اخر الاخبار:
تفجير يستهدف مكتباً لعصائب أهل الحق في النجف - الأربعاء, 21 شباط/فبراير 2024 19:54
مقتل شخص بقصف للطائرات التركية شرق دهوك - الثلاثاء, 20 شباط/فبراير 2024 20:17
كنيسة " مار يوسف " في العمارة تنهض من جديد - الإثنين, 19 شباط/فبراير 2024 19:11
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

مقالات وآراء

يوميات حسين الاعظمي (1100)- في ذكرى وفاته.. يوسف عمر

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

حسين الاعظمي

 

عرض صفحة الكاتب 

يوميات حسين الاعظمي (1100)

 

في ذكرى وفاته... يوسف عمر

 ( 1918 – 1986 )(هامش1)

    يوسف عمر الرجل الذي كرس حياته الغنائية في اداء المقام العراقي، بل كرس كل حياته منذ ان نشأ وهو في اهتمام بالغ بالغناء المقامي ذي الروح والتعبير البغدادي، حيث غنى معظم او جميع المقامات العراقية المتداولة في العراق، كبيرها وصغيرها، وقد اجاد ونجح في جميعها على وجه التقريب، واداها بنضوج فطري ترافقها خبرة طويلة في الممارسة، اضافة الى الموهبة التي يتمتع بها.

     ان المقامات التي غناها يوسف عمر تكشف النقاب عن امكانية مؤثرة في الجماهير، وقد امتاز يوسف بطريقة اداء واسلوب غنائي تعليمي واضح المعالم ودراسي، جاء بالفطرة دون قصد منه. أي ان طريقته الغنائية السهل الممتنع كما يقال في الادب..! ولعل هذه الميزة التي انفرد بها يوسف من اهم اسباب نجاحاته في الاداء وبناء مجده الذي لم يكن يوسف عمر قد حسب له حسابا بالمرة(هامش2).

     بهذه السهولة الادائية كان يوسف عمر قريبا لابسط المستمعين ثقافة، وقد كنتُ شخصياً استعين بالكثير من تسجيلاته خلال تدريسي للمقام العراقي في معهد الدراسات الموسيقية، باعتبارها نموذجا غنائيا واضح المكونات في نفس الوقت..! وقد اعتمد يوسف في اسلوبه هذا على تبيان عناصر المقام العراقي واجزائه في تسلسل واضح وجيد في معظم الاحيان، والسامع يستطيع من اول وهلة ان يتتبع سير او تشخيص محتويات المقام العراقي الذي يسمعه بصوت يوسف عمر. بذلك فقد حصل يوسف على مستمعين من كافة المستويات بمزيد من المتعة، ويمكن تقارب هذا القول في اساليب بعض المشاهير المؤدين الذين حازوا على جزء من صفة السهولة الادائية الذين يبدو حماس الجماهير لهم حماسا صادقاً.

ان هذا الوصف الصريح للاداء المقامي البغدادي، هو من مميزات المقام العراقي كلون تراثي غنائي شامخا بين الالوان الغنائية العربية، وهناك كثير من المتعة والقناعة التي يستطيع فيها يوسف عمر ان يعطيها بتعبيراته العاطفية ذات الجاذبية التي يستمتع بها المستمع.

ويمكن ان يكون هناك اعتراض في ان كل هذا يحدث على الصعيد المحلي، ولكن رغم ان هذا الاعتراض فيه بعضا من صحة القول، الا انه يمكن ان نقول بأن المقام العراقي من خلال مؤديه المشاهير قد تمكن بنجاح مطرد من وضع كيانه الادائي ضمن خارطة الغناء العربي المنتشرة هنا وهناك من مناطقنا العربية بل وحتى خارجها.

قد يتساءل جمهور المقام العراقي عن امكانية ظهور يوسف عمر كمؤدٍ للمقامات بدون القبانجي..!؟ او هل ان يوسف عمر ظهر بأفول نجم محمد القبانجي..!؟ اني اشك في هذا. ان اساليب التذكير المبنية في داخل اداء كل منهما توضح لنا الميزة الفارقة بينهما من خلال ادائهما للمقام العراقي وما يسمعه السامع، ذلك على الرغم من ان كثيرا من فن يوسف عمر وصفاته الادائية وطريقته التي بنى عليها اداءه للمقام العراقي، كان قد استقاها من استاذه القبانجي، الا ان يوسف ليس بسارق افكار او اساليب وطرق  غيره، ليس بسبب اسلوبه الادائي المستقى. وانما لأن السامع يشعر انه يسمع شيئا يختلف عما يسمعه في مقامات محمد القبانجي. على الرغم من وجود كثير من اوجه التشابه في بناء المسار اللحني وتطبيق الاصول المقامية بينهما، الا اننا نلاحظ ان هناك اسبابا اخرى لنجاح يوسف عمر في ادائه، منها فارق الزمن. فالقبانجي برز في العقود الاولى للقرن العشرين، اما يوسف فانه ظهر بعد منتصف هذا القرن. ولا شك ان هذا الفارق الزمني في العصر الحديث يعتبر فارقا زمنيا كبيراً، للتطور السريع المستمر في الزيادة الحاصل لشتى مجالات الحياة. فالتعبير عن روح عصر كل منهما يختلف بطبيعة الحال، مع اضافة ان محمد القبانجي ارستقراطي(هامش3) الطبع في حضوره الادائي بينما يوسف شعبي(هامش4) الطبع في حضوره الادائي. ولعل هذه البساطة في اداء يوسف عمر جعلته ايضاً، قريبا الى اسماع الجماهير بشكل ملفت للنظر.

     من خلال هذه الميزة التي يتمتع بها يوسف عمر في ادائه الذي اطلقنا عليه صفة الشعبية. فانه يعتبر اقرب المؤدين قاطبة من التعبير الادائي للروح البغدادية. واخيراً فان كلاً من محمد القبانجي وتلميذه يوسف عمر يتمتعان ببراعة احترافية جيدة.

من ناحية اخرى فقد امتاز يوسف عمر كما ذكرنا آنفا بالروح المعبرة عن البيئة البغدادية في كل ادائه، وكذلك تميز بنقله للاصول والشروط المقامية من حيث مساراتها اللحنية وتعبيراتها من السابقين الى اللاحقين بكل امانة واتقان، ولم ينقص منها شيئا وكذلك لم يضف إليها جديداً سوى انه عبر عنها باسلوب جمالي فذ استمع اليه الناس المعاصرون. وقد كان امتلاكه(للبحة) الجميلة في صوته التي تأتي ضمن الترديدات المتكسرة في الاداء وتسمى ايضا(البنتاية) أثراً جميلاً خلال ادائه. خاصة في الابوذيات التي تعلمها من الملا نوري النجار هي الاخرى كانت ميزة له. وامتاز يوسف عمر بحفظه المثير للقصائد والزهيريات والابوذيات والاغاني الكثيرة، على الرغم من كونه لم يتعد المرحلة الابتدائية في الدراسة..!

     كذلك امتاز صوته بمساحته الكبيرة التي تتسع لمدى لحني لاكثر من اوكتافين، وعليه فان صوته متكامل بالنسبة للمساحات التي يحتاجها اداء المقام العراقي. وهي بلا شك مساحات واسعة جدا. فنوع صوته هو(التنور)(هامش5).

     بالرغم من كل هذه الميزات الايجابية في صوت واداء يوسف عمر، فاننا لو تطرقنا بالحديث عن صوته كخامة صوتية فاننا سنكتشف انه يحتوي على بعض الثغرات والرضوض عند الاداء، ومن المؤكد ان يوسف عمر كان يدرك هذه الناحية في صوته حسياً، وظلت محاولاته في معالجتها معالجة عن طريق الخبرة فقط، ولذلك نستطيع ان نلاحظ هذه العيوب في بعض من مقاماته مثلاً تكون نهايات المقاطع غير متقنة او ان صوته احيانا يرتفع وينخفض نسبيا داخل الطبقة المغناة دون ان يدرك ذلك، واضافة الى ان احاسيس فنان مثل يوسف تكون متقنة حيث كان جمال صوته وتعبيراته المقامية الاصيلة تعويضا رائعا لهذه العيوب التي يثير بها الجمهور ليخلو مع خيالاته وعواطفه.

اما من حيث الاداء فقد كان يوسف في كثير من مقاماته، كثير التفصيلات والاسهاب، لا يختزل منها شيئا، حتى تتكرر جملة ما عدة مرات، وكذلك يسمح للعازف عندما يحاوره بآلته الموسيقية وقتا اكثر مما يجب على حساب ترابط العلاقات الغنائية والموسيقية مع بعضها لصياغة عمل مقامي كوحدة متكاملة، وخطورة هذا المنحى في الغناء يكمن في احتمال الوقوع في شرك الضعف والركاكة ومن ثم تجزئة الجمل اللحنية في وحدات متفرقة ضمن عملية البناء الفني لغناء المقام العراقي، ولكن والحق يقال ان يوسف عمر رغم مغامرته هذه، فقد نجا من هذا الشرك في كثير من الاحيان، وقد استطاع بخبرته ومقدرته وتجربته الادائية ان ينتشل اداءه المسهب من الضعف، واقرب مثال على ذلك هو اداؤه لمقام النوى الذي اصاب به نجاحا كبيرا رغم الاسهاب والتكرار في لحن ابيات القصيدة، وبالتالي فقد احرز العون من لدن الجماهير المحبة للمقام العراقي، فكان يوسف عمر منذ بداياته ولم يزل يغني مقام النوى الذي اداه بأقصى امكانيته التعبيرية وموهبته وخبرته الادائية بقصيدة ابن المعصومي :

 

    اما الصبوح فانه فرض/
    هذا الصباح بدت بشائره/
    يسقيها من كفه رشأ/
    والكاس اذ تهوي به يده/
    فانهض الى صهباء صافية/
    والليل قد شابت ذوائبه/
    لا تنكروا لهوي على كبر/
    سيان خمرته وريقـــــــــــــــته/
    بات الندامى لا حراك بهم/
    مهلا فليس على الفتى دنس/

فعلام يكحل جفنك الغمض
ولخيله في ليله ركض
لدن القوام مهفهف بض
نجم بجنح الليل منقض

قد كاد يشرب بعضها البعض
وعذاره بالفجر مبيض
فعلىّ من زمن الصبا قرض
كلتاه ماضي عنبيه محض
الا كما يتحرك النبض
في الحب ما لم يدنس العرض

والى حلقة اخرى ان شاء الله.

 

الهوامش

 

هامش:    - هذه المقالة منشورة في جريدة الثورة بعددها 8544 في 21/8/1993 في ذكرى وفاته السابعة.

 

هامش: 2  - جزء من حديث دار بين المؤلف والمرحوم يوسف عمر بهذا الصدد.

 

هامش:3  - ارستقراطي – مفهوم اجتماعي ادبي وطبقي تمتاز به الموسيقى الكلاسيكية.

 

هامش: 4  - شعبي – لانعني جماعة اجتماعية معينة ، بل يشترك المجتمع بكل فئاته وطبقاته بشكل من اشكال التذوق الموسيقي وبدرجات متفاوتة.

هامش: 5  - التنور – الصوت الذي يلي الباص ضمن انواع الاصوات وتمتاز معظم الاصوات الرجالية به وخاصة مؤدي المقامات العراقية حيث يتسع لكل ابعادها.

 

 

 

صورة واحدة / في الباب الخارجية لمعهد الدراسات النغمية العراقي , من اليمين حسين الاعـظمي ويوسف عمر في واحدة من زياراته المتكررة الى المعهد , ومحمد كمر ومحمود حسين وشعوبي ابراهيم 1976

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.