اخر الاخبار:
سقوط مدني ضحية بقصف جوي تركي شمال دهوك - الخميس, 18 تموز/يوليو 2024 09:01
قصف بطائرة مسيرة يستهدف قرية في السليمانية - الأربعاء, 17 تموز/يوليو 2024 08:48
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

مقالات وآراء

الاعتقال الأخير ومحاكمات الشهيد حسين الشيخ محمد الشبيبي (صارم)- (2)// محمد علي الشبيبي

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

محمد علي الشبيبي

 

عرض صفحة الكاتب 

الاعتقال الأخير ومحاكمات الشهيد حسين الشيخ محمد الشبيبي (صارم)- (2)

محمد علي الشبيبي

 

 

سجن الكوت 1948. الواقفون من اليمين: الأول عضو المكتب السياسي الشهيد حسين محمد الشبيبي (صارم) والثالث عضو المكتب السياسي الشهيد الخالد زكي محمد  بسيم (حازم) والثامن مؤسس الحزب الشيوعي الشهيد الخالد يوسف سلمان يوسف (فهد)

 

ملاحظة: هذه المقالة هي جزء مقتطف من مشروع كتابة أولية تتناول حياة الشهيد حسين الشيخ محمد الشبيبي (صارم). آمل ان أتمكن من انجازه والتحقق والتوثيق مما أجمعه. مما دفعني للإنكباب على هذا العمل هو كثرة الاخطاء والتناقضات في بعض ما ينشر من معلومات -أحيانا حتى في صحافة الحزب- تتناول حياة ونشاط قادة الحزب دون التحقق من صحتها، بما في ذلك حياة الشهيد. لذلك حاولت قدر الامكان الاعتماد على ما توفر لدي من مصادر، لتوثيق المعلومات وخاصة تواريخ الاحداث. وإن وجدت اختلاف في المصادر، حينها اعتمد على المعلومة التي ذكرها أكثر من مصدر بما فيها مخطوطات شقيق الشهيد والدي -علي محمد الشبيبيي- واختيار ما هو أكثر واقعية ومنطقية. وسأكون ممتنا وشاكرا لكل من يرسل تنبيها أو تصحيحا موثقا لتجاوز ما هو خطأ، كذلك أوجه شكري مقدما لكل من يرسل لي (وأخص هنا رفاق الشهيد في قيادة الحزب الشيوعي العراقي)  وثيقة أو كراسا وإن كان مصورا يخص الشهيد صارم مثل (في الجبهة الوطنية، الاستقلال والسيادة الوطنية، الجبهة الوطنية الموحدة طريقنا وواجبنا التاريخي، أحاديث عن الأدب، وغيرها من كتابات نشرت في الصحافة -القاعدة، الشرارة، مجلة المجلة، الأساس .. وغيرها) لكي استفاد منها في كتابتي.

 

المحاكمة الثانية:

كانت بعد اعتقال الشهيد فهد ورفاقه يوم 18-01-1947. خلال فترة الاعتقال مورس أبشع أنواع التعذيب معهم، فكانت الزنزانات ضيقة ورطبة وبلا تهوية[32]، ومعتمة الى درجة فقد فيها المعتقلون الاحساس بالنهار والليل، ومنعوا من الزيارات وحتى من الاطلاع على الصحف. أمضى الشهيد فهد ورفاقه في المعتقل خمسة اشهر في ظروف سيئة وغير إنسانية، فأعلن ورفاقه في 13 حزيران 1946 الاضراب عن الطعام بسبب المعاملة السيئة والظروف القاسية والغير إنسانية في المعتقل. وبعد ثمانية أيام من الاضراب عن الطعام، أصبحوا منهكين وشبه أشباح وتدهورت صحتهم، حينها أحيلوا جميعهم (يوسف سلمان يوسف -فهد-، زكي محمد بسيم -حازم-، وحسين الشبيبي -صارم- و إبراهيم ناجي وآخرين -12 مناضلا-) الى المحكمة الكبرى بتاريخ 22-06-1947[33]. والسبب في إعادة تقديم الشهيد حسين للمحكمة في نفس قضية الشهيد فهد بالرغم من أنه كان محكوما بسنتين في قضية الاحتجاج والتظاهر لمنع الاجتماع الخطابي في قاعة الفارابي، هو عثور التحقيقات الجنائية في بيت إبراهيم ناجي على سجل مدون فيه أسماء أعضاء حزب التحرر الوطني، كان مخفيا في خزان الماء. واعتبرت التحقيقات الجنائية أن وجود السجل في بيت إبراهيم ناجي مع سكرتير الحزب الشيوعي العراقي هو دليل على أن الأسماء في السجل هي لأعضاء في الحزب الشيوعي. وفي المحكمة دافع الشهيد حسين عن موقفه وتمسك بإصرار على أنه رئيس الهيئة المؤسسة لحزب التحرر الوطني وهو حزب مستقل بقراراته وسياسته ولا يخضع لأي جهة سياسية إلا للمصلحة الوطنية، ونفى التهم التي وجهت إليه باعتباره وجها علنيا للحزب الشيوعي العراقي[34]. وأكد في المحكمة أن نشاطاته ذات طابع وطني تتطابق ومنهاج الحزب الذي نشره في الصحافة العلنية، و قدمه الى وزارة الداخلية من أجل إجازته، وإن طلب الإجازة لم يرفض قانونيا، ما يسمح للحزب قانونيا في مواصلة نشاطاته العلنية. وان جميع النشاطات التي ساهم بها حزب التحرر الوطني سلمية، وهي نشاطات أما وطنية أو أنها ذات طابع قومي هدفها الدفاع عن القضية الفلسطينية وفضح المؤامرات وأساليب الاستعمار من خلال لجنة التحقيق (الأنكلو- مريكية)[35] التي كان من أهم أهدافها تبرير الهجرة اليهودية وإعطائها صفة شرعية وإيجاد مبرر مشروع لتأسيس وطن قومي لليهود، وقد ساهم حزب التحرر الوطني مع بقية الاحزاب والمنظمات الوطنية بالتظاهرات الاحتجاجية ضد لجنة التحقيق ونواياها المشبوهة.

وأصدرت المحكمة الكبرى في 23-06-1947 حكمها بالإعدام على القادة الابطال فهد وزكي بسيم وكذلك ابراهيم ناجي، وبالحبس بالأشغال الشاقة لأربع سنوات[36] على حسين الشبيبي -إضافة لمحكوميته السابقة -سنتين- بسبب اجتماع الفارابي الآنف الذكر-، وحكمت على آخرين (13 مناضلا) بالحبس لمدد مختلفة.

المحاكمة الثالثة:

بعد اعتقال قادة الحزب (فهد وحازم وصارم) قررت قيادة الحزب تكليف مالك سيف ليكون المسؤول الأول في إدارة وقيادة شؤون الحزب خارج السجن، وذلك بإشراف وتوجيه القيادة من داخل السجن. لكن مالك سيف عندما اعتقل بتاريخ 12-10-1948[38] خيّب آمال قادته ورفاقه فانهار متطوعا بدون أية ضغوط، وتمادى بنذالة في خيانته للأمانة الحزبية وانحداره الى الحضيض في اعترافاته وسلوكه، وتعاونه الغير محدود مع التحقيقات الجنائية، ومن ثم مع جميع الأجهزة الأمنية الى أقصى حد وفي كل الأزمنة -ملكية أو جمهورية-[39]، وكشف أسرار الحزب الشيوعي وبيوته السرية ومطبعته! وهكذا نجحت التحقيقات الجنائية بتوجيه ضربة قاسية للحزب تركت اثرها الكبير على الحزب لحين من الزمن. تعددت فيه القيادات، وتعرض أعضاء الحزب الى الملاحقات والمحاكم والفصل والسجون، وكللها النظام الملكي بإعدام قادته الميامين (فهد، حازم، صارم) وكذلك يهودا صديق وساسون دلال.

ولا يخفى ما سببته خيانة مالك سيف من إرباك في عمل الحزب، فوجدت السلطات الرجعية الحاكمة فرصتها للتخلص من قادة الحزب. فسحبت قادة الحزب فهد وزكي بسيم وحسين الشبيبي من سجن الكوت في أواخر تشرين الثاني 1948 للتحقيق معهم وإعادة محاكمتهم، حيث ذكر شقيق الشهيد في "ذكريات التنوير والمكابدة" ما يلي: (بعد أيام جاءت إليّ من أبي رسالة مؤرخة في 3/12/1948 فيها، ان كل ما علمته عن أخيك، أنه سحب هو وأثنين من رفاقه من سجن الكوت ولا يعلم أحد إلى أين!)[40]، لكن سالم عبيد النعمان يذكر ان قادة الحزب تم سحبهم يوم 21-12-1948[41]، ولا أجد في هذا الاختلاف أية أهمية، ولكن اعتقد أن ما ثبته والدي -شقيق الشهيد- هو الأصح، فليس من المعقول أن التحقيقات الجنائية تنتظر 40 يوما من اعتراف مالك سيف بتاريخ 10-11-1948 -حسب ما مثبت في الموسوعة صفحة 12- ، لكي تسحب قادة الحزب لإعادة التحقيق ومحاكمتهم.

تجاوز السلطات الملكية للقانون وذلك بإعادة التحقيق وتقديم قادة الحزب الى المحكمة مجددا في قضايا سبق وصدر عليهم فيها حكما، لهو دليل على أن السلطات الملكية كانت مصممة على التخلص من قادة الحزب بأي ثمن كان وبأية ذريعة كانت. ففي 10 شباط 1949 اقتيدوا الى المحاكمة بتهمة الاستمرار في قيادة الحزب الشيوعي من داخل السجن استنادا الى الرسائل التي كان يبعثها فهد من السجن الى المسؤول الاول -مالك سيف- التي عثر على واحدة منها في جيب بنطلون يهودا صديق، اضافة لاعترافات مالك سيف وآخرون. وهكذا وأمام محكمة عسكرية شبه ميدانية، وجهت الى القادة الثلاث تهمة قيادة الحزب من داخل السجن، وحكم عليهم بالإعدام شنقا حتى الموت في 10 شباط 1949[42]. ولم يذاع الخبر رسميا إلا بعد تنفيذ الحكم بالأبطال الميامين، حيث تم اعدام فهد فجر 14 شباط في ساحة المتحف الوطني الحالية، واعدم في نفس اليوم وفي ساحة باب الشرقي زكي بسيم -لا كما ذكر عزيز سباهي في مؤلفه "عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي" في صفحة 407/408-، وفي اليوم التالي -15 شباط- اعدم حسين الشبيبي في باب المعظم.

 ويذكر محمد علي شقيق الشهيد الأصغر، حيث أقام ليلة إعدامه في بيت رفاق مطلاً على ساحة باب المعظم، وسمعه وهو يتقدم بخطى متزنة نحو المشنقة، ينشد مطلع قصيدة أستاذه الجواهري:

أتعلم أم أنت لا تعلم

 

 

بأن جراح الضحايا فم

 

ولما اعتلى المشنقة قال ما معناه:

من المناسبة الطيبة ان منصة الإعدام نصبت لي في ذات المكان الذي كنت أثير منه المظاهرات الوطنية![43]. بهذه البطولة والتضحية من أجل عراق حر وشعب سعيد انتهت حياة الابطال الميامين.

محمد علي الشبيبي

السويد في 05 تموز 2024

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

المحاكمة الثانية:

[33]- حنا بطاطو /العراق/الكتاب الثاني/الطبعة العربية الأولى، صفحة 195و 196.

[34]- عزيز سباهي. عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، الجزء الأول، الطبعة الأولى. صفحة 318 .

[35]- اليوم وبعد هذه العقود، أصبح واضحا أن حزب التحرر الوطني وعصبة مكافحة الصهيونية، تأسسا بمبادرة رائدة من سكرتير الحزب الشيوعي العراقي الشهيد الخالد فهد، وكان مشرفا على عملهما ونشاطهما. و كانا الوجه العلني والقانوني لتحركات ونشاطات الحزب الشيوعي، وإن هذا التكتيك الذي مارسه الحزب الشيوعي اضطرته الظروف الموضوعية للبلد للجوء إليه بسبب تجريم الفكر الشيوعي. ولكن في فترة اعتقال قادة الحزب واعترافات الخائن مالك سيف وخلال محاكمات القادة ولسنوات قليلة، أصرت قيادة الحزب في نفي علاقتها وإشرافها على حزب التحرر الوطني وعصبة مكافحة الصهيونية، وكان الهدف من هذا النفي هو حماية أعضاء حزب التحرر والعصبة من أية ملاحقة قانونية. حتى أن الشهيد حسين الشبيبي نفى أية علاقة تنظيمية له بالحزب الشيوعي، وكان هذا الموقف بالاتفاق بين قادة الحزب (فهد، زكي بسيم وحسين الشبيبي) ، وتم تثبيت هذا الموقف في التحقيقات وفي المحاكمات وحتى في أدبيات الحزب وصحافته الى حين.

[36]- لجنة تم تشكيلها باتفاق امريكي بريطاني، عدد أعضاءها 12 مناصفة، تم تشكيلها في 13-11-1945 كان الهدف الظاهري "التشاور مع عرب ويهود لهم صفة تمثيلية بشأن مشاكل فلسطين" لإصدار توصيات بشأن الوضع في فلسطين. بينما كان الهدف الخفي من تشكيلها "تفحّص مسألة يهود أوروبا، وتبرير هجرة 100 الف يهودي أوربي الى فلسطين، وهي الدعوة التي وجهها الرئيس الامريكي هاري ترومان لهجرة اليهود الى فلسطين ... مراجعة المسألة الفلسطينية في ضوء عمل اللجنة" وصدر تقريرها في 20 نيسان/ أبريل 1946، و كان من بين التوصيات النهائية للجنة، إصدار تصاريح هجرة لـ 100,000 يهودي إلى فلسطين، بما يلبي مطلباً صهيونياً ويدفع في اتجاه تمكين الصهيونيين من تأمين أغلبية في البلد. وأوصى التقرير كذلك بألّا تكون الهجرة اليهودية إلى فلسطين مرتبطة بموافقة العرب، وبأن يتمّ إلغاء جميع القوانين التي تحدّ من بيع الأراضي العربية إلى اليهود.

[37]- حنا بطاطو /العراق/الكتاب الثاني/الطبعة العربية الأولى، صفحة 198/199. بينما عزيز سباهي في "عقود من تاريخ الحزب لشيوعي العراقي" يذكر أن الحكم صدر بتاريخ 24 حزيران 1947.

المحاكمة الثالثة:

[38]- موسوعة سرية خاصة بالحزب الشيوعي العراقي السري /الجزء الاول والثاني والثالث/ دار النهضة العربية للطباعة والنشر والتوزيع. صفحة 5. كذلك، العراق/الكتاب الثاني/الطبعة العربية الأولى، حنا بطاطو، صفحة. صفحة 225.

[39]-  نعم تمادى الخائن مالك سيف في تعاونه القذر مع التحقيقات الجنائية -ولاحقا مع الأجهزة الأمنية- الى أبعد الحدود، حتى أصبح شبه مستشارا أو موظفا فيها براتب، وهذا السلوك القذر رافقه طوال حياته وفي ظل كل الحكومات (ملكية وجمهورية، وحتى في ظل حكومات البعث). وأتذكر يوم كنت معتقلا في كربلاء بمقر الحرس القومي -المكتبة العامة- عام 1963، جاءنا المعلم البعثي كاظم الفرطوسي  وهو يحمل احدى صحف الانقلابيين وفيها مقال لمالك سيف يحذر فيها البعث -بعد ثلاثة أشهر من الانقلاب-  من عودة الشيوعيين الى بناء تنظيماتهم ومزاولة نشاطهم مجددا! فأي حقد دفين هذا! وكانت مقالته تتسم بالحقد والتشجيع على سفك دماء الشيوعيين، وواصل حقده في نشر الاكاذيب ومحاولاته في التشويه والطعن بأخلاق الشيوعيين! وللأسف أن المؤرخ حنا بطاطو في كتابه "العراق" أعتمد أحيانا على بعض ما أفاده به مالك سيف، دون التوقف ومناقشة ما ذكره الخائن ودوافعه في تشويه الحقائق، وهكذا وجدته مع كثير من الاشخاص الذين أعتمدهم كمصدر!

[40]- ذكريات التنوير والمكابدة/الرائد علي محمد الشبيبي/ تحقيق ومراجعة محمد علي الشبيبي. دار المدى، الطبعة الثانية سنة 2021،  موضوعة "مرحبا بالعيد" صفحة 460.

[41]- سالم عبيد النعمان/الحزب الشيوعي العراقي بقيادة فهد/دار المدى، الطبعة الاولى 2007. صفحة 290.

[42]- العراق/الكتاب الثاني/الطبعة العربية الأولى، حنا بطاطو، صفحة. صفحة 226.

[43]- ذكريات التنوير والمكابدة/الرائد علي محمد الشبيبي/ تحقيق ومراجعة محمد علي الشبيبي. دار المدى، الطبعة الثانية سنة 2021،  موضوعة "عذاب ولكنه هين!" صفحة 478.

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.