اخر الاخبار:
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

مقالات وآراء

اغتيال الهاشمي – من المستفيد حقاً؟// صائب خليل

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

صائب خليل

 

عرض صفحة الكاتب 

اغتيال الهاشمي – من المستفيد حقاً؟

صائب خليل

7 تموز 2020

 

سنناقش استفادة جهتين من هذه الجريمة، والأولى هي فصيل الحشد الذي يركز الاعلام على تجريمه اليوم (سأسميه "الفصيل" فقط لأسباب تتعلق بالنشر في وسائل التواصل الاجتماعي). والجهة الثانية هي أعداء هذا الفصيل، أي الاحتلال ومن يدور في محوره. وهناك احتمال دائما أن يكون الدافع شخصي، وهذا سنهمله حتى يتوفر دليل عليه. كذلك سنهمل ان يكون القاتل مجنوناً يقتل بلا سبب، لأننا سنضيع في البحث عندها، وسنفترض ان القاتل ارتكب الجريمة من اجل فائدة معقولة.

كذلك سنهمل ما يسمى بـ "الأدلة" التي لا تدل على شيء ولا توجد طريقة لإثباتها، مثل التي يقدمها أمثال "غيث التميمي" من على شاشة "الحرة" من جهة، والأدلة المماثلة التي يبرزها المدافعون عن "الفصيل"، لإثبات ان "داعش" كانت وراء الجريمة من خلال رسائل واتسب. كذلك فأن المقابلة الأخيرة للمغدور على "الحرة"(1) لم تؤشر أي شيء في أي اتجاه ولم يكن فيها أي تغير عن الخطاب المعتاد للضحية.

وقبل ان ابدأ اريد ان أقول كلمة لمن يشعر في داخله برغبة شديدة بإثبات الجريمة على جهة معينة، بغض النظر عن الحقيقة، أن ترك الأدلة والانتصار لرغبات الإدانة سيخلق جواً ستكون أنت ممن يدفعون ثمنه في النهاية حتى لو حقق لك مكسباً آنياً بالتخلص من جهة تتمنى بشدة ان تتخلص منها. فالمصلحة على المدى البعيد، للجميع، هي خلق جو أمين يكشف الحقائق، وكل ما عداه ضياع.

 

علينا ان نتذكر ان الاغتيال ليس عملية سهلة، فمهما تكن الجريمة مرتبة، فمن الممكن أن تحدث أخطاء وتكتشف وينقلب السحر على القاتل. لذلك يجب ان تكون الفائدة المتحققة من الجريمة، تستحق المغامرة. هذا منطق بسيط لا يحتاج الى خبراء ومحللين لفهمه، ومن يفكر بالقتل، مهما كان بسيط التفكير، سيسأل نفسه هذا السؤال: "ماذا سأستفيد"؟ وهل يستحق ذلك القتل؟

 

من هم أعداء الهاشمي؟ باعتبار الرجل محسوب على الخندق الأمريكي، فخصومه كل الناس والجهات في خندق المقاومة أو لنقل الخندق المعادي للاحتلال. لكن هذه الخصومة بسيطة لا تتعدى الإزعاج الذي يسببه لك وجه اعلامي يجانب الحقيقة فتدير التلفزيون الى قناة أخرى. ولو كان هذا "الإزعاج" يمثل مؤشراً على القاتل، لما بقي متكلم في التلفزيون على قيد الحياة. القتل يتطلب سبباً قوياً، يمثل التخلص من خطر، او على الأقل ان يكون وضع القاتل بعد القتل افضل بشكل ملحوظ مما كان قبله، فهل ينطبق هذا على الفصيل المتهم في الإعلام بالقتل؟ هل وضع الفصيل الآن افضل مما كان قبل الجريمة أو هل كان ينتظر ان يكون أفضل، لكن شيئا غير متوقع حدث وقلب الأمور؟

 

لنناقش أولا اتهام "الفصيل":

هل كان هشام الهاشمي يمثل "خطراً" على الفصيل؟ هل كانت لديه معلومات خطرة عن الفصيل خشي هذا ان تكشف وتسبب له مشكلة كبيرة؟ هل كشف في الفترة الأخيرة حقائق خطيرة عن الفصيل وأراد هذا الانتقام منه وجعله عبرة لمن اعتبر؟

من هذه الأسئلة نكتشف ان اتهام الفصيل بالجريمة على أساس انه المستفيد تعتبر نكتة لا اكثر. الحقيقة هي انه متضرر جداً. فقتل الهاشمي لم يحقق له أي شيء يمكننا ان نراه ولا كان يمكن ان يحقق له شيئاً، ومن الجانب الآخر فالإعلام يضعه في دائرة اتهام خطرة جداً، خاصة بتسلم اعدائه كل السلطات التنفيذية في البلد، إضافة الى فساد تام للقضاء.

هل يمكن ان يكونوا قد اخطأوا التقدير وقتلوه دون حساب هذه النتيجة؟

توقع هذه الحالة كان بسيطاً وهو الشيء الطبيعي، لأن النتيجة هي المتوقعة تماما، ولم تحدث اية مفاجآت لكي نقول ان القاتل لم يحسبها، ولم تكتشف اية أدلة ضده بصدفة غير متوقعة، لذلك فقط حين يكون القاتل مختلا أو مجنونا، لن يستطيع أن يحسب ان هذا ما سيحدث، وقلنا في البداية اننا لن نحسب حساب احتمال أن القاتل مختل او مجنون وسنفترض انه يتصرف بعقلانية نحو هدف محدد، وإلا ضاعت كل التحليلات.

 

من المستفيد إذن؟

لا أتصور ان من الصعب ان نكتشف ان المستفيد من الوضع الجديد الذي انتجته الجريمة، هو أعداء هذا الفصيل أولا! كذلك استفاد كثيراً كل من دعا إلى "حصر السلاح بيد الدولة"، فالمزاج الشعبي سيتجه بقوة نحو هذه الدعوة بعد الجريمة. أي خندق الاحتلال الذي كان المغدور يقف فيه بكل قوة!

لكن مقابل هذا المكسب فقد خسر خندق الاحتلال صوتاً قوياً داعماً لأجندته على طول الخط، فكيف نوازن بين ذلك الربح وتلك الخسارة؟ هل لدى هذا الخندق الاستعداد لكي يخسر هذا الصوت مقابل "المزاج" الشعبي الداعم لأهدافه؟

هذا يعتمد على قدرته على الاستفادة من هذا "المزاج"، فإن تمكن من إزاحة الفصيل او تحقيق مشروع نزع سلاح الحشد، او حتى دفع أي منهما الى موقع اضعف من خلال اتفاقات معينة، فلا شك ابداً ان المكسب اكبر من الخسارة بكثير. وإن لم ينجح، يكون قد خسر احد اتباعه دون فائدة. إنها مغامرة أو مراهنة في هذه الحالة. وإن كان الاحتلال قد اقبل فعلا على هذه الجريمة، فهذا يعني انه يقدر ان الظرف سيكون في صالحه مع كل الترتيبات التي قام بها عميله المتواجد على قيادة البلد، وبما يكفي لتحقيق ضربة قوية لخصومه ومنع اجندتهم من التحقيق خاصة مسألة اخراج القوات واغلاق القواعد وربما استعادة السيادة على البلد بإزاحة عميله.

 

لكن هل يكفي أن تكون الحسابات مؤشرة الى هذا المتهم لكي يرتكب جريمته؟ هل يمكن أن يغتالوا اصدقاءهم عندما تكون الحسابات مربحة لهم؟ صحيح انه لا قيمة حقيقية لهؤلاء الأصدقاء لدى المؤسسات الامنية بشكل عام، ولكن ألا ينعكس هذا بقوة ضد علاقتهم ببقية اصدقائهم اذا اكتشفت الحقيقة، واعتبروا ان العمل مع هذه الجهة يمثل خطرا على حياتهم؟

طبيعي ان هذه الحسابات ستكون حاضرة في رأس من يخطط الجريمة ويحسبها ليقرر. وليس من الغريب ان يقرر المغامرة رغم احتمالاتها، فهذا حدث كثيرا جدا في التاريخ، وسأطرح عددا قليلا منها وباختصار شديد، لأن طرحها كلها يحتاج لكتاب أو كتب.

هذه الجرائم المصممة مسبقاً لإلقاء اللوم على متهم معين، تسمى جرائم "العلم الكاذب" (False Flag) (أي ان يحمل شخص علماً زائفا لا يمثله، ويرتكب جريمة لإلقائها على من يمثلهم العلم) ويمكن لمن يشاء ان يبحث في كوكل عن المزيد منها، وأنا اعددت أيضا تقريرا ضخما موجزا سأنشره لاحقا لمن يحب المتابعة.

 

أشهر فضائح عمليات "العلم الزائف" هي شهادة  الجنرال النازي فرانز هالدر في محاكمات نورمبرغ، بأن الزعيم النازي هيرمان غورينغ اعترف بإشعال النار في مبنى البرلمان الألماني في عام 1933، ومن ثم تم إلقاء اللوم على الشيوعيين لتبرير الهجوم عليهم(2)

 

واستخدمت وكالة المخابرات المركزية الامريكية هذه الطريقة أكثر من أية جهة أخرى في التاريخ. ومنها اعترافها بأنها وظفت ايرانيين في عام 1950 ليتقمصوا دور الشيوعيين ويقوموا بالتفجيرات في إيران من أجل إثارة البلاد ضد الدكتور مصدق، رئيس الوزراء المنتخب ديمقراطيا، تهيئة للانقلاب عليه(3)

 

ووضعت اميركا في البلدان الأوروبية وغيرها منظمة باسم "غلاديو" او "گلاديو" مهمتها ارتكاب الاغتيالات لمنع الشيوعيين من الاستيلاء على الحكم في أي واحدة من تلك الدول، حتى لو بالطريقة الديمقراطية. ونجد رئيس الوزراء الإيطالي السابق(4) وهو قاض أيضاً، والرئيس السابق لمكافحة التجسس الإيطالية، يعترف بأن حلف شمال الأطلسي، بمساعدة من وزارة الدفاع ووكالة الاستخبارات المركزية، نفذ تفجيرات إرهابية في إيطاليا ودول أوروبية أخرى في الخمسينات من القرن الماضي والقى باللوم على الشيوعيين، من أجل حشد تأييد الشعوب في أوروبا لتأييد حكوماتهم في كفاحها ضد الشيوعية. ووصف أحد المشاركين هذا البرنامج كما يلي: "كان عليك أن تهاجم المدنيين من الناس، النساء والأطفال والأبرياء، والناس البعيدين عن السياسة. والسبب بسيط جدا. لقد كان المطلوب دفع هؤلاء الناس، والجمهور الإيطالي عموماً، للجوء إلى الدولة لطلب مزيد من الأمن(5) ونرى هذا الاتجاه هنا (6) وكذلك في هذا البرنامج الخاص للـ بي بي سي (7).

 

وتبين أيضا أن هجمات إرهابية مماثلة قد نفذت في فرنسا، بلجيكا، الدنمارك، ألمانيا، اليونان، هولندا، النرويج، البرتغال، المملكة المتحدة، وبلدان أخرى(8)

وهنا نماذج لهجمات "العلم الكاذب" لبرنامج "كلاديو" - على سبيل المثال فقط(9).

 

وتبين للجنة في الكونجرس الامريكي بأن مكتب التحقيقات الفدرالي (إف بي آي) استخدم العديد من المحرضين منذ الخمسينات من القرن الماضي وحتى السبعينات، للقيام بأعمال عنف لإلقاء اللوم على النشطاء السياسيين - كجزء من حملة "COINTELPRO" –   (10)

 

ووفقا لصحيفة واشنطن بوست، فأن الشرطة الاندونيسية اعترفت بأن الجيش الاندونيسي قتل معلمين أمريكان في بابوا في عام 2002 وألقى باللوم في القتل على جماعة تعمل على فصل بابوا، من أجل إدراج تلك المجموعة كمنظمة ارهابية من قبل اميركا(11).

 

وكانت هذه الجرائم من كثرة الاستخدام من قبل الجهات الامريكية أن صرح  ضابط سابق في الاستخبارات الامريكية بأن "معظم الإرهابيين هم من نوع إرهابيو "العلم المزيف"، ويتم إنشاؤهم من قبل الأجهزة الأمنية الخاصة بنا".(12)

 

إذن هذا النوع من الجرائم شائع وليس نادر ابدا خاصة لدى الجهات الأمريكية، إنما كل الأمثلة السابقة لا تتضمن قتل أصدقاء بشكل محدد، فهل يذهب الأمريكان الى حد قتل المحسوبين عليهم وليس الأبرياء فقط، لإلقاء التهمة على جهة معادية لهم؟

 

لا نحتاج للتكهن فلدينا الدليل على ذلك، وهو كتيب توجيه أمريكي يسمى "دليل العمليات النفسية"، مخصص للمتعاقدين مع وكالة المخابرات المركزية من متمردي الكونترا في نيكاراغوا في الثمانينات من القرن الماضي، الفترة التي تميزت بنشاط الإرهاب الأمريكي على بلدان اميركا اللاتينية في عهد الرئيس ريغان. أكد هذا الكتيب الإرشادي، على أهمية الاستعداد لاغتيال شخص ما من جماعتك لخلق "شهيد" للقضية التي تعمل لأجلها.(13)

 وتم التثبت من صحة ما ورد في الدليل من قبل حكومة الولايات المتحدة نفسها. وتلقى خبر اكتشاف هذا الكتيب "الدليل" الكثير من الاهتمام والتغطية الإخبارية من قبل الأسوشيتد برس، وواشنطن بوست، حتى أنه وخلال المناظرة الرئاسية 1984 - واجه الرئيس ريغان السؤال عن الأمر على شاشة التلفزيون(14)

كان نصه: "في هذه اللحظة، نحن نواجه قصة غير عادية لدليل لعصابات الكونترا التي نساندها والمناهضة لساندينيستا. “الدليل” يدعو ليس فقط إلى اغتيال الساندينيين لكن التعاقد مع المجرمين لاغتيال مقاتلين يدعموننا، من أجل اختلاق "الشهداء"!

ولم ينكر ريغان هذا النص في "الدليل"، لكنه قال فقط أنه كان "خطأ" وأنه تمت إزالة هذا النص من النسخ الجديدة من الدليل!

طبيعي انه "خطأ"، لكنه ليس منزعج منه لأنه خطأ أخلاقي، بل لأنه تسبب في فضيحة مكلفة للمخابرات الامريكية، لسوء حظ ريغان، ولحسن حظ البشرية!

 

 (1) آخر لقاء للخبير الأمني العراقي هشام الهاشمي على قناة الحرة قبل اغتياله اليوم - YouTube

https://www.youtube.com/watch?v=huKEN_Kv9yU

 

(2) غورينع يشعل النار في البرلمان الألماني

http://en.wikipedia.org/wiki/Hermann_G%C3%B6ring##Possible_

responsibility_for_the_Reichstag_fire

 

(3) السي آي أي توظف إيرانيين لتهييج الشارع

http://www.nytimes.com/library/world/mideast/041600iran-cia-index.html

 

(4) الأطلسي تفجيرات إرهابية في إيطاليا

http://www.guardian.co.uk/international/story/0,3604,462976,00.html

 

(5) دفع الإيطاليين إلى الأمن

http://web.archive.org/web/20051130003012/http://www.isn

.ethz.ch/php/documents/collection_gladio/synopsis.htm

 

(6) إيطاليا ودول أوروبية أخرى تخضع لحملة إرهابية ينظمها حلف شمال الأطلسي

http://www.globalresearch.ca/articles/GAN412A.html

 

(7) الناتو وإيطاليا –  فيديوات بي بي سي

https://video.search.yahoo.com/yhs/search;

_ylt=AwrTca_5q89UIAwAVlsnnIlQ;_ylu=X3oDMTB0MzkwOG

5yBHNlYwNzYwRjb2xvA2dxMQR2dGlkA1lIUzAwNF8x?p=bbc+gladio&hspart=mozilla&hsimp=yhs-001

 

(8) عملية كلاديو

http://en.wikipedia.org/wiki/Operation_Gladio

 

(9) قائمة جرائم كلاديو

http://web.archive.org/web/20051130122600

/http://www.isn.ethz.ch/php/documents/collection_gladio/chronology.htm

 

(10) اللجنة الكنسية – حملة كونيلرو

http://www.intelligence.senate.gov/churchcommittee.html

 

(11) اندونيسيا تقتل معلمين

http://www.highbeam.com/doc/1P2-406202.html

 

(12) معظم العلم المزيف ينشأ عندنا

http://www.washingtonsblog.com/2015/03/steele-every-single

-terrorist-attack-u-s-false-flag-egged-intelligence-services.html

 

(13) دليل العمليات النفسية للسي آي أي

https://consortiumnews.com/2015/03/02/playing-chicken-with-nuclear-war

/

(14) ريكان يواجه سؤالا

http://www.debates.org/index.php?page=october-21-1984-debate-transcript

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.