات المخلوقة من قبل الموناد الأعظم ، هنا لابد ان نربط مفهوم هاتين الفقرتين بما جاء في قصة الخلق السومرية والتي تقول ...

1- كان هناك مجموعة آلهة لا تلد ولا تموت – خالدة – وتسنى (انوناكي) .

2- كما كان هناك مجموعة ثانية تلد وتموت – غير خالدة – وتسمى (ايكيكي) . بمعنى ان هناك من عمق التاريخ سبق زمني لفكر الانسان . بتصوره عالم الخلود ممثلا بمجموعة آلهة لا تموت وخالدة ، ومجموعة تلد وتموت (أي الانسان)... فما جاء في الفقرتين ، بان لايبنتز قد ورث المنطوق الفلسفي الميثالوجي (الأسطوري) السومري وصاغة بنفس المعنى وبلغة ثانية . يؤكد لايبنتز لما ذهبنا اليه أعلاه حين يقول في صفحة (63) بعنوان الفقرة (3) المونادات الشاعرة بذاتها . بمعنى ان الانسان الرافديني قد سبق البشرية بأكثر من أربعة الاف من السنين بان المونادات الشاعرة بذاتها هي الانسان الحالي .

       اما ما جاء في صفحة (74) السطر ما قبل الأخير ونصه....(فان الله تعالى موجود لا كفرة بل في الواقع أيضا ...ومن يتصور انه غير موجود فان تصوره هنا يدل على غباء وحمق) ... وان الحوار والجدل واي نقاش بين اثنين يتم على وجود فاصل معرفة بينهما . فان عدم قدرة أي طرف اقناع غيره برايه ، لا يجوز ان ينعته بالأحمق والغباء . لأنه غير متمكن منه عقليا او منطقيا .

       فهل يعني ذلك انه احمق وغبي ؟ واذا كان منطق الفلاسفة هذا ، وفي هذا العصر بالذات . فلماذا نصف كل من يفرض عقيدته وايمانه على غيره بالقوة بانه – إرهابي تكفيري – وما الفرق بين هذا وذاك ؟

       اما ما جاء في صفحة (77) السطر الأخير وصفحة (78) 1وثم 6 – 7 حول ماهية الله – فهذا الامر يجعلنا على اليقين من وجود موضوعها (أي الماهية) خارج الذهن الإنساني ، وذلك لان الوجود المتحقق الخارجي هو جزء من أجزاء مضمونها ، وتعليقنا هو :- اذا تأكد لدى ديكارت ان وجود ماهية الله هي خارج ذهن الانسان ؟ اذن كيف عرف ذهن ديكارت ماهية الله – وهو الانسان وحجته ان كلمة (الوجود) لا تنفصل عن الماهية ؟ .

       فليس هذا الا التشبث بالغيب والجهل للمفهوم العقلي والمنطقي . وكذلك يقول ديكارت .. (فماهية الله تعالى بغير وجوده الفعلي ، يعني انها كمال مجرد من كمال....) .

       اليس هذا نوع من التعقيد اللغوي ومرفوض للغة العقل والمنطق .. حينما يقول (كمال مجرد من كمال) ؟ ... اما ما جاء في صفحة (79) الاسطر 4 – 10 – 11- حينما يقول :- وهو يتحقق من ذلك ان فكرة موجود كامل ليست وهما من نسيج الخيال ، بل اودعتها فيه طبيعة ثانية حقيقية موجودة بالضرورة .

       وهنا اعتراف ديكارت بان الطبيعة من الصفات المادية وهي فعلا ليست من الخيال والوهم .

       اما ما جاء في صفحة (83) السطرين ما قبل الأخير وقبله وهذا نصه :-

       فالأنسان ليس علة هذه الفكرة ، ولكون الانسان  ليس علة هذه الفكرة ، لذا لابد له ان يخرج من ذاته وان يبحث عن علة فكرة الكائن اللامتناهي ... هل خروج الانسان من ذاته – وكأن الذات مهيئة قبله – أي منفصلة عنه – فهل المقصود هو الوعي والادراك ... ام المقصود الفكرة المزروعة بذاته ؟ ام هو البحث عن المجهول حسب تصور ديكارت . لا يمكن لذات الانسان الوصول الى الكمال لانها ناقصة ، ولا يمكنها ادراك الكمال اللامتناهي حسب لغة العقل .

       وتأتي أيضا على صفحة (85) الاسطر الأربعة الأخيرة – عدم استقلالية ما تسمى (الحقيقة الميتافيزيقية – الأبدية) عن الله . ويعود ويقول :- ان الله بذاته خاضع لاستكس (أي القدر) ، بمعنى ان قدرة الله محدودة . وهذا يتقاطع مع ما يذهب اليه ديكارت في صفحة (86) سطر – 4 – ويقول :- (اذن لكون قدرة الله تعالى غير محدودة فلابد ان يكون هو الخالق للماهيات) .

       نعود الى ما يقوله ديكارت في السطرين الأخيرين من صفحة (86) :- (ان الحقائق جميعا يمكن ان تدرك بوضوح ولكن ليس ميسورا لجميع الناس بسبب ما يغشى على عقولهم من أوهام شائعة واحكام متيسرة) :- وهنا لابد ان نقول : لكون ديكارت كاي انسان (كفرد) يسعى لتحقيق ذاته ويتعالى على غيره عندما يقول (ليس ميسورا لجميع الناس بسبب...) .

       فهل تمكن ديكارت من التخلص من التأثير التربوي الاجتماعي الطبقي والديني للمذهب الكاثوليك لأيام الطفولة ... كما لم يتمكن لايبنتز وهو من نفس البيئة الاجتماعية والدينية بالتخلص من التأثير المذهبي البروتستانتي ؟ علما أي مناقشة فلسفية يجب ان تكون مجردة من التأثيرات المرحلية للإنسان . 

       ثم ننتقل الى الصفحة (87) الاسطر 3 – 4 – 5 – 7 – 8 – 9- ونقول :- نعم وقع ديكارت في الدور بقوله ... (وجود الحقائق الأبدية ولكن الحقائق الأبدية تعتمد او تستند على وجود الله تعالى) :- لماذا يقول جازما وجود الحقائق الأبدية... وثم – ولكن – انها زائدة وليس لها معناً مهماً . وحينما يقول في الاسطر الأخيرة ، فهناك فرق بين ان يريد الله تعالى هذه الحقائق ان تكون ضرورية وبين ان يكون الله تعالى مضطرا لذلك...فما معنى مضطرا لذلك ؟ كأنه تحت ضغط إرادة خارج اراداته...رغم يكمل الجملة...بان هذه الحقائق ضرورية فقط للإنسان لأنه خالقها .

       ثم ننتقل الى صفحة (93) الاسطر الأربعة الأخيرة وتقول :-

1- في مفهوم لغة العقل عن ماهية الله تعالى :- انه الوحيد يحمل صفة واحدة وهي الكمال الناجز...وهنا نرى تعدد الكماليات...فهل هناك عدة آلهة...لابل...ولماذا التكرار... اذن فهو موجود ... – و- اذا كان ممكنا – و – فهو موجود... واذا كان ممكنا. هل هذا التكرار خطأ مطبعي ؟ ام يعني الاستسلام للشك ؟

       ثم ننتقل الى صفحة (96) السطرين ما قبل الأخيرين والذي يقول :- (كما ان الله تعالى فاض بنعمته على هذا العالم ، فالله تعالى لا يمكن ان يفيض بنعمة الوجود الا على عالم واحد ، وهذا العالم هو عالمنا.. وتعليقنا:- كانت كنيسة روما قد اضطهدت العالم الإيطالي غاليلو وغيره بسبب قوله بان الشمس مركز الكون وان الأرض تاربع كروي يدور حولها والحجة هي ان ... اختيار الله تعالى لكوكب الأرض من بين جميع الكواكب او العوالم كموطن لولادة السيد المسيح ، ولازال هذا الرأي سائداً لدى بعض المتصوفين والمتاجرين بالدين ومنهم لايبنتز والذي يقول :- بان الله فاض بنعمته على عالمنا وبانه افضل العوالم...ثم ننتقل الى صفحة (98) السطر 3 – 4 – وتقول :- كم هو ذكي لايبنتز حين يعيد كتابة التاريخ بشكل معاصر قياسا لما جاء قبل اكثر من الفين و400 سنة ، وعلى لسان الفيلسوف الاغريقي – افلاطون – في مؤلفه – المدينة الفاضلة – او جمهورية افلاطون – والتي هي من طموحات الانسان منذ القدم ولا زالت حلما فقط ... وكأنه يكتب للذين لا يعرفون القراءة ولا يبصرون او يسمعون .

       فمدينة الله هي اكمل مدينة في ظل اكمل الحكام ، وهذه المدينة هي مدينة أخلاقية داخل نظام العالم الطبيعي .

       ثم نعود لما قاله ديكارت في الصفحة (54) سطر – 7 – ونصه :- فربما كانت مشيئته (أي الله) ان يخلقنا بحيث نكون دائما على ضلال حتى في الأشياء التي نظن اننا على بينة منها (وهنا فعل الشر قائم مسبقا سواء يعلم الانسان بذلك ام لا يعلم .

       ولان الانسان الضال يميل الى فعل الشر اكثر من الخير).. وفي الصفحة (99) السطر – 51 - 16 – يقول لايبنتز ما نصه :- (ان الله لم يخلق شرا وانما خلق عالما يوجد فيه اقل قدر من الشر) .. والمقصود بذلك :- ان قدرة الله لعمل الخير محدودة... وهنا يتقاطع مع مقولة (ان الله كريم رحيم).. ثم نأتي الى الصفحة (100) الاسطر – 1 – 6 – وهذا نصها :-

(فاذا كان عالمنا هو افضل العوالم الممكنة فيه شر ، فهذا يعني ان العوالم الأخرى تحتوي على شرور اكثر مما نجدها في عالمنا...ثم يقول... :-وهذا الاختبار لعالمنا هو اقوى دليل على وجود الله تعالى الذي اختار بإرادته الإلهية هذا العالم من بين العوالم الأخرى) .

       الا يعني هذا ان الله لا صلة له بالعوالم الأكثر شرا ، وهل هناك الهة أخرى تخلق عوالم وهي مستقلة عن الهنا ؟ :- اما ما جاء في الصفحة (101) السطر ما قبل الأخير ويقول لايبنتز ما نصه :-

       العلة التي تحدد المبدأ المنظم للموجودات نفسها ، وبالاجمال هي (قوانين الكون)...وهنا إشارة واضحة الى وجود غير (الله) كمنظم للكون ، يعتبر الغاء لوجوده ، فمفهوم الكون يقصد به مجموعة عوالم . والقوانين المنظمة لها هي (ناتج حركة المادة لا غير) . وفي الصفحة (102) السطر – 9 – 10 فان استعمال كلمة (اعتقاد او اعتقد) من قبل لايبنتز سواء ضمن موضوع فلسفي او علمي ، بانه امر مشكوك بحقيقته ومجرد فرضية وهمية لا غير . ثم ننتقل الى الصفحة (115) الاسطر – 15 – 16 – والتي يقول بها الفيلسوف الألماني (ايمانوئيل كانت) ناقدا مفهوم (كلمة العقل) ويقول :- ان الضرورة المنطقية المحصنة اشاعت وهما جبارا الى حد جعل الناس بعد ان شكلوا معنى عاما بيئيا لاحد الأشياء ، وشكلوه على صورة جعلته يبدو كأنه الوجود في ميدانه... وأخيرا يقول :- ان الوجود ليس صفة منطقية ...

       وتعليقنا بمعنى ان الوجود صفة للغة العقل لا للغة المنطق ، لان جملة شكلوا معنى عاما بيئيا لاحد الأشياء....هنا البيئة بمعناها الجغرافي والمناخي والعقائدي ، ومنها انطلقت عبادة الطبيعة وعبادة الاسلاف . ثم الديانة السماوية (وهي ديانة عمودية) لان جميع ما سبق من الديانات أرضية افقية أصبحت معروفة و(السماوية – العمودية) غير معروفة أسبابها .

       ثم ننتقل الى الفصل الثالث – فقرة التمهيد صحيفة (123) الاسطر من (8 – 10) . وتقول :- ان ما ذهب اليه كل من ديكارت ولايبنتز حول (دليل الحدوث) :- يعني ان هناك تصور ساذج لكلاهما عندما تعجز لغتهم العقلية من تحديد زمن الصفر ومفهوم (العلة الأولى) (علة العلل) . ولا يقران بهذه السذاجة . وكأن الله هو الذي خلق مسرحية – علة العلل – للاستقرار الذهني الشخصي فقط . دون ان يعرف ان الانسان هو الذي أيضا يقول ذلك عقليا ، ولا يقبل ان لغة المنطق قد حسمت ذلك منذ زمن بعيد.

       وان كلمة (الله تعالى) تعني الوعي والادراك لذاته لما حوله من القضايا المادية الملموسة وغير الملموسة فقط . وهذا هو الوجود القاطع . ثم نأتي الى فقرة دليل الحدوث عند ديكارت ومعها علة الذات الإنسانية المفكرة... وتعليقنا على ما ورد في الاسطر – 6 – 16 – 17 – وتقول :- ان مفهوم الزمان مرتبط بوعي وادراك الانسان ، فلا وجود لهذه الكلمة دون وجود الانسان . اذن . الزمان مرادف لذات الانسان .        

       فاذا انقرض هذا الكائن ، فلن يبقى هناك من يتحسس أي شيء موجود . والانسان أيضا هو يمثل المكان النسبي (الحيز له) والمتواصل معا . اما تعليقنا على ما جاء في السطرين الأخيرين ونقول:- لماذا يستعمل ديكارت جزء من الحقيقة العلمية البيولوجية (الحياتية) والتي تنص على (النمو والتحول والارتقاء) وهذه صفة كل الاحياء ويمكن ربطها بمفهوم (الخلق المستمر) أي التكوين الذاتي ، والارتقاء هو ليس الكمال بل اخر التسلق او الصعود في سلم الحياة لتبدأ دورة الهبوط ، وثم التجدد كدورة ثانية لجوهر المادة (المانادولوجية) (الجوهر) . والانسان بالذات اعلى اشكال الارتقاء في هذا الكون .

       وهناك مقولة للفيلسوف الاغريقي (ارسطو طاليس) حينما يقول :- (كل شيء في الكون هو صور للمادة وبشكل متغير) . فهل تمكن فلاسفة المثالية من دحض هذه المقولة كنظرية وتطبيق حي لها ؟

       وفي الصفحة (128) السطر – 5 – 6- اذ يقول ديكارت :- (اذن الانسان ليس خالق نفسه ، كما ان الانسان خلق من العدم او من لا شيء) ؟؟

       والسؤال هنا :- هل العلم يخضع لمقاييس فيزيائية او رياضية ؟ ولكن الوجود شيء ضمن تلك المقاييس ، فلا وجود لشيء خارج هذا المنطق العلمي ، وفي الصفحة (129) فقرة – ب – فكرة الزمان – الاسطر 3 – 4 – فهنا يضطر ديكارت وبعد جهد جهيد ، وكما يقول المثل (فسر الماء بالماء) ويعترف ضمنا بان الزمان ناتج من ادراك الانسان لذاته ولما حوله من الماديات اذ يقول :- (فالمونادات لا تحتاج الى تجديد توافقها بين لحظة وأخرى ... ويعود ويقول فالمونادات خلقت منذ الازل بحيث تسير كل واحدة موازية مع الأخرى) ..

       وتعليقنا على ذلك هو :- وهنا يريد لايبنتز ان يقلب المفهوم العلمي لوحدة المادة وحركتها الموازية ، وبين (ان المادة لا تفنى ولا تستحدث) فلماذا هذا التشويه في المفاهيم ؟

       ان ما جاء في متن الصفحات من (150 – 153) حول علاقة الروح بالجسد :- فنرى ان الموضوع قد شغل فكر كل من ديكارت ولايبنتز واختلفا في علاقتهما معا . اذ يقول ديكارت :- وان علاقة النفس بالجسد علاقة جزئية ، ولم يحسم الامر فيما اذا كان المخ او أي جزء منه ذات تأثير على النفس (الروح) .

       اما لايبنتز فيقول :- بان هناك تناسق بين الاثنين ، وكل واحد منهما متميز عن الاخر ، فالنفس تتميز بفاعلية روحية ، أي غير مادية بسيطة .

       اما الجسد فانه مادي مركب (أي بمعنى ليس من عنصر فيزيائي واحد) . لان كلمة (مركب) تعني التعدد في المكونات المادية ، وبأي حالة تكون – صلبة – سائلة – غازية – مُتئنة – ولكن لو جئنا بأي ذرة من ذرات المادة ودرسنا مكوناتها وخصائصها الفيزيائية . فسنرى ان هناك الغلاف ثم النوات ثم الالكترونات والبروتونات التي تدور حولها .     

       وفي النوات مكونات فيزيائية أخرى وكذلك في الالكترونات وبخصائص أيضا ، والكل يتحرك داخل الغلاف دون ان ينفصل بحركته عن الجزء الثاني (الطرد المركزي) أولا . وبدون ان يخرج من الغلاف ثانية . الا في حالة واحدة طارئة ، عندما تتعرض الذرة ككل الى عوامل خارج تماسكها أي (فلقها) ففي هذه الحالة لا تبقى لأي ميزة لأي مكون من مكوناتها بشكل منفصل ، مع العلم ان لكل من النفس (الروح) والجسد قوانينهما الخاصة بهما وتعمل بشكل مستقل .

       والكرة الأرضية أو أي جرم سماوي ، وما في داخلها . وخارجها خير دليل على التماسك المادي وضمن قوانين فيزيائية معلومة . ويؤكد الباحثان بان وحدتهما ناتجة عن عوامل مختلفة ، فالأول يقول – بتأثير المخ او أجزاء منه ، والثاني يقول بتوافق مسبق...وكأن ان هناك شراكة بين اثنين لغاية خاصة بهما فقط . وفي حين ان كلاهما يؤكدان بوجود حركة لكل جزء من المادة وفق قوانين طبيعية ، بمعنى ان مفهوم (الروح) هنا تمثل الحركة لأجزاء المادة ....

       والجسد هو المادة بمكوناتها الفيزيائية بذاتها ، وكلاهما يؤكدان ان الجسد مادة لا غير ، ولابد ان نقول :- ان كل من ديكارت ولايبنتز لم يتمكنا من التخلص من تأثير لغة العقل (المنهج المثالي) وكذلك من لغة المنطق (المنهج المادي) وسبب ذلك ناتج من تأثير البيئة الدينية والمذهبية النامي في شخصيتهما منذ الطفولة . ولم يتمكنا من التخلص منها . لأنها عامل مؤسس لشخصية كل منهما ومكون رئيسي لها . الى جانب العامل الاجتماعي والجغرافي المتفاعل في شخصيتهما .

       والعوامل الثلاث لها التأثير المباشر في بناء شخصية أي انسان ومن الصعب التخلص منهما مهما بلغ الفرد من كسب المعرفة العلمية وان تقاطعت معها . ثم نأتي الى الصفحة (158) سطر 3 – 4 والذي جاء بهما :- ومن الصفات التي ذكرها ديكارت عن الله تعالى ، صفة (الصدق الإلهي) . وان الله صادق ولا يكذب ولا يخدع...انه يبرر لاحقا أسباب الصدق وأسباب الكذب . الا انه كفيلسوف لا يجوز له ان يذكر هاتين الكلمتين عن الله تعالى (المعصوم عن كل خطأ) . وانما يدل وكأنه يدافع عن الضعف الثابت في شخصيته كانسان والذي يكون صادقا مع نفسه نسبيا وكاذبا مع غيره نسبيا ، أي وفق ما تحقق مصلحته الذاتية فقط .

       وننتقل الى الصفحة (159) الاسطر 9 الى 12 والذي يقول فيها :-فالله تعالى هو الموجود الذي لا يفتقر الى غير ذاته كلي يوجد...ثم يواصل الكلام وحتى نهاية الاسطر بـ(قد يكون في تفسير قولنا) (غير مفتقر الا الى ذاته) . وهنا الغموض واضح...فقد جاءت هذه العبارات وكأنها اقوال لتزكية شخص غير معروف وجوده الحقيقي وانه بحاجة الى هذه التزكية . وان تعبير لا يرتقي الى ابسط مفاهيم للغة العقل لتقييم كائن ذو كمال (الغير مفتقر لذاته) وكأنها مقارنة مع الانسان الناقص الكمال ويجب تزكيته . وفي ختام الصفحة (117)...وفي السطر الثالث حتى نهاية الخامس :- هناك الغاء غير متعمد لكل ما قدماه الفيلسوفان من ادلة وجود (الله تعالى) منذ الصفحة الأولى للكتاب حتى اخره حينما تقول الخاتمة في وسط السطر الثالث ما نصه :- والانسان لم يتوصل الى ادراك وجوده عند بدء الخليقة وذلك لمحدودية وعيه ولكن بالرغم من عدم ادراكه للوجود الإلهي . الا انه التفت الى الله تعالى...

       والاطروحة معبأة بعبارات مكررة ومملة . وكأن الغاية منها ان تقنع صاحبها يتخلص من الصراع الذي في داخله ، وهو بين الشك واليقين (أي بين فكي رحا حجرية) تدور بدون ارادتها كلما دارت الحجرتين ولا تقدر ان تخرج من المأزق .

       وهذا كان ولا زال ديدن جميع فلاسفة اوربا والذين ظهروا بعد النهضة العلمية والتقدم الذي حصل في الطفرة البيولوجية في دماغ الانسان ، وبدأ ينتزع الفكر المعتمد على التأمل (العقل الباطني) والذي كان منذ نشأته غير قادر (أي الانسان) ان يتحرر من التأثيرات المباشرة للبيئة .

       واضطر للخضوع لها وعبد اصنافا من الظواهر الطبيعية وفي مقدمتها الطوطمية . ولازال هذا المنهج الفكري البدائي قائما في بعض مجاهل افريقيا وحوض نهر الأمازون في أمريكا الجنوبية . وفي بعض من جزر الاوقيانوس – جنوب شرق اسيا وشرق استراليا – وثم عبد الاسلاف ، أي النماذج البشرية المتميزة في القوى والذكاء الفكري وذو مركزية اجتماعية صارمة من بعد مرحلة المشاغبة البدائية...وتناقلتها الأجيال بصيغتها القديمة مع إضافة او حذف بعض من اجزائها لتتماشى مع واقع الفكر الإنساني ، واصبح كل ما حوله من الأشياء المادية والمعنوية معروفة مكوناتها ومدى تأثيرها على الانسان . ورغم ذلك فان تأثيرها لا زال قائما كما ذكرنا أعلاه . وان عبادة (الله) جاءت لعدم قدرة انسان ما بعد تلك المرحلة معرفة ما فوق (أي السماوات) .

       فخضع لعبادة الغيبيات لوجود الهين لا اله واحدة ولا زلنا نحن نقول وتؤمن بذلك .

1- بان الله يسكن في السماوات (وبتسمية اله السماوات والأرض) (اله الخير) .

2- وهناك اله العالم السفلي والذي نعبر عنه باله الشر (الابليس او الشيطان) . كما تسميه الديانات الثلاث – اليهودية والمسيحية والإسلام .

       وان هذا التفسير وكاثر فكري ، ليس الا الامتداد الطبيعي للأساطير الرافدينية منذ عصر سومر واكد وبابل . والذي جاء فيها بان (اله مردوخ كبير الالهة السبع) في قصة الخلق . نازل الالهة (تيامات) الهة المياه المالحة والابسو (العذبة) وقضى عليها بشقها الى نصفين ، ورفع النصف الأول الى الأعلى وتكون منها السماوات والثاني جعله الأرض التي نعيش فيها .

       وأخيرا لابد ان نقول :-

وان اختلفت مع ما جاء في متن الاطروحة الا انني اعتبرها طفرة فكرية ونوعية لدى الأستاذة كرستينا . فاذا زال الخلاف في الحياة العامة والخاصة . توقف الاجتهاد والسعي (أي التطور) . وسلم الحياة خير برهان على ذلك (النمو – التحول – الارتقاء) .

       أتمنى لكِ التواصل المطرد في منهجكِ العلمي والتقدم نحو أطروحة الدكتورا والاستاذية . وانتِ احد رموز المرأة الساعية للارتواء من نهر المعرفة بدون توقف . والف مبروك

المصدر :

1- كتاب ادلة وجود الله بين ديكارت ولايبنتز – كرستينا قيس هادي حيدو / 2014. 

(*) الموناد : او المنادولوجية = جوهر الشيء او كنهه

اتنتقل الى الصفحة الثانية

 

 

للاتصال بالموقع

عبر ايميلات الموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.