اخر الاخبار:
تفكيك مجموعة اجرامية "خطيرة" في بغداد - الأربعاء, 12 حزيران/يونيو 2024 10:52
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

سالم عابر حائر!// يوخنا اوديشو دبرزانا

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

يوخنا اوديشو دبرزانا

 

 

سالم عابر حائر!

يوخنا اوديشو دبرزانا

 

مع كل نقلة يد على ذلك الحبل المعدني الغليظ  المشدود والمثبت على طرفي النهر ومع  رنة السلسال المعشق  بتلك الحلقة المعدنية  يتذكر سالم بلوعة رنين خلخال ( زهية)  تلك الغجرية المغناجة ذات القوام الممشوق وشلة اصدقاء الكأس والهرج والمرج .

مع كل دفعة  لتلك الحلقة المعدنية  تقترب السفينة ذراعاً من الضفة الأخرى للنهر.  كانت  ترافقها  نغمة مغايرة لرنة السلسال كأنها حشرجة عليل , تختلط  في ذهن سالم و تتقافز أفكار وتخيلات متناقضة مثل تناقض نغمتي  الحلقة والسلسال محاولاً  دفعها بنقل وتقليب السيجارة بين شفتيه لكن  دون جدوى فهكذا إرهاصات لا تزيحها إلا تلك الكأس الملعونة من حليب السباع قاصداً بذلك كأس ((عرق الريان ))  إن لم يكن بطحة كاملة  .

كان لتوديعه من قبل أصدقائه  الآشوريين الكفار وقع آخر. كان السؤال المحير تلك الاغنية السورية التراثية التي عزفها ابو سركون وغنتها مجموعة  اصدقاء واحبة وأسفاه  أضحى اليوم توصيفهم بكفار وما زال أولئك الاحبة الكفار يكررونها  أثناء عبوره .

النهر غير كتوم للأصوات إنه مثل الله سميع مجيب . ما زال يرددها  أولئك الاحبة  الكفار بصوت واحد (( سالم حبيتو….  سالم والله قلبي وعطيته  …)) . ترى ما الذي أوحى لهم  بغنائها ؟ هل قصدهم ثنيه عن أداء صلاة الظهيرة والاستماع لخطبة الجمعة ليستمر العيش مثلهم في ضلال ؟ هذا ما كان يزعمه ذلك الإمام المستورد من الجزائر خريج مدرسة للتصوف لذلك الشيخ الكردي صاحب ( السر المقدس ) . تذكر كيف تم طرده مع شلة من شباب الضيعة من مضافة المختار لمحاولتهم ثني اهاليهم من القيام بالزيارة المعتادة في الأعياد ل ((قندهار سوريا)) حسب توصيف محمود لقرية ذلك الشيخ  . إنهم يقدمون له الذبائح والزكاة  بسخاء  إنه  شيخ مبجل لدى  البسطاء من عرب الجزيرة إلى درجة التزاحم للاستئثار ببصقته  في اباريق الضوء .

أما الاحتمال الآخر لتكرار ذات الاغنية  قد تكون نسمة  ما أوحت لأولئك الملاعين  لدعوته أختيار نمط  حياته كما تطيب له دون  خوف أو وازع طالما لا يؤذي أو يسيء لأحد . هل حقاً كما يدعون أن أنجيلهم يقول أن الله سبحانه وتعالى  في داخل الإنسان ؟ . اللحظة الأحرج  كانت حين  قبل بلوغه الضفة , لحظة الاختيار بين العودة إلى أولئك الاحبة الطيبين والكأس الطاهرة الناصعة البياض من عرق( الريان أو البطة ) أو التوجه إلى ضيعته للصلاة وسماع خطبة الجمعة عسى الله يغفر له ذنوبه .  تواردت الاسئلة مسائلاً نفسه عن ذنوبه وأين مكمنها ؟ هل استجابته لنداء جسده خطيئة تستحق الصوم والصلاة للمغفرة  إن كان في المعاشرة أو الاستمناء ؟  إذا كان كذلك فلماذا خلقتنا يارب بهكذا جسد ؟ كاد يصل الطرف الآخر من      النهر وكأن ذلك العبور لم يكن إراديا . كان في حلم يقظة . لم ينتظر ملاصقة السفينة للحافة وربطها بل  بعفوية قفز منها  دافعا  لها  بعيداً عن الشاطئ ربما تخوفه من التراجع عن قراره أرادها بعيدة عنه . ربما  قد تكون  الصلاة  أفضل من كأس العرق  . كان متسارعاًً في مشيته غير ملتفت للخلف رغم أن  نغمة عود ابو سركون و صدح تلك الأغنية يلاحقانه ما أروعها (( سالم حبيته سالم والله عيوني أعطيته روحي لك يا سالم )) . عندما بانت له مئذنة المسجد تخيل  ذلك الإمام الموفد وتذكر قول رسول الله ((صلعم )) اتقوا صفر الوجوه من غير علة . إنه بملامح غير مريحة . راودته أسئلة أخرى  من نوع آخر أسئلة حيرى !  ترى هل خلت سوريا من الأئمة ؟  ألم تكن سوريا من ترسل المدرسين إلى الجزائر واليمن وباقي الدول المتجذرة  في عروبتها ؟

أما إذا كان لا بد من المشايخ والائمة وعلماء الدين من خريجي المدارس والمعاهد  ، إذاًً لما كليات الشريعة وكل هذه المدارس الشرعية ومدارس تحفيظ القرآن الكريم  التي لم تخل  منها مدينة وبلدة ؟ ترى أين وزارة الأوقاف  فهل أنيب عنها هذا الشيخ الكردي  لهداية  فقط قرانا العربية ؟ لماذا لا يتوجه هذا الشيخ الوقور لهداية أبناء جلدته الأكراد أليس الأقربون  اولى  بالمعروف  ؟  لماذا لا يدعوهم إلى دخول  الجنة أولاً ؟ أليس أغلب شبابهم منتسبين للأحزاب الشيوعية الملحدة ؟  إن بعضهم يتابع دراسته في تلك الدول الكافرة موفدين من تلك الأحزاب

توقف سيل الأسئلة حين بلوغه ساحة المسجد . أشعل سيجارة وتذكر سؤال العم كيوركيس  ذلك الاشيب  الهادئ الرصين حينما كانا في حقل القطن وشاهدا الصوفي احمد يتوجه إلى الساقية للوضوء أتدري يا  بني يا سالم ماذا يعني الوضوء ؟ أنه يعني إزالة كل دنس من الحواس . هل تعتقد أن كل من يتوضأ مقبولة  صلاته إن لم يتوقف عن الغش والنميمة وكل الأعمال الدنيئة الأخرى ؟

في الحمامات التقى شلته أبناء ضيعته سأله صالح اراك متاخراً ، نعم كنت برفقة الشباب الآشوريين أخاف تكون قد عملتها قبل أن تأتي سأله محمود ، لا والله أولاً متى عملناها قبل الظهيرة ؟ ثانيا هل تشم  رائحتها اللعينة ؟ لا اشمها لكن لماذا تلعنها ؟ ألا تنتشي بها ؟  ألا تجعلك سابحاً في القضاء الرحب ؟ ألا تجعلك ملاكاً ؟ ألم يرد في قرآننا الكريم لا تقبلوا الصلاة وأنتم سكارى ؟  دعوكم من هذه الظنون أجاب سالم  دعونا نصلي ونستغفر ربنا. ضحك محمود سائلاً ترى من كل عقلك ؟ أي خطيئة ارتكبنا لنستغفر ؟ هل سرقت ؟ هل زنيت  عنوة ؟ هل آذيت أحدا؟ هل اتيت الصلاة وأنت سكراناً أو قادماً من مرابع القمار؟    لم يجب سالم  بل سأل محمود هل فعلتها انت  أجاب  محمود طبعاً لا لكن ا يعتبرونه زنى ليس خطيئة طالما هو بإرادة حرة ؟ وبكل صراحة كنت قبيل ساعات مع امينة تحت شجرة الصفصاف  . أردف سالم  فإذا ماذا تفعل أنت هنا ؟ رد محمود ضاحكاً لمسايرة هؤلاء الطيبين البسطاء كي لا أبدو شاذاّ مختلفاً فهم أهلي وخلاني والاهم أود  تحذيرهم من هذا الوغد هذا الإمام المستورد إنه لا  يقل كفراً منا ولست أنا شخصياً أقل إيمانا منه. سأجعلهم يقتنعون بالملا ((ابو هابيل)) للإمامة ، على الاقل تقديرا لخدماته لسنين طويلة .  نحن لسنا بحاجة للخطب التي تلهينا عن التواصل مع الله سبحانه وتعالى بصلواتنا وبالاخص مثل خطب والجلسات الارشادية لهذا الوغد وامثاله . بلا هكذا أئمة . ألم يقل الرسول (صلعم) الفتنة أشد من القتل ؟ ألا ترون أن هذا المستورد يود الإيقاع   بيننا وبين أخوتنا وجيراننا  الآشوريين ؟

في المسجد أخذ الثلاثة أماكنهم بخطوتين بعد الصف الأخير من المصلين عنوة   إلا أن سالم كان محتاراً ومتردداً  بعض الشيء  الاستجابة لطلب الإمام أو البقاء مع شلته . تقدم الإمام بخطى وئيدة  وحين وقع نظر صالح على تلك اللحية الخفيفة  همس لزميله أنني غير مرتاح لهذا الشخص إني أرى  شيطانا قابعا تحت كل شعرة  من هذه اللحية  ضحك سالم هامساً وأنا  كذلك يراودني الشعور ذاته . لنتق الله ياناس .  كانت آخر كلمة من سالم إلى  صالح ومحمود . قبل بدء الأذان توجه الإمام نحو  المصلين طالبا رص الصفوف ردعاً للإبليس من التسلل بينهم . علا  صوت محمود ضاحكاً  متسائلاً ألا تستطيع منعه يا مولانا ؟ أما  ضحكة محمود وصالح  الساخرة المستهزئة جعلت الجميع ينظر إليهما  اغلبهم مشاطرة وقلة منهم  بازدراء أما الاصدقاء الثلاثة  لم يتحركوا أو يتقدم أي منهم بأي  خطوة رغم الحاح الإمام . بعد الأذان وأداء  الصلاة بدأ خطبة مقتبسة من كلمة للإمام المصري متولي شعراوي داعيا إلى إقامة نظام  حكم إسلامي بعد فشل كل الانظمة السياسية الأخرى حسب زعمه وعرج  بعدها إلى نهي  مجالسة ومعاشرة  الكفار والتشبه بهم ولم تخل من التطرق إلى تجنب الميسر.  بعد الخطبة بدأت الجلسة الإرشادية حسب توصيفه  التف المصلون  حوله باستثناء أولئك  الثلاثة . كان جواب صالح صريحاً حين طالبهم الإنضمام .  نحن هنا مرتاحين  يا مولانا رغم عدم ارتياحنا لخطبتك اليوم . أراد أحد المزايدين من أبناء الزوبع التدخل قائلاً دعونا نسمع من  شيخنا لكن صالح رد هذا ليس شأنك  أنا أود مناقشة شيخنا .  

كان السؤال الصريح  من تقصد بالكفار يا مولانا ؟  أتعني هؤلاء القاطنين على الضفة الأخرى  من النهر ؟ أجاب نعم أولئك عبدة الصليب . لم يتمالك  سالم  نفسه صارخاً  لا يا شيخنا لن نسمح لك بذلك بيننا وبينهم عشرة عمر أليسوا من أهل الكتاب ؟ أما أنت يا أبن الزوبع أنت  يا عبد الرزاق انسيت زمن الفيضانات وأيام  الشتاءات القاسية والسنين الصعبة أيام لم  يكن في قريتنا مدرسة كيف احتضنتنا  تلك البيوت شاركتنا لقمة أبنائها ومنحتنا  فراشهم رغم ضيق أحوالهم  ؟

أنسيتم أننا سرقنا مواشيهم وخربنا بساتينهم وقتلنا منهم وسامحونا . هوذا جدك  العم صالح دعه  يحدثنا كيف بلع حبات المشمش المسروق مع بذورها وأين كان الاستعصاء ومن اسعفه   

        علت ضحكات الجميع لتلك الحادثة الطريفة تصور حتى المشمش لم نكن نعلم كيف يؤكل .

 لقد تعلمنا منهم الكثير .اغلب  الحضور كان مخالفاً لأحاديثه المتعلقة بشأن جيرانهم .

كان الإمام يتولى تحفيظ القرآن الكريم لأبناء الضيعة وشاهد بعض الآباء تغيراً في سلوك بعض أبنائهم . دعوا إلى اجتماع في بيت المختار واغلبهم مقتنع بالاستغناء عن هذا الإمام وجعل الملا أبو هابيل يأخذ دوره والاكتفاء بالآذان وإقامة الصلوات على الاقل تقديرا لخدماته لسنين طويلة ، نعم لا يقرأ ولا يكتب لكنه لا يكذب ، لقد منحه  الله منحه موهبة الحفظ عن ظهر قلب يرتل الآية التي يسألونه عنها أنها كآلة  تسجيل . كاد  قرار أهل الضيعة يذهب أدراج الرياح  حين  بلغ الخبر الشيخ الكردي وإدارة الأوقاف فأرسلوا وفدأً لمعالجة المشكلة ، لكن موقف أهل الضيعة كان بالإجماع رفض هذا الإمام وهكذا أئمة  مصرين  على ابو هابيل . 

أعتُمِد ابو هابيل إماما  لفترة وجيزة و استعيض عنه بإمام  من قرى حلب من طلبة ومريدي الشيخ الكردي بقرار من مديرية الأوقاف وتزكية من احد الاجهزة الامنية . لم يكن يقل سفاهة  وتشدداً عن سابقه عن ذلك الغريب وكان يلمح استقوائه بالأجهزة الأمنية ، أما الجزائري فقد نقل إلى إحدى قرى جبل عبد العزيز. بعد حين أكتشف بعض الآباء أن ذلك الوغد قد غرر ببعض المراهقين من ابناء  الضيعة  فصاروا يزورونه سر في الجبل اً.

بعد سنين غزا الجزيرة السورية اسراب جراد بشري من مختلف الالوان اسود واصفر ومبرقع  وجعل الجراد الاسود من تلك الضيعة الهادئة الوديعة احد اوكاره  لمواجهة الجراد الأصفر في الجهة المقابلة  لذا قرر الأصدقاء الثلاثة  الالتحاق بأحبتهم  لم يهن عليهم رؤية تلك القرى القرى العامرة بالحب  خاوية خربة وكنائسهم محروقة وصبايا مسبية ونساء وشيوخ واطفال ورجال مخطوفين. وثلاث شباب عمل السكين برقابهم ذبحاً .حدث ذلك في يوم شتاء قاسي

صالح ومحمود تابعا  مسيرة الهجرة رغم جهلهم محط أحبتهم المبعثرين في أصقاع المعمورة أما سالم  في اللحظة الأخيرة صعد الباص وعانق صديقيه معتذراً عن المتابعة  قائلاً أن هناك في تلك الضيعة ما زال بعض الشباب يغني لي . علا صدح محمود وصالح مودعين (( سالم حبيته ….سالم والله عيني أعطيته …عمري لك ياسالم …))

سالم اسم على مسمى سليم الروح معافى من كل العقد النفسية ابى أن يغادر الخابور غير مطمئن  على أولئك العنيدين الصامدين . عاد بداية الصيف  إلى حيث ركل السفينة  يوم كان النهر شباباً يتدفق حيوية  . السفينة مستقرة على سرير النهر على القاع  على الطمي يعلوها الصدأ  لم يكن  هناك مياه لحملها لم يبق من النهر إلا سريره ، إنه النهر المسروق

سالم  حَزَم جلابيته  في وسطه عبر سرير النهر متثاقل الخطى  بين الأوحال  خائفاً ألا يستقبله الخلان كضيف غير مرغوب به .  توجه صوب الكنيسة شد حبال الناقوس ثلاث  والضيعة خرساء  . خرج بعض من أولئك الباقين  العنيدين الصامدين  للاستقصاء   شاهدوا سالم  راكضاً فاتحاً ذراعيه للاحتفاء فعلا غنائهم  هذه المرة مقرونا  بحشرجة  مكررين((  سالم حبيته ……سالم  روحي وأنا اعطيته …..حبي لك يا سالم … عمري  لك يا سالم..)) لكن بغياب تقاطيع نغمات  عود ابو سركون  ولم يعد النهر ذلك المجيب لقد غدا مثل الله في هذه الأيام  أصماً غير مستجيب لاي دعاء غير آبه لمآسي أبناء  وطن الزيتون والكرمة والسنابل 

 

لقارئي الكريم هذا الرابط  لأغنية سالم

https://youtu.be/ucy_2HHSqo8?t=62

أضف تعليق


للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.