اخر الاخبار:
تفكيك مجموعة اجرامية "خطيرة" في بغداد - الأربعاء, 12 حزيران/يونيو 2024 10:52
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

مقالات وآراء

رواتب للوقاية من التَّسَوُّل!// د. ادم عربي

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

د. ادم عربي

 

عرض صفحة الكاتب 

رواتب للوقاية من التَّسَوُّل!

د. ادم عربي

 

في كلِّ مِنَ القَطَاعِ العَامِّ وَالخَاصِّ، يَخضَعُ الراتِبُ لِنِظامٍ وَمَعَايِيرَ مُحَدَّدَةٍ. لكِن، لِلأَسَفِ، انتَشَرَ الفَسَادُ في هَذَا النِّظَامِ حَتَّى أَصبَحَ جُزءًا مِن مُشكِلَةِ الفَسَادِ الأَوسَعِ نَطاقًا. هُنَاكَ العَديدُ مِنَ المَظاهِرِ لِهَذَا الفَسَادِ فِي نِظَامِ الرُوَاتِبِ بِمُجتَمَعِنَا، وَمِنْ أَبْرَزِهَا ظَاهِرَةُ الوَظَائِفِ الَّتِي لَا تَتَطَلَّبُ أَدَاءً أَيِّ عَمَلٍ فَعْلِيٍّ. تَتَجَلَّى الاعتِبَارَاتُ غَيْرِ المِهْنِيَّةُ، الَّتِي تُعَدُّ إهَانَةً لِلمِهْنَةِ، فِي العَدِيدِ مِنْ قَرَارَاتِ التَوْظِيفِ وَالتَّشْغِيلِ فِي مُجتَمَعِنَا الشَّرْقِيِّ، بَعِيدًا عَنِ النِّظَامِ الرَأْسَمَالِيِّ. قَدْ يُخْلَقُ مَنْصِبٌ لِمَوْظَفٍ تَمَّ تَوْظِيفُهُ عَبْرَ وَاسِطَةٍ أَوْ بِسَبَبِ انتِمَاءٍ مَعِينٍ يَعْكِسُ ضُعْفَ الانتِمَاءِ الوَطَنِيِّ، وَهَذَا المَنْصِبُ قَدْ لَا يَكُونُ ضَرُورِيًّا لِلمُؤَسَّسَةِ، أَوْ قَدْ يُكَلَّفُ بِمُهَامٍ تَحْتَاجُهَا المُؤَسَّسَةُ بِالفِعْلِ، لَكِنَّهُ لَا يَمْتَلِكُ الكِفَاءَةَ أَوِ الأَهْلِيَّةَ اللازِمَةَ لِأَدَائِهَا.

 

هذا النوع من الموظفين، بَعْضُهُم يُؤَدِّي عَمَلًا غَيْرَ ضَرُورِيٍّ لِلْمُؤَسَّسَةِ، وَبَعْضُهُم الآخَرُ غَيْرُ مُؤَهَّلٍ لِأَدَاءِ الْعَمَلِ الضَّرُورِيِّ، وَمَعَ ذَلِكَ يَتَقَاضَوْنَ رُوَاتِبَ قَدْ تَكُونُ مَرْتَفِعَةً. انْتِشَارُ هذِهِ الظَّاهِرَةِ، ظَاهِرَةُ الْوَظَائِفِ بِلَا أَعْمَالِ، يُؤَدِّي إلَى زِيَادَةِ عَدَدِ الْعَاطِلِينَ عَنِ الْعَمَلِ فِي الْمُجْتَمَعِ، وَغَالِبِيَّةُ هَؤُلَاءِ الْعَاطِلِينَ هُم مِنْ ذُوي الْكَفَاءَاتِ. بِتَحْرِيفٍ طَفِيفٍ لِقَوْلِ شَهِيرٍ لِآيِنْشْتَايِنْ، أَقُولُ: هُنَاكَ شَيْئَيْنِ لَا حُدُودَ لَهُمَا، الْكَوْنُ وَغَبَاءُ نِظَامِ التَّوْظِيفِ لَدَيْنَا؛ وَمَعَ ذَلِكَ، لَسْتُ مُتَأَكِّدًا بِشَأْنِ الْكَوْنِ.

 

إنّهم ثَلاثَةُ جَيوش: الجَيْشُ الأَوَّلُ هو جَيْشُ الوَظائِفِ بِلا أَعْمالٍ، والجَيْشُ الثانِي هو جَيْشُ العاطِلِينَ عَنِ العَمَلِ، أمّا الجَيْشُ الثالِثُ فهو الجَيْشُ النَّظامِيُّ مِنَ المَوَظَفِينَ الذِي تَتَضَرَّرَتْ رُواتِبُهُم مِن تَنَامِي الجَيْشِ الثانِي. ومِنْ أَوْجَهِ الفَسَادِ ذاتِهِ، تَدَهُّورُ المَعَايِيرِ والقِيَمِ الإنسَانِيَّةِ والحَضَارِيَّةِ فِي الرَاتِبِ حَتَّى أَصْبَحَتْ أَنسَنَةَ الرَاتِبِ وَرَفْعَ مُسْتَوَى الآدَمِيَّةِ فِيهِ، هُوَ المَطْلَبُ الأَوَّلُ والأَهَمُ مِن مَطَالِبِ الإصْلَاحِ الإدَارِيِّ الذِي يَعْتَمِدُ أَسَاسًا عَلَى إصْلَاحِ نِظَامِ الرُّواتِبِ فِي مُجْتَمَعِنَا.

 

لَقَدْ تَدْهَوَرَ نِظَامُ الرُّوَاتِبِ لِدَرَجَةٍ أَنَّ الرُّوَاتِبَ بِشَكْلٍ عَامٍ (بِاِسْتِثْنَاءِ الرُّوَاتِبِ الَّتِي يَتَقَاضَاهَا أَعْضَاءُ الْأَرِسْتِقْرَاطِيَّةِ الْإِدَارِيَّةِ فِي مُؤَسَّسَاتِ الْقَطَاعِينَ الْعَامِ وَالْخَاصِ) بَاتَتْ بَعِيدَةً كُلَّ الْبُعْدِ عَنْ مَفْهُومِ الرَّاتِبِ أَوْ الْمُعَاشِ الْحَقِيقِيِّ، وَأَقْرَبَ إِلَى مُسَاعَدَةٍ مَالِيَّةٍ لِلْوَقَايَةِ مِنْ التَّسُّوُلِ، تَكْفِي الْمَوَظَّفِينَ (غَالِبِيَّةِ الْمَوَظَّفِينَ) لِتَجْنُبِ مَدْ أَيْدِيهِمْ لِلْمُحْسِنِينَ، وَتَجْنُبِ مَا يُشَبِّهُ الْمَوْتَ بِمَعَانِيهِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَالْأَخْلَاقِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالْحَضَارِيَّةِ.

 

إنّ فَلاَسَفَةَ نَظَامِ الرُّوَاتِبِ لَدَيْنَا يَتَجَاهَلُونَ حَقِيقَةَ أَنَّ الرَّاتِبَ، بِقُدْرَتِهِ عَلَى تَلْبِيَةِ احْتِيَاجَاتِ الإِنْسَانِ فِي هَذَا العَصْرِ، هُوَ الْحِمَايَةُ الَّتِي تَضْمَنُ لِلإِنْسَانِ كَرَامَتَهُ الإِنْسَانِيَّةَ وَالأَخْلاَقِيَّةَ، مِثْلَ الشَّوْكِ الَّذِي يَحْمِي الْوَرْدَةَ بِأَوْرَاقِهَا الرَّقِيقَةِ. فَإِذَا أُفْقِرَ الإِنْسَانُ مَادِيًّا (اقْتِصَادِيًّا)، فَلَنْ يَتَمَكَّنُ مِنَ الصُّمُودِ طَوِيلاً فِي مُوَاجَهَةِ مَخَاطِرِ الْفَقْرِ الرُّوحِيِّ وَالأَخْلاَقِيِّ. هَؤُلاَءِ الفَلاَسِفَةَ يَخْدَمُونَ مَصَالِحَ الَّذِينَ يَسْتَفِيدُونَ مِنَ الْفَقْرِ الْمَادِيِّ لِلْمَوْظَفِ (عَبْرَ نَظَامِ الرُّوَاتِبِ الَّذِي يُحْرِصُونَ عَلَى الْحِفَاظِ عَلَيْهِ)، وَلاَ يُمِيزُونَ بَيْنَ خِدْمَةِ الْمَوْظَفِ لِلْمُؤَسَّسَةِ وَتَحْوِيلِ الْمَوْظَفِ نَفْسَهُ إِلَى خَادِمٍ لِصَاحِبِهَا. وَكَأَنَّ غَايَتَهُمْ أَنْ يُثْبِتُوا بِأَفْعَالِهِمْ أَنَّ الْمَوْظَفَ هُوَ الإِنْسَانُ الْأَرْخَصُ فِي الْمُجْتَمَعِ. وَلَقَدْ صَدَقَ جُونَ وِلْيَامْزَ عِنْدَمَا قَالَ: مَا فَائِدَةُ الدُّنْيَا الْوَاسِعَةِ إِذَا كَانَ حَذَاؤُكَ ضَيِّقًا؟

رُوَاتِبُ الْمَوْظَفِينَ غَالِبًا مَا تَكُونُ أَقَلَّ مِنَ الْقِيَمِةِ الْمِهْنِيَّةِ الَّتِي يَسْتَحِقُّونَهَا، حَيْثُ يُقَدِّمُ الْمَوْظَفُ بِخِبْرَتِهِ وَكِفَاءَتِهِ الْمِهْنِيَّةِ أَكْثَرَ بِكَثِيرٍ مِمَّا يَتَلَقَّى كَرَاتِبَ مِنَ الْمُؤَسَّسَةِ. كَمَا أَنَّ هَذِهِ الرُّوَاتِبَ تَقِلُّ عَنِ الْحَدِّ الْأَدْنَى لِلْحَقُوقِ الإِنْسَانِيَّةِ، فَهِيَ بِالْكَادِ تَكْفِي لِاِسْتِئْجَارِ شَقَّةٍ. فَكَيْفَ يُمْكِنُ لِلْمَوْظَفِ أَنْ يَتَزَوَّجَ وَيُؤَسِّسَ أُسْرَةً فِي مُجْتَمَعٍ مَثَقَّلٍ بِالأَعْبَاءِ الْمَالِيَّةِ الْمُرْتَبِطَةِ بِتَقَالِيدِ وَعَادَاتِ الزَّوَاجِ؟

 

وَكَيْفَ يُمْكِنُ لَهُ أَنْ يَشْعُرَ بِالانْتِمَاءِ وَيَنْمُوَ فِيهِ هَذَا الإِحْسَاسُ فِكْرًا وَشَعُورًا وَمُمَارَسَةً، بَيْنَمَا يَرَى أَنَّ الشَّيْخَ يُنْفِقُ مِنَ الْمَالِ لِإِطْعَامِ كَلْبِهِ وَالْعَنَايَةِ بِهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَتَقَاضَاهُ مُعْظَمُ الْمَوَظَفِينَ كَرَوَاتِبِ؟ كَانَ كَالِينْ هَايْتَارُو مُحَقَّاً عِنْدَمَا تَسَاءَلَ بِدَهْشَةٍ وَاسْتِغْرَابٍ: لِمَاذَا لَا يُوجَدُ فِي الإِنْسَانِ مَا يَكْفِي مِنَ الإِنْسَانِيَّةِ؟

 

يُقال إنَّ المُواطِن يجبُ أن يَسْأَل نَفْسَه ماذا قَدَّم لِلدَوْلَة قَبْلَ أن يَسْأَل ماذا قَدَّمَت الدَوْلَة لَه. هذه العبارة لا تَتَّفِق معَ منطق المواطنة؛ فالدَوْلَة تُعطي المواطن وتُساعده، ثُمَّ يحق لَها أن تَسْأَل المُواطن عَمَّا قَدَّمَه لَها. فالأب لا يسأل ابنَه ماذا قَدَّم لَه إلا بَعْدَ أن يُعْطِيه وينميه حَتَّى يَصْبَح قادرًا عَلى العَطاء.

 

قَلِيلٌ مِنَ الْمُوَظَّفِينَ الْمُخْتَارِينَ، الَّذِينَ يَنْتَمُونَ إلَى نَفْسِ الْفِئَةِ الاجْتِمَاعِيَّةِ، كَشَعْبِ اللَّهِ الْمُخْتَارِ، هُم مِنْ يَتَمَتَّعُونَ بِامْتِيَازَاتِ الرَّاتِبِ السَّمَاوِيِّ وَفَارِقٍ كَبِيرٍ بَيْنَ رُوَاتِبِهِمْ وَمُتَوَسِّطِ رُوَاتِبِ الْمُؤَسَّسَةِ، بَالْإِضَافَةِ إلَى امْتِيَازَاتٍ أُخْرَى. وَعَنْ هَؤُلَاءِ الْمُخْتَارِينَ أَقُولُ: لَمْ أَرَ شَخْصًا أَكْثَرَ سُفَاسَةً مِنَ الَّذِينَ يَحْفُرُونَ أَسْمَائَهُمْ عَلَى الصُّخُورِ لِيُخَلِّدُوا ذِكْرَاهُمْ.

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.