اخر الاخبار:
اطلاق نار على سياح في الأردن - السبت, 24 آب/أغسطس 2019 10:32
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

مقالات وآراء

يوميات حسين الاعـظمي (146)

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

حسين الاعـظمي

 

عرض صفحة الكاتب

يوميات حسين الاعـظمي (146)

 

 (يمكن لجميع الاخوة والاصدقاء مناقشة الموضوع والتعليق او التعقيب عليه)

 

رؤية منير العصرية / جزء 12

      في مرة من المرات من مطلع عقد الثمانينات من القرن العشرين، واعتقد في عام 1982 او ربما عام 1983، لا اتذكر بالضبط. حيث كنت وقتها معيدا في معهدي الذي تخرجت منه اولا على دورتي الطلابية الرابعة، وحديث عهد بالتدريس في المعهد (معهد الدراسات النغمية العراقي) (هامش1)، وفي هذه الفترة يكون قد مضى على مجمل عملي مع استاذي الراحل منير بشير في دائرتنا الاثيرة (دائرة الفنون الموسيقية) زمنا قارب العشر سنوات، استطعت خلالها تفهم الكثير من افكاره واهوائه وتطلعاته وذوقه وادارته واهدافه الفنية المستقبلية..! على كل حال، زارنا مرة الى المعهد بصورة مفاجئة في المساء، الموسيقار الراحل منير بشير المدير العام لدائرة الفنون الموسيقية، التي يتبع لها المعهد اداريا. في واحدة من جولاته المفاجئة، ليطلع على سير الدراسة في المعهد. وبقي حتى نهاية الدوام الرسمي الذي ينتهي عند الثامنة مساءً، بل تعدى ذلك..! حيث طلب من الهيئة الادارية للمعهد والكادر التدريسي البقاء بعد الدوام الرسمي لعقد اجتماع طارئ لبحث بعض شؤون المعهد الادارية والفنية وسير مجمل اعمال المعهد، خاصة وان الامتحانات النهائية قريبة وان العام الدراسي على وشك الانتهاء..! 

 

       بالنسبة لي فقد اعتذرت من استاذنا المدير العام منير بشير بعدم حضوري لهذا الاجتماع، والسماح لي بالمغادرة الى البيت، معللا ذلك بعدم امتلاكي سيارة، ولا اريد ان اتاخر في الليل..! فرد عليّ مباشرة ان ابقى في الاجتماع متبرعا بايصالي الى البيت بسيارته الخاصة الرسمية التي جاء بها الى المعهد بعد انقضاء الاجتماع..! وهكذا اسقط في يدي..! ولم استطع التمسك بطلبي وبقيت الى نهاية الاجتماع.

 

       في مطلع السبعينات من القرن العشرين، كان موقع المعهد في حي الوزيرية من بغداد. وهو لايبعد كثيرا عن بيتي، فانا اسكن في مدينة الاعظمية، واعتقد ان منطقة الوزيرية تابعة جغرافيا الى مدينة الاعظمية وربما حتى الان..! وكان بيت الاستاذ منير بشير في حي العامرية او قريبا منه. فطريق عودته يمكن ان تكون مرورا بالاعظمية ثم يعبر جسر الائمة الى مدينة الكاظمية ليستمر في طريقه الى البيت..!

 

      على كل حال، خرجت مع الاستاذ منير بشير بسيارته ونحن نتوجه الى مدينة الاعظمية، وكنا نتحدث بامور شتى، وخلال تعدد الاحاديث، طرحت على استاذي منير بشير موضوعا فوجئ به تماما ، حيث قلت له وهو منصتا لِما اقول.

-    استاذ منير، انا الان امتلك بيتا صغيرا في الاعظمية. وتزوجت عام 1979 كما تعلم. وساشتري سيارة على قدر ما استطيع قريبا، وعندي ما يجعلني اعيش بصورة اعتيادية والحمد لله. كل ذلك بفضل موسيقى وغناء المقام العراقي.

 

-    شيء جيد وهذا يفرحني يا حسين، فانت انسان جيد وتستحق الخير.

 

-    ولكن يا استاذي الحبيب، انا الان اشعر بالندم الكبير جدا على كل نقد استلمته من خلال عملي في غناء المقام العراقي بالحفلات، واتمنى الان من كل اعماقي لو بقيت على حالتي السابقة، مغنيا هاويا بكل معنى الكلمة، واعيش بصورة طبيعية براتبي الوظيفي الذي قدّره لي العلي القدير.

فوجئ الاستاذ منير بشير بطرحي الغريب هذا، واهتم كثيرا باسترسالي للكلام، ولكنه اردف قائلا.

-    لماذا تفكر هكذا الان. وما هي التجربة التي دعتك الى هذا القول..؟

-    لان حصولي على بعض احلامي المادية والفنية بهذه الطريقة الاستهلاكية في العمل، دمّرت الكثير من احلامي الابداعية التي كنت افكر واحلم بانجازها حسب تطلعاتي الفتية. بحيث امسى تفكيري الان يميل الى الاسترخاء والترهل في الاحلام والطموحات الفنية..! بيت وزوجة وابناء وعيشة راضية، ماذا اريد اكثر من هذا وانا ما زلت في مقتبل العمر..! أوليس هذا من شانه ان يوقف الكثير من طموحاتي التي كنت احلم بتحقيقها في شان التطور الفني والفكري والعلمي وما شابه ذلك..!

    التفت اليَّ الاستاذ منير بشير وهو يقود سيارته بنفسه، وعقب قائلا.

-    انك الان اصبحت فنانا حقيقيا يا حسين..! انك الان بدات تتفهم ما كنت اريده منكم في فرقة التراث منذ البداية، في التفكير والاسلوب والتعامل والعمل الفني الذي تمارسوه. امامك المستقبل وعليك ان تكون فنانا تربويا لجيلك الفني، وانا مسرور الان كثيرا جدا بطرحك هذا، واشعر بان تعبي معكم لم يذهب سدى..!

 

وصلنا الى مركز مدينة الاعظمية حيث بيتي هناك يطل مباشرة على نهر دجلة الخالد، وبمناسبة شجون الحديث، الامر الذي ادى الى إلحاحي على استاذي منير بشير ان يشرفني بالنزول معي الى البيت لقضاء بعض الوقت في الشرفة المطلة على النهر والهواء العليل، حيث كنا في اجواء الربيع والعام الدراسي يوشك على النهاية.

 

     وهكذا قضيت وقتا جميلا مع استاذي الحبيب منير بشير في شرفة بيتي المطل على نهر دجلة الخالد، وان يكن وقتا قصيرا نسبيا، ولكنه وقتا من اجمل الاوقات، ثم غادر عائدا الى بيته مكتفيا بتناول بعض المشروبات الغازية ومعتذرا عن تناول العشاء، وهو في حالة من الارتياح مما سمعه مني من حديث واراء فنية. وهكذا تكون هذه اللحظات من اللحظات الخالدة وهو يشرفني بدخوله الى بيتي للمرة الاولى والوحيدة التي لم تكرر ولن تعود ابدا.

 

 

هوامش

1 – هامش1 : كنتُ احد طلاب الدورة الرابعة ، وعليه تخرجت في العام الدراسي (1979 - 1980) فكان العام التدريسي الاول بالنسبة لي في (1980 - 1981) اذا ما علمنا ان الدراسة في المعهد ست سنوات .

 

اضغط على الرابط

https://www.youtube.com/watch?v=p0v3Q74GeiI

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.