أنا المصلوب الذي يحرس ظله: قراءة نقدية في وجدان النص وجراحه// رانية مرجية
- تم إنشاءه بتاريخ الخميس, 27 تشرين2/نوفمبر 2025 12:23
- كتب بواسطة: رانية مرجية
- الزيارات: 369
رانية مرجية
أنا المصلوب الذي يحرس ظله: قراءة نقدية في وجدان النص وجراحه
رانية مرجية
من النادر أن نجد نصًا يختصر الإنسان — كل الإنسان — في بضعة أسطر، ثم يترك القارئ مأخوذًا، مترنّحًا، كأنه خرج من تجربة روحية لا من قصيدة. هذا ما يفعله خلف إبراهيم في نصّه «أنا المصلوب الذي يحرس ظلّه»؛ نص يخرج من ضلوع المعاناة لا من ترف اللغة، ومن صميم الوجدان لا من زينة البلاغة.
القصيدة ليست نصًا مكتوبًا، بل صليبٌ مرفوع على الورق، وظلٌّ يبحث عن صاحبه في عتمةٍ تفوق طاقة البشر. إنها اعترافات إنسان — وربما وطن — لم يعد يقدر أن يلبس جلده، فيعترف، وينهار، ويقوم، ثم يصلب نفسه ثانيةً في فعلٍ صوفيّ يشبه التطهّر بالألم.
⸻
أولًا: الورد الذي ينزف… حين تنقلب البراءة إلى جرح
يقول الشاعر:
«ما قطفتُ وردةً إلّا وأدمتْ بناني
وما جمعتُ حبًّا إلّا وجرحتْ قلبي»
هذه ليست استعارة جمالية؛ إنها خلاصة تجربة إنسان يعيش في عالم مقلوب.
الورد — رمز العطاء والجمال — هنا يتحول إلى مصدر للنكبة.
والحب — الكفّ المنبسطة نحو الحياة — يتحول إلى سكين.
النص يعلن منذ البداية أن الشاعر يعيش في واقع تتحول فيه نعم الحياة إلى لعناتها، وكأن العالم حوله مُصاب بخلل وجودي:
حيث اللمس جرح، والرغبة نزيف، والبحث عن الحب عقاب.
هذا الانقلاب في المعنى هو أول أبواب النص نحو عمقه:
إنه عالم لا يتيح للإنسان أن يكون طبيعيًا، لأن الطبيعي نفسه صار فعلًا مهددًا.
⸻
ثانيًا: خطايا مجهولة… وقمر يرتجف من إنسان
في قوله:
«ومن فرط ما حملتُ من خطايا
أنمتُ الليل كرضيعٍ في ظلامي
ففزّ القمر من هول أدمعي»
ندخل منطقة شعرية من أعلى مستويات الوجدان الإنساني.
الخطايا هنا ليست خطايا الشاعر، بل خطايا العالم التي رُميت عليه:
خطايا الحروب، القمع، الجوع، النسيان، الظلم، والخذلان الجماعي.
النائم كرضيع ليس صورة للحنان، بل صورة للهشاشة الوجودية:
طفلٌ نائم في ظلام ذاته، لا يجد صدرًا ولا حضنًا، فيتحول الليل إلى رحمٍ مجنون.
ثم يأتي المشهد الأعظم: القمر يفزع من أدمعه.
القمر — رمز النقاء — ينهار أمام بكاء الإنسان.
هذه الصورة تُحيلنا إلى شعر محمود درويش حين قال: «حتى القمر جرحٌ في جسدي»، لكنها هنا أكثر رعبًا:
الطبيعة لا تحتمل ألم الإنسان.
الكون نفسه ينهار أمام دمعة طاهرة.
⸻
ثالثًا: الطفولة المجلودة… إنسان جُمِع من أشلاء
«أنا طفل
وهائلٌ من البراءة
إنسان جُمِع من أشلاء بشرية»
الجميلة في هذه العبارة أنها ليست تناقضًا بل تكثيفًا:
الطفل بريء وهائل في الوقت ذاته، لكن هذا الطفل صُنع من أشلاء.
إنها الولادة من الموت، والبراءة المصنوعة من الدم.
هذا توصيف ينطبق على جيل كامل في البلاد التي مزقتها الحرب:
جيلٌ لم يعرف اللعب، بل عرف الأنقاض،
لم يعرف الحكايات، بل عرف صفارات الإنذار،
لم يعرف الطفولة، بل حمل ذاكرة ليست ذاكرته.
إنها الطفولة المتوارثة: الطفولة الفلسطينية، السورية، العراقية…
طفولة مقهورة، لكنها لا تزال تملك نسبة من الضوء، هائلة رغم انكسارها.
⸻
رابعًا: «أنا بلاد»… حين يتحول الفرد إلى وطن
الجملة المفصلية:
«أنا بلادٌ تبحث عن خلاص»
هذه العبارة وحدها تستحق كتابًا.
فالإنسان هنا ليس فردًا، بل وطن كامل يتكلم.
لا وطنًا بالخرائط، بل وطنًا بالجراح، بالمنافي، بالخطايا التاريخية، بالتبدد الذي أصاب الشعوب.
إنها جملة تتجاوز الرمزية إلى التقمّص:
الفرد يصبح وطنًا، والوطن يصبح جسدًا.
الحدود جلد، والخرائط لحم، والهوية صرخة.
الإنسان هنا يحمل الخراب في عظامه، ويمشي به، ويبحث عن خلاص لا يأتي.
⸻
خامسًا: الطاغوت… حين نسكن عدوّنا
«والطاغوت… قلبي»
هذه الضربة الختامية ليست مجازًا بل قمة الوعي التراجيدي.
الطاغوت — رمز الشر المطلق — ليس خارجًا، ليس محتلًا، ليس سجانًا.
إنه القلب نفسه.
هذه الجملة تلغي كل الأعداء الممكنين وتترك الإنسان أمام العدو الحقيقي:
الألم الذي صار جزءًا منه.
الجرح الذي صار بنية.
القسوة التي لم تعد طارئة، بل دائمة.
إنها لحظة اعتراف وجودي تشبه ما قاله دوستويفسكي:
«الجحيم… هو أن نحمله في داخلنا.»
⸻
سادسًا: الرقة 2011… المكان الذي تنبأ بالمأساة
خلف إبراهيم يوقّع نصه بـ «الرقة 2011»، وهي ليست مجرد إحالة زمنية، بل جرسٌ قبل القيامة.
الرقة — قبل أن تتحول إلى رماد — كانت مدينة على حافة الجرح.
والشاعر هنا، كأنه كان يرى ما لم يره الآخرون:
كان يسمع صرير الخراب في الهواء.
كان يتشمم رائحة الدم قبل أن يسيل.
النص إذن ليس فقط تعبيرًا عن الماضي، بل نبوءة لأسوأ ما سيأتي.
⸻
سابعًا: لماذا يمسّنا هذا النص إلى هذا الحد؟
لأن الشاعر يقول ما نخشى قوله:
إننا مصلوبون، لكننا نحن من نحرس صلبنا.
نحن الضحية، ونحن الجلاد.
نحن الأشلاء، ونحن الساعون للخلاص.
نحن الأطفال، ونحن الحاملون لخطايا العالم.
النص لا يشبه قصيدة، بل يشبه مرآة تنكشف فيها هشاشتنا وانكساراتنا.
⸻
ثامنًا: خاتمة — الشعر حين يعود إلى وظيفته الأولى: الشهادة
«أنا المصلوب الذي يحرس ظله» ليس نصًا يُقرأ، بل نصّ يُختَبَر.
هو شهادة على جيلٍ يُولد من النار، وعلى وطن يُعاد تشكيله من الركام، وعلى إنسان لا يزال، رغم الألم، يبحث عن خلاص.
وهذا — بالضبط — ما يجعل النص خالدًا.
إنه شعرٌ يُكتب لا ليُدهشنا، بل ليُذهلنا بجرأته في قول الحقيقة:
أن الألم ليس حالة… بل هوية.
كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات
المتواجون الان
474 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع



