اخر الاخبار:
العراق يؤسس هيأة لتصنيع المعدات الحربية - الإثنين, 23 أيلول/سبتمبر 2019 19:42
هجوم مسلح في أربيل واصابة حماية مقر تركماني - الإثنين, 23 أيلول/سبتمبر 2019 19:38
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

مقالات وآراء

ثرثرات في الحب- الثرثرة 46: رَحَلَ أيلولٌ رِجِعْ أيلول// د. سمير محمد ايوب

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

د. سمير محمد ايوب

 

عرض صفحة الكاتب

ثرثرات في الحب- الثرثرة 46: رَحَلَ أيلولٌ رِجِعْ أيلول

الدكتور سمير محمد ايوب

 

كلُّ ما في أيلول، إشراقاتُ الذهبِ في وَرَقِه، شَمسُه المُبْهِجة، غَيْمُهُ المُوشَّى بالطَّلَل، نسائِمُه المُتَسَلِّلَةِ من أعالي الجليلِ والكرملِ وجبلِ الشيخ، يُعَزِّزُ حُضورُ مُفرَداتِها.

 

فذاتَ أيلولٍ هَبَطَتْ يوسفيَّةُ الجمال، دون أن يُنْصِفَها الزمنُ كثيراً. أيوبيةُ الصبرِ، ما قَصَّرَتِ الأوجاعُ غير المُدجَّنَةِ مَعَها، أماتَتْ جِراحاً وأحيَتْ جِراحا. كَنَبِيُّ اللهِ إبراهيم عليه السلام، سكنَ حُزنُ الحيرةِ وَميضاً في كبرياءِ عَينيها. رِضاها دامِعٌ كرِضا رسول الله عيسى بن البتولِ عليهِما السلام، صادقةٌ أمينةٌ واثقةٌ، كنبيُّ الله محمد علية الصلاة والسلام. وذاتَ أيلولٍ جاءت سارِيَةً على أرصفتِه، أكثرَ أُنوثةٍ وجُرأةٍ مما تُبْدي، فاقِدَةً للدهشةِ لا يَنْتابُها إستغراب. جُلُّها عناوينُ مُؤتَلِفَةٌ عَصِيَةٌ على الفَهْم. يُداهِمُكَ عِطرُها الفوَّاحُ مِن حيثُ لا تَحتَسِبْ. تَحارُ تَخالَهُ ياسميناً مَغربِياً، أو ورداً دِمَشقياً. وتَخالَهُ دَحنوناً أردنياً، أو تَمْرِحِنَّةٍ مصري. أو خلطةً سحريةً مِن عَبَقِ بُرتقالِ فلسطين، الموشى بالبخور اليماني. 

 

جاءَتْ تَستَحِقُّ أن تُشرعَ لها أبوابُ العُقولِ والقلوب .

جاءَتْ وقد خابَ الكثيرُ من تَوَقُّعاتِ كِبرياءِها. لَمْ تبحث عن طبيبٍ نَفْسيٍ، ولَمْ تَلعَن.

جاءَتْ وكُنتُ أحسَبُها بَرْقاً بِلا رَعْدٍ ، وأحياناً كانَ رعدها مُفاجِئا ، لا يَسبِقَهُ برقٌ ولا يَتلوهُ غَيْثٌ.

 

أذْكُرُ إرتِطامَنا الأوَّل، في ظِلالِ وادي الشِّتا أو طَلِّةْ الفحيصِ كان. ذات أيلولٍ إلتَقَتْ هناكَ ألكثيرُ مِنْ أبجدِيَّاتِنا، مَسكونةً بِحُزنٍ. أخَذَتْنا بِحارُ الهَمِّ لأقصى شواطئِها. وأتَتْنا أمواجُهُ بِهُمومٍ أُخَرْ. كانت حَريصةً على أن لا تُخطِئَ في التأويلِ، وعلى أن لا تُرهِقَ قلبَها في الفَهْم.

 

ومضى أيلولٌ تِلوَ أيلولٍ، وأنا أحاولُ كلَّ ليلةٍ مُذْ أجْدَبَ العُمرُ، أن أقودَ إنقلاباً على سِجنِ الجسد وسنينِ السجان. أحِسها قريبةٌ بعيدةٌ ، أشتاقها فأسمعُ بُحةَ صوتِها. ولكني لا أجدها فأتوجَّعْ . ما إفتَقَدْتُ يوماً سُؤالَها عني ، ولا دعاءً لها من أجلي.

 

أيْنَكِ ؟ لهفتي تُناديكِ . تَوَحَّشْتُ لِكُلك على بَعضِكْ .

 

أما زِلتِ مُصابةً بي. ولا تعلمينَ لِذلِكَ سَبباً، ولا تَعْلَمين لِمَ أنا بالذات؟ كل ما أدريهِ الآنَ ، أنَّكِ كُنتِ موقِنَةٌ ، أنَّ ذاكَ وهذا ، ما كانَ لهُ أن يكونَ ، ما لَمْ نَكُنْ ، أنتٍ بالذاتِ وأنا بالذاتْ.

 

مذ أُسْريَ بِنَجواكِ من رحابِ البيتِ الحرامِ، إليَّ في رحابِ المسجدِ الأقصى، مُشتاقةٌ وقارئةٌ لآيِ الذِّكرِ الحكيمِ، مُهدِيَةٌ ثوابَه لي، وَقُرَ الرضا أكثرُ في القلبِ والروح . وباتَ شوقي يُحَرِّضُني، للإبْحارِ فيكِ صيفَ شتاء ، مُستَكْشِفاً لِلمرةِ الألف .غَيَّرْتِني . لَمْلَمْتِني . تَسامَيْتِ إلى عقلي ، راقصتِه ودَغْدَغْتِهِ بدهاءٍ نبيلٍ أنيق.

 

تَرحلُ الأيامُ ، وتَبقينَ حتى في تَوالي الليلِ مُبْتَسِمَة، وفي قَلبك مُتَّسَعٌ للرضا المُدَغْدِغِ. مُنذُ أيامٍ، خَبَّرَتْني سَكِينَةُ أيلول التي أعْشَق: أنكِ إتْغَيَّرْتي وصِرْتِ أكبر. تَباً لِعدّادِ السنين ، بَعْدِكْ صغيرِه يا إمرأة.

 

كُلُّ أيلولٍ وأنتِ بِخَيرٍ . فَمِثْلُكِ وتَفاصيلُ ما تبقى من عمرك ، تَليقُ بها مواسِمُ ايلولٍ ، إنْ جاءَ أوِ إنتَصَفَ ، أو أوشكَ على الرحيل .

 

من دفاتري في تونس – 3/9/1987 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.