اخر الاخبار:
وساطات ترميم "حزب الدعوة" العراقي لم تنجح - الأحد, 23 أيلول/سبتمبر 2018 10:24
بارزاني يكشف نتائج مباحثاته مع الصدر - الأحد, 23 أيلول/سبتمبر 2018 10:22
15 داعشيا كويتيا محاصرون في إدلب - السبت, 22 أيلول/سبتمبر 2018 18:45
رئيس البرلمان العراقي يصل إلى أربيل - السبت, 22 أيلول/سبتمبر 2018 18:35
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

مقالات وآراء

ثرثرة في الحب (9) – أصبح الصبح// د. سمير محمد أيوب

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

د. سمير محمد أيوب

 

عرض صفحة للكاتب

ثرثرة في الحب (9) – أصبح الصبح

عشوائيات فكرية للتأمل

د. سمير محمد أيوب

 

...... وجاء من يعلن أنَّ ركنَ الطعام بات جاهزا لإستقبالنا. عبَرْنا ردهةَ البيت برفقة مُضيفِنا، إلى حيث تنتظرنا مُضيفتُنا، في صالةٍ فسيحةٍ للطعام، مُزدانةٍ بجلدٍ لتمساح وآخر لأفعى ضخمة. والعديدِ من اللوحات الزيتية للعديد من الأنشطة الفلكلورية السودانية.

 

مع إبتساماتها العذبة، وإلتماعات عينيها، قالت مُضيفتُنا: حاوَلتُ أن أحصر أصناف العشاء الليلة، بما يتميز به المطبخ  السوداني. سماته التنوع الثري المستوحى من بيئته وثقافته، المتداخلة مع الثقافات المجاورة. ولعل أبرز ما يميزه كما تلاحظون، هو إعتماد الكثير من وجباته على اللحوم. كالعصيدة، والويكة، مَلاَّحُ التقلية المصنوع من اللحم المجفف، الذي يعرف بـالشرموط أو القديد. بالإضافة إلى اللحوم المشوية. والخبز المعجون بالسمسم.

 

وما أن دلفنا صالة شرقية للجلوس بعد العشاء، وقع بصري على  لوحة كبيرة تتصدر القاعة. تَسمَّرتُ أمامها. إنْحنَيْتُ احتراما لِمَن فيها. وإلْتَفَتُّ هاتفا بفرح موجوع: إني أعرفُهُما يا صديقي. إنهما الشهيدان الشفيع أحمد الشيخ وعبد الخالق محجوب. القائدان العماليان البارزان، مثقفان لامعان من أنصار الفقراء والمحرومين في السودان.

 

لَمحتُ ضبابَ دمعةٍ في عيني الشاعر وهو يقول لي: صدَقْتَ. هما من أبرز من وقفوا بثباتٍ ورباطة جأش، بوجه الجلاد جعفر النميري وأعوانه. وفي واحدةٍ من أكبر غَيْبوبات العدالة في السودان، قام النميري إثر محاكماتٍ صُوَرِيَّة بربرية، باعدامهم وآخرين شنقا، في سجن كوبر، مساء يوم الإثنين 28/7/1971.

 

قلتُ وشريط تنفيذ الإعدام أمام ناظريَّ: يا صديقي ذاك واقع محزن أذكر تفاصيله. أبهرني الكثيرون مِمَّن سَعوا بإخلاص لتغييرة. وأذكر منهم قامتين كبيرتين لا تُخطِؤُهُما عَينٌ ولا أذن. إنبريا بشجاعةٍ للغناءٍ للوطن والحرية والقيم الفاضلة. عَمِلا معا لتحقيقِ الغاياتِ النبيلة للناس، ومواكبة ظروفهم. هما الشاعر الكبير محمد الفيتوري والصرح الموسيقي المطرب محمد الوردي، اللذان ألهبا السودان برائعتهما: أصبَحَ الصُّبْحُ.

 

قال شاعرنا: نعم، عندما أُجْبِرَ الرئيسُ السابق إبراهيم عبود على التنازل عن السلطة، تَغَنَّيا الفيتوري بكلماته، والوردي بصوته الشجي القوي: "أصبح الصبح فلا السجن ولا السجان باقِ يا بلادي". تركت هذه الأنشودة أثرا كبيرا جداً في الشعب، منذ تلك الفترة وحتى الآن.

 

تَمَنيتُ عليه أن يُسْمِعَنا، شيئا من تلك الرائعة. إبتسم وهو يقول: ومن ينسى يا صديقي تلك الأيقونة، وهي مِلءُ سمعِ كلِّ حُرٍّ في الوطن العربي. فَلَمْ تَعُدْ تَقْتَصِرُ على السودان وحده:

 

أصبحَ الصبحُ، ولا السجنُ ولا السجانُ باقٍ.  أصبحَ الصبحُ، وها نحن مع النورِ إلتقينا.

 

إلتقى جيلُ البطولاتِ، بجيل التضحيات. إلتقى كلُ شهيدٍ قَهَرَ الظلمَ ومات،  بشهيدٍ لم يزل يبذر في الأرض بذورَ الذكريات. أبداً ما هنت يا سوداننا يوماً علينا، بالذي أصبح شمساً في يدينا، وغناءً عاطراً تعدو به الريحُ، فتختالُ الهوينى، فرحةٌ نابعةٌ من كل قلبٍ يا بلادي.

 

وأشارت مضيفتنا إلى صورة أخرى بنفس الحجم، معلقة على يمينها، وهو تقول بفخر جوابا على إستفسار صديقتنا العراقية: هذه النسوة سودانياتٌ من تلاميذ هؤلاء الشهداء. يقدمن بسعادةٍ حُليِّهِنَّ وذَهَبهن لأهل غزة العزة. وهن يطالبن زعماء وملوك وشيوخ وجنرالات العرب بالتنحي، لأنهم يجسلون على كراسيَ صُنِعَت من عظام أطفال فلسطين.

 

توقفنا أمام صورة ثالثة، على يسار صورة الشهداء تقول: الصمغُ العربيُّ - ثروةٌ أهلها فقراء. قال صديقنا الجراح، وزوجته الطبيبة تشير إلى عنوان اللوحة، مندهشون مما نرى، ولا نفهم العنوان. أدرك مُضيفانا الحيرة التي نحن فيها، فقالت الشاعرة:  الصمغ العربي كما تعلمون، مُنتجٌ نباتي آمن جدا. السودان هو المصدر الأكبر له في العالم. طبَّقَتْ شهرتُه الآفاق. وإستخدمه ملايين البشر منذ القدم، لأغراض غذائية وطبية مختلفة. وساهمت هجمات 11 سبتمبر في إبرازه في دائرة الضؤ. إثرها نشأت أسطورة في الغرب، تفيد بأن أسامة بن لادن، هو المسيطِرُ الفعلي علي تجارة الصمغ في العالم. ونادي بعض تجار الحروب في اوروبا وأمريكا، بمقاطعة الصمغ العربي.

 

هنا إستأذن الشاعر زوجَتَه، في أن يشرح لنا باقي المشهد في الصورة التي امامنا، فقال: هذا هو السفير السوداني في الولايات المتحدة، في مؤتمر صحفي عقده في واشنطن، يوم 30 أيار 2007 ، مُهدِّدا بحرمان الغرب من الصمغ العربي، إذا ما إستمر فرضُ العقوبات على السودان. وقد ظهر السفير أثناء الموتمر، محاطاً بمنتجات الكوكاكولا وغيرها من المشروبات الغازية، التي تعتمد بشكل كلي على الصمغ العربي في تصنيعها، وقال وهو يشير إلى ما يحيط من مشروبات: يمكننا إيقاف تصدير الصمغ، وساعتها ستفقدون هذه المنتجات.

 

ضحكنا مستحسنين ما تفضل به السفير. فنحن أمام حالاتٍ رائعة من الحب. يتم تجسيدها بأشكال نبيلة، حُبُّ الوطن، حُبُّ الأمة، وحُبُّ العمل. ما أن أخذنا مواقعنا فوق طنافس المجلس، فرحين بأيحاءات تلك اللوحات الجميلة, حتى قدَّمَتْ لنا مُضيفتنا أطباق الحلوى، المصنوعة من الفستق السوداني والسمسم، التي إعتادت مصر والسودان، على تقديمها إحتفالا بالمولد النبوى كل عام، أبرزها السمسمية، والفولية، والحمصية، والملبن.

 

ونحن نتاول كاسات الكركدية الساخن، قالت مُضيفتنا: أريد ان أضيف لما كنتُ أتحدث به قبل العشاء، عن زوجي: أننا لإنجاح شراكتنا هذه، مارسنا كلَّ طقوسِ القلوب السليمة. تجاوزنا جغرافيات المشاكل وتاريخيَّتها. ودون أن ندفع الكثير من الأثمان الغالية، أبقينا قلوبَنا صابرةً كقلبِ كلِّ أمِّ شهيد.

 

وأضاف زوجها الشاعر مكملا، وهو يرسي ذراعه على كتفيها: نحن مؤمنان، بأن الحبَّ المُتْقَنَ، إشراقٌ ذاتيٌّ وتَوَهُّجٌ له ضجيج ونسائم. يؤتي أكله في كل معارج الحياة. ويعيد بذكاء ناضج وصبر متفهم، ترتيب الأشياء وترميمها وإعادة تشكيلها.

 

أضفت لأختم سهرتنا، إستعدادا للعودة: الحب ايها السيدات والسادة، جادّةٌ بإتجاهين. فيها إهتمام وإحترام وإحتواء وأمان وتضحية. إنْ أحسنتُم الإختيار، ليس الحب بمعصية. لِتحسنوا تجمَّلوا له. إفرحوا به. تثاقفوا في ثناياه. وإسهروا معه وله. إن لَمْ تَجدوا كلَّ هذا في مَنْ تُحِبون، فلا داعيَ للتعمق في العلاقة أكثر، ورفعها إلى معارج الحب. فليس كلُّ مَنْ أُعجِبَ بك قد أحبك. لَعلَّها مرتبة من مراتب الصداقة الجميلة هي الأخرى، ولكنَّها على نمطِ الحُبْ.

 

ألأردن – 16/8/2018

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.