اخر الاخبار:
انفجار جديد قرب كنيسة بسريلانكا - الإثنين, 22 نيسان/أبريل 2019 19:57
مصدر حكومي: قرار واشنطن يحرج بغداد - الإثنين, 22 نيسان/أبريل 2019 19:54
وفد أمريكي يزور بلدة القوش التأريخية - الإثنين, 22 نيسان/أبريل 2019 10:20
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

مقالات وآراء

ثرثرة في الحب (25): فزاعةُ الوضع الإجتماعي// د. سمير محمد أيوب

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

د. سمير محمد أيوب

 

عرض صفحة الكاتب

ثرثرة في الحب (25): فزاعةُ الوضع الإجتماعي

د. سمير محمد أيوب

 

صديقة لأختي، حقوقية وسيدة أعمال. مع ظهر الأمس هاتفتني للتشاور في قضية اجتماعية حساسة. رافقتني ظهر اليوم مرحبة، من بهو المبنى الآنيق، الى مكتبها في الطابق الأرضي فيه. جلسنا بتلقائية متقابلين، على مقاعد وثيرة من الجلد البني الطبيعي.

 

ابتسمت وهي تقدم لي بنفسها أوَّل فناجيل القهوة. وما أن عادت إلى مقعدها قالت: أظنك بشوق لتسمع حكايتي. وافقتها بايماءة من رأسي وأنا أردد: نعم يا سيدتي، فأنا معك تماما على الهواء. فقالت: قبل أن أسترسل أود أن أفتتح الحكاية بسؤال: هل بات الحبُّ سرابا واهِما وتيهأ صادما، لججه مثقلة بتجارب رجراجة، تتأرجح بأصحابها، بين أحلام لا تكتمل ووقائع لا تحتمل؟!

 

تساءَلتُ بعجبٍ مشوب بإستنكار مهذَّبٍ : كيفْ ؟

قالت: في بواكير ما قد مضى من عمري، تخرجتُ حقوقيةً من أعرق جامعات بريطانيا. بنفوذِ والدي تم تعييني مُدَرسة في الجامعة. بالإجتهاد الصابر تدرَّجتُ، حتى إرتقيتُ سلَّم الأستاذية. منذ ربع قرن إلتقيته أكثر من مرة. فقد كنتُ المستشارةَ القانونية، لمنظومة إستثماراته. كان ثريا ودودا مُطَلَّقا، واولاده الثلاث مع طليقته. ما زال وسيما كسارية علَم. في حينها، كنتُ ما أزال عزباء، بقلبٍ لم يكُن قد إستفاق بعد، مِنْ غدْرٍ سابق. بعد عشاءِ عملٍ جماعيٍّ في مكاتب الشركة، حدَّثني ونحن نحتسي قهوتنا، متجاورين في ركن قصي، من أركان قاعة الإجتماعات الواسعة، عن ظروفه الإجتماعية. ما أن إنتهى من إحتساء قهوته، وضع فنجاله جانبا وإلتفت مباشرة إليَّ، وهو يمد إليَّ راحة يده اليمنى، باشرني بسؤالٍ مبتسمٍ: أتقبلينَ بيَ زوجا؟ لم أفاجَئ كثيرا بطلبه. لم أتردد طويلا. مددتُ يدِيَ أليمنى وأنَختُ ببطئ متعمد، راحتَها في راحتِه. وابتسمتُ بصمتٍ باح له بموافقتي. 

 

بعد شهرٍ إمتد دهرا، تجاوزنا بالتفهم حُزَما من عقبات إجتماعية. إستَقلْت بعدها من عملي الجامعي. وتمَّ تطويبي مديرةً تنفيذية لمجموعتة الإستثمارية في الاردن. تزوجنا في حفل صغير بالغ البساطة. وسافرنا في رحلة عسل وعمل، إلى ماليزيا. وبعد إسبوع عُدْنا على عجل، لمعالجة متاعبَ طارئةٍ في السوق المالي في عمان. ومن هنا بدأتْ رحلةُ الألف ميل في قلب السراب.

قلتُ مُتعجبا مُتعجلا : كيف ؟

 

قالت وهي تضع ساقا على ساق: منذ عدنا من رحلة السراب، لا يكف عن محاولة الظهور بمظهر الحياة الإجتماعية الطبيعية. ولكنه في مضاميرها، كان يتذكر انوثتي كل موسم، ببعض أناقة العشاق. أتعرَّضُ وفي حياضها لإقتحاماتٍ جسدية، تحاصر مشاعري بما يصح وبما لا يصح من فانتازيا، تورثني في النهاية حملاً يُخفي ما يدور في قيعان وسراب علاقتنا، التي تزداد فقرا في حين يراها بمعاييره المجتمعية، ضرورة رخيصة ومريحة.

 

واضافت وبخار دمع في العين: مع تتدفق أوجاع قضم المزيد من المشترك، تقوَّض كلُّ  أمل في حلٍّ بيننا. وبات الوضع بعبثيته مأساويا. يشبه فقاعة تتجدد، في ظل فزاعة كان يطلق عليها "وضعنا الاجتماعي" . وهو ما أدركه المتدخلون، من خلال الممارسات العلنية أو المسرَّبة. ومن لم يكن من الوسطاء، قد تعرف على الأسباب الحقيقية بيننا، عمل لأجل تدخلات تكسب الوقت بالخداع، وتبقي العلاقة على قيد الحياة، حتى الإنفجار المقبل، حلول تنزع صفة الصبر عني، وصفة التقصير عنه.

 

لقد أصبح زواجنا، بما أدريه وبما لا يريد الإعتراف به، بين فكَّي كماشة، باحة رمادية خلفية معزولة، محاصرة بحب مفقود. ودهاليز التعايش مع الظلم وتبعات العذاب ووهم الصبر.

 

قلت بعد أن طلبت المزيد من القهوة: يكمن في الزواج يا سيدتي، رهانات متوالدة، لا يمكن توقعها. ويقع فيه تحولات، لا يمكن التنبؤ بنتائجها هي الأخرى. محكومة كلها بوقائع متفلتة باستمرار، تحاول التمدد، بذكاء أو بغباء، كافٍ للبناء او للهدم.

 

بعد الليلة الأولى لزواجكما، تراجعتْ رِهاناتُكِ قبلها، وإنحسرت تطلعاتك بعدها. لتقليص أضرار التبعات، تسللتِ بحذر نحو أصدافك. وفي ظلِّ عنادِ الكرامةِ وسطوةِ المال، لم يُشذِّب زوجُك  فردانيته. ولم يهذِّب نواقصَه. فاستبد وعظم دور المال ونشَّطَه في الثنايا الحميمة بينكما.

 

إذا كان ما قلتُه صحيحا، فإن محور الأبالسةُ بينكما، كان هو المستفيد الأوحد. عبثت وساوسُهم بمخاوفِ كلٍّ منكما وظنونه. وأسقطت الرهان على المشترك، لصالح الإرتطام وكسر الإرادات، تمهيدا لتوليفِ نصرٍ، ولَو بالنقاط أو الضربة القاضية.

سألَتْ بحزنٍ مُتأفِّفٍ : ما العملُ إذن يا شيخنا ؟

 

 قلت مهدِّئا من روعها: الممر الإجباريُّ في العمل، هو تبريد الإرتطامات وتحييدها. تمهيدا لتخارج وديٍّ يراعي ظروف واحتياجات كلٍّ منكما. دون نسيان بأنَّ في لجج هذا التخارج وهوامشه، أولاد لم يتزوجوا بعد، وأحفاد كثرٌ قادمون، وأنسباء في الأفق، وأقرباء وأصدقاء ومصالح مادية وإجتماعية متربصة في كل مكان. تحاصر هوامش المناورة والمراوغة بينكما.

 

تأوَّهَت باكيةً تندُبُ حظَّها. أشعلتُ لها لفافة تِبغها، وناولتُها آخر فناجيل قهوتنا، وأنا أقول: لم يُخلقِ الزواج يا سيدتي لمعالجة عقول الناس، بل لمراعاة نقائصِهم. لا شيء فيه يحدث عَبثا. داخلَ كلِّ قَدَرٍ من أقدارِنا سِرٌّ، يُمهِّدُ الطريقَ لِقدَرٍ آخر.

 

ثقي يا سيدتي، أن لا سعادة بلا مقابل. فآهٍ من وجعٍ لا يُحكى، في قلبِ الكثيرين منا.

 

الأردن – 16/1/2019

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.