اخر الاخبار:
هل للمسيحيين مستقبل في الشرق الأوسط؟ - الخميس, 15 تشرين2/نوفمبر 2018 11:00
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

مقالات وآراء

لماذا تصر شركة النفط الوطنية على حق الاقتراض من خارج العراق؟// صائب خليل

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

صائب خليل

 

عرض صفحة الكاتب

لماذا تصر شركة النفط الوطنية على حق الاقتراض من خارج العراق؟

صائب خليل

13 تشرين الأول 2018

 

في قانون شركة النفط الوطنية العراقية الكثير من الألغام التي وضع بعضها مكشوفاً والآخر مخفياً بدقة، واليوم نتحدث عن واحد يبدو لي انه لم يتم الحديث عنه سابقا، وهي النقطة التي تتيح للشركة الاقتراض من الخارج!

لكن قبل الدخول الى تلك النقطة نوضح لمن لم يقرأ عن ذلك القانون ان اخطر ما فيه أنه يعرض ثروة العراق الى الحجز من قبل المؤسسات المالية، لأنه يحول ملكية النفط العراقي الى ملكية شركة، وبالتالي يمكن اثارة الشكوك في المحاكم فيما اذا كانت تلك الملكية تتمتع بالسيادة التي تمنح للثروات الوطنية دون غيرها. وقد تمت مناقشة هذه النقطة كثيرا في مقالات منفصلة.

اكثر ما اثار الشبهة في القانون كان اخفاءه عن عيون الخبراء حتى اقراره، والطريقة التي تم الضغط على مجلس النواب فيها من خلال لوبي لم يسبق للمجلس معرفة مثله، وكذلك توقيت إصداره في نهاية الفصل التشريعي تماما، وسرعة توقعيه المثيرة للدهشة وإخفائه طوال فترة مناقشته عن اعين خبراء النفط ومتابعيه.

وقد ساعد على إخفاء القانون عن عيون المراقبين حيلة بارعة فلم يقدموه كقانون جديد، بل قاموا باستعمال مقترح القانون الذي قدمته الوزارة، وإجراء تغييرات حاسمة عليه قلبت كل عمله ووضعته بإطار آخر تماما. وطبيعي ان المتابعين لا يستطيعون متابعة ما يجري من تغييرات على القوانين المقترحة داخل البرلمان الا بعد عرضها للتصويت، فمر دون ان ينتبه احد الى التغيير الذي قلب نص القانون الوارد من الوزارة، وادخل مواداً غريبة وغير مألوفة فيه.

 

حين عرفوا بالأمر، قام خبراء النفط العراقيين والناشطين المتابعين لمسألة النفط بحملة بما يستطيعون لتنبيه الناس إلى ما يحاك من مؤامرة كبرى على ثروة البلاد، وقد اطلق جرس الإنذار السيد أحمد موسى جياد، الذي كشف في دراسة عاجلة الاخطار التي تواجه النفط بسبب القانون. لكن الاكتشاف المتأخر أعطى فرصة للمجموعة بقيادة عادل عبد المهدي وعدنان الجنابي وإبراهيم بحر العلوم، وبمشاركة وزير النفط جبار لعيبي، إضافة إلى لوبي غريب مكون من الشباب وضعت بين يديه الكثير من الأدوات الإعلامية والمالية، وله صلاحية دخول الخضراء ومجلس النواب، لتمرير القانون قبل ان ينهي المجلس دورته تماماً. وقد تم تمرير الصيغة الخطرة بعد التحضير لها بين والنواب وقياداتهم وتم الاتصال حتى ببعض الشخصيات الدينية للحصول على دعمها، وهذا بحد ذاته يدل على الطبيعة الاحتيالية للقانون، فهم يعلمون ان رجال الدين بعيدين عن النفط وأنه قد يكفي ان تقول "إعطاء حصة من النفط للشعب" ليعطوك دعمهم بلا تمحيص.

 

ومما يثير الشكوك بشكل كبير، ان وزارة النفط التي قدمت المسودة الاصلية لم تعترض ابداً على تغيير تلك المسودة بشكل قلبها رأساً على عقب، بل سارع وزير النفط الى مباركة القانون عندما صوت عليه المجلس بالإيجاب، وكأنه ذات القانون الذي اقترحته وزارته! مما يدل على القصدية في إخفاء حقيقة القانون حتى اخر لحظة قبل اقراره. فيتم ارسال قانون معقول من الوزارة، لا يثير اية شكوك، ثم تقوم لجنة الطاقة في مجلس النواب وبتأثير عدنان الجنابي (الذي حصل على تكريم من مركز بحوث اجنبي مشبوه على عمله) بتغييره تماما وارساله للتصويت، إلى نواب معظمهم لا يقرأون ولا يستشيرون قبل ان يصوتوا.

وحاول خبراء النفط اللحاق بالقانون الخطير قبل ان يوقعه رئيس الجمهورية، فاتصلوا بالمكتب، لكن الرئيس قام بتوقيع القانون خلال ساعات من وصوله! الا يفترض بالرئيس دراسة أي قانون بشكل جيد قبل توقيعه؟ كيف يوقع قانونا معقدا وخطيرا كهذا في نفس يوم وصوله اليه، وهو لا يعرف شيئا عن النفط؟ متى استشار احد ومتى توصل الى رأيه؟ لماذا اذن اشترط الدستور موافقة رئيس الجمهورية ان كان الرئيس يوقع قانونا مثل هذا فور وصوله، وكأن تعليمات قد وصلت بالموافقة عليه، قبل ان يلحقه أحد!

 

قام الخبراء والناشطون المتابعون (وكاتب المقالة منهم) بكتابة عدد كبير من المقالات تكشف الخطر الكامن في قانون شركة النفط الوطنية رغم تمريره، واشتبكوا أحيانا مع فريق عبد المهدي والجنابي وبحر العلوم والمجموعة الغريبة التي تتبعهم. لقد كتب كثيرا عن نقاط الخلل والخطر في القانون، واليوم نكتشف لغماً آخر ربما يكون حلقة الوصل فيما يراد من القضية كلها. وهو صلاحية الشركة لاقتراض الأموال من الخارج (بموافقة مجلس الوزراء). فتنص الفقرة رابعاً من المادة 5 على:

 

"رابعا- للشركة الاقتراض من أي جهة داخل وخارج العراق لتمويل استثماراتها بموافقة مجلس الوزراء."

 

وهنا يثار السؤال: لماذا الاقتراض من الخارج؟ ألا يفترض ان تكون الشركة على الأقل مثل الوزارات، ترتبط بميزانية الدولة السنوية وتأخذ حصتها منها، وفي حالة الحاجة تتداول مع مجلس الوزراء لترتيب الأموال، أما من جانب اخر ان كانت ضرورية، أو ان يقترض لها العراق القرض بنفسه إن كان هذا الاستثمار قضية حياة أو موت لا يمكن تأجيلها؟

وهنا قد يسأل سائل: وما الفرق بين ان يقترض مجلس الوزراء بنفسه او ان يوافق على أن تقترض الشركة لحسابها؟

حينما نبه الأستاذ أحمد موسى جياد في تحذيره الأول الى خطر حجز أموال الشركة وبالتالي أموال العراق - لأن القانون العجيب يضع ثروة النفط كملكية للشركة – وان هذا يفقد تلك الأموال حصانتها التي تتمتع بها الأموال الوطنية، قام عادل عبد المهدي بالرد عليه بان "خبيراً أجنبيا" (لم يذكر اسمه) اخبره ان الأموال لا تفقد حصانتها بهذا الشكل. وأضاف عبد المهدي من عنده بأن امتلاك الدولة للأموال قد يعرضها أحيانا للحجز أيضا. وقمت بكتابة مقالة مفصلة حول موضوع الأموال السيادية وخطر الحجز، بينت فيها وبالرجوع الى المصادر، بان خطر الحجز في افضل الأحوال، "يزداد" حين تكون الأموال لشركة من الشركات، وان تلك الشركات تحاول في معظم القضايا القضائية اثبات عائديتها للدولة للإفلات من الحجز، مما يفند النقطة الثانية من حجة عبد المهدي. كذلك بينت أن الشركات قد تجد صعوبة في اثبات عائديتها الى الدولة كلما كانت الشركة أكثر استقلالاً في قراراتها. وفي بعض نقاط القانون ما يجعل الشركة ليس فقط مستقلة وإنما "نداً" للدولة، يجب ان تفاوضه الأخيرة لتحصل على "نسبتها" من ثروة النفط من اجل الميزانية! إضافة إلى ذلك فأن القانون يضع الشركة فوق الدولة بأن يضع حداً ادنى لحصة الشركة لا تستطيع الدولة تجاوزه، بينما لا يوجد حد ادنى للدولة من حصة النفط، لا يمكن تجاوزه!  (من عجائب القانون أن هذا الحد الزامي على كل من الدولة والشركة ذاتها. فحتى لو طلبت الدولة 91% من ثروة النفط فأن القانون يمنع ذلك، حتى لو وافقت الشركة ايضاً!!).

نعود الى النقطة رابعاً أعلاه. ما هي المشكلة فيها ان كان القرض لا يتم الا بموافقة مجلس الوزراء؟

أولاً المادة تزيد من درجة "استقلال" الشركة وبالتالي يضعف قدرتها على الرجوع الى الحصانة السيادية التي يكفلها القانون للأموال السيادية للدول عند الحاجة. لكن المشكلة الأكبر هي ان ذلك القرض سيعتبر قرضاً للشركة وليس للدولة، وكونه قد حصل بموافقة مجلس الوزراء لا يعني شيئاً. وهذا سيزيد من قدرة المقرضين على الاستفادة من قوانين التجارة العالمية بحق استعادة قرضهم من "الشركة"، حتى لو كان الامر عن طريق حجز أموالها. وبما ان النفط العراقي مسجل على أنه من أموالها حسب قانونها، فمن الطبيعي ان يتم ذلك الحجز!

وفي هذا الوضع الذي تمكن البنك الدولي فيه من اغراق العراق بالديون بفضل رئيس الحكومة المعين أمريكيا حيدر العبادي، فان الضغط المادي على العراق يصبح اسهل بكثير. فيمكن لرئيس الشركة (والذي كما توقعنا، سيكون على ما يبدو نفس الوزير الذي هلل للقانون) ان يطلب قروضا كبيرة يعجز عنها مجلس الوزراء. وبما ان رئيس المجلس هو من نفس العصابة التي روجت للقانون، ويبدو انه سيحصل على صلاحيات غير معتادة لاختيار وزرائه، فسوف لن يكون صعبا ابداً الحصول على تلك الموافقة. وهكذا يسقط العراق في الفخ!

ما الحل؟ الشركة ستدعي انها محرجة وانها لا تجد حلا لفك الحجز عن أموالها التي هي أموال العراق، سوى ان تعرض نفسها للبيع! وهكذا تكتمل الخطة التي وضع القانون من اجلها وتختتم بالنهاية السعيدة للشركات، والمأساوية لأجيال العراق، ويعود النفط الذي هو ملك للشعب العراقي حسب الدستور، إلى "أصحابه الأصليين" – شركات النفط الكبرى، التي اشتكت من القانون رقم 80 بأنه "قانون جائر"، ليردد عبد المهدي بعد ذلك التاريخ بحوالي 60 عاماً نفس العبارة بالضبط، ويتحدث عن "القوانين الجائرة" التي أصدرت في العراق في نهاية الخمسينات وبداية الستينات – أي قوانين عبد الكريم قاسم.

 

هذا التماهي الغريب في التعابير بين عبد المهدي والشركات النفطية، يثير الانتباه، خاصة ان ربطناه بتبنيه لقانون شركة النفط الوطنية كعراب اول. فمن يتأمل هذا القانون، كمية الألغام التي زرعت به، يشعر ان من كتبه هو الشركات وليس لجنة الطاقة في مجلس النواب، وبالتأكيد لا علاقة للوزارة به. وأنه كتب بدقة ليذهب بالأحداث الى النتيجة المرجوة تماما، وأن يكون الشعب عاجزاً في لحظة الحسم عن ابداء أية مقاومة.

إن علاقة عبد المهدي بالبنك الدولي اكثر حميمية من الآخرين وهو يعبر عن ذلك بلا تردد في مقابلاته. ونلاحظ انه رغم أن العراق قد حصل على فائض كبير لتغطية عجز الميزانية وربما إعادة بعض القروض الى البنك، فان عبد المهدي سارع إلى مقابلة وفد البنك وبحث معه "الدعم" للمشاريع والخطط المستقبلية.

ورغم ان شرور البنك الدولي معروفة تماما، فكلنا شاهدنا "القاتل الاقتصادي" فإننا ندعم ذلك بكشف اهتمام الصندوق بالنفط، حيث كتبت شريهان اشرف في مقالة عام 2015: "في عام 2005 عندما وقع صندوق النقد مع العراق اتفاقية توفير التسهيلات المالية، كان ‏هناك بند صغير في هذه الاتفاقية عن ضرورة إنهاء العراق تمرير قانون النفط مع نهاية عام ‏‏2006، ولا شك أن هذا الشرط لا صلة له بالقرض الموعود، ولكنه يخدم شركات النفط".

وقد تمكن العراق من إعادة القرض بسرعة، ويبدو ان هذا افشل الخطة الف، وان الجماعة اليوم بصدد الخطة باء.

وإضافة الى الصندوق، لم تخف مجموعة " تقرير مستقبل العراق" اهتمامها الشديد بالنفط وقانون النفط وضرورة الاستفادة من الاقتصاد العراقي لدعم "صديقنا" الأردن.

 

المؤامرة كبيرة جداً وخطيرة جداً وتتقدم بخطى حثيثة، ولا يستبعد ان حشر عبد المهدي في رئاسة الحكومة بحجج سخيفة ورغم معارضة الدستور لها، قد كان تأمينا لاستكمالها. إلا ان بصيص الأمل يبعثه رجال النفط والناشطون الذين فضحوا المشروع بدأً بالأستاذ أحمد موسى جياد ثم "انهمرت". وكان قيام الاستاذين فؤاد الأمير وماجد علاوي، وبمساندة من الأستاذ جياد، بإقامة دعوى على مجلس النواب للطعن في دستورية القانون، خطوة في غاية الأهمية، وتحملا كلفتها الباهظة ورفضا حتى الآن اية مساعدة.

إني ارجو ان تكون النقطة المذكورة في المقالة، عن "حق" الشركة بالاقتراض الخارجي، نقطة إضافية في اقناع المحكمة بخطورة القانون على البلد، وأن يهتم الناس بالموضوع كما يستحق وأن يفعلوا ما يستطيعون من اجل افشال المشروع كما فشلت مشاريع مدمرة أخرى لتدمير وتقسيم البلد كمشروع داعش ومشروع الحرس الوطني والحرب الاهلية. فهنا ايضاً يكمن الخطر على مستقبلهم ومستقبل أطفالهم، رغم انه يجري بصمت وهدوء. إن ادركنا خطورة الامر، سنرى ان لا مبالغة بالقول بأن أمل الشعب العراقي اليوم معلق على تضحية وبسالة بضعة رجال وعلى نتيجة الدعوى التي اقاموها! ليفكر كل منا بما يمتلك من أدوات وعلاقات ووقت ونشاط لدعمهم لكي نتجنب الكارثة. أعطوا الوقت واقرأوا عن الموضوع أكثر وانشروه ليكون فضيحة بحجم الخطر. أعينوهم بما استطعتم قبل فوات الأوان!

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.