اخر الاخبار:
ارتفاع حصيلة الوثبة الى خمسة قتلى - الخميس, 12 كانون1/ديسمبر 2019 11:10
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

ذِكرياتٌ مُهمَلة// المربي الراحل علي محمد الشبيبي

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

الراحل علي محمد الشبيبي

 

 

ذِكرياتٌ مُهمَلة*

المربي الراحل علي محمد الشبيبي

الناشر محمد علي الشبيبي

 

لا أدري لماذا أتنازل للامتزاج مع أناس لا تتلاءم أمزجتهم مع مزاجي وميولي. بل ولا تتناسب درجة وعيهم وإدراكهم مع ما عندي من يسير الثقافة. مع كل هذا أجد بُشراً وارتياحاً، حتى أن ساعات تمر، وأنا لا أدري كيف مرت، وكيف أنقضى الوقت؟

 

كل ليلة بعد العشاء، نجلس حول الموقد أو المصباح[1]، ولابد أن ترأس الجلسة امرأة مسنة. أو فتاة ممن يعرف ان يُشغلنا بالأحاديث فيروح شر البرد والحر. ومن الغريب أن أكثر حكاياتهن تحوي عظات بالغة، ومغازي سامية، وأهداف عالية، والأكثر من حكايات –ألف ليلة وليلة- أو مما تتداوله النساء العجائز، يلقِنّه للصغار –كرادع عن العبث والحركات المؤذية- لذا نجد أبطال تلك القصص من الخير والشياطين، والسعالي والعجائز، مما يغرس في نفوس الصغار الخوف الذي يملأ رؤوسهم، يملؤها أخيلة وتصورات، فيسيطر الخوف على مشاعرهم كلما خلوا بأنفسهم أو ساروا في طريق مظلم، أو ذكرته أمه بالجني ذي الأجنحة والقرون الطويلة، والعيون الجمرية، والأصابع المنجلية، والشعر الأشعث المنفوش، واللون الأسود[2]. تذكره حين يعصي لهاً أمراً، أو يطلب منها شيئاً لا تجده ، أو يضره. فإنها تضطر لإسكاته بتخويفه بالجني، وقد حدثته جدته العجوز –أيضاً- عنه، إنه يتشكل بكل شكل، حجارة أو قطعة صوف منفوشة!

 

وحتى كبرت وجدت في كتب الأقدمين، الجني يتشكل بكل شكل حي كالكلب والخنزير، وبعكسه المَلَك. فهو يتشكل بكل شكل إلا الكلب والخنزير. وهذا وجدته في كتب صنفها الأولون[3].

 

وكثيراً ما يضم مجلسنا هذا فتيات جيراننا مع أمهاتهن. وطالما توسلن بي لأكون المحدث! فأقص عليهن قصصاً من أقاصيصهن، وأحياناً من نوع جيد أقرأه من انتاج كتاب جيدين، وأحيانا مما ابتدعه أنا!

 

بين المجموعة "بُنية" من جيراننا، لا أدري لم طردتها في حين لا أجد لها ذنباً! ومن الغريب أن أمي تحدثت أمس متباهية عن يوم زواجي، وأعربت عن شديد رغبتها بالبنية تلك بالذات.

 

أني لأضحك من أماني الأمهات، وأعجب كل العجب من أحلامهن وتحكمهن بميول أبنائهن، والمستقبل كشاف، ان بقيت أمي على هذه الأمنية وعن هذه بالذات، على الأغلب أنها ستتنكر لرأيها، خصوصاً لو أني عدلت عن ضجري منها وملتُ إليها. هذا شيء غير غريب.

 

أمر آخر يهمني ويحز في نفسي، فمتى أكون شديد الوثوق بنفسي، بحيث أقوى على تنفيذ ما أحب ورفض ما أكره. أنا لا أميل لأساليب الدراسة عندنا. وطالما فتحت الكتاب للتحضير، بيد فاترة وكمن سيطر عليه نعاس أفتح الكتاب وأرمق سطوره بنظرة فاترة وسرعان ما أتحول عنه إلى سواه. وعلى أني شاعر بالخطأ فأني لم أقوَ على مخالفة نفسي في كلّ هذا!

 

ولكن ولعي بحفظ الشعر جيد، لا بل مفرط. وأحياناً أحس أن قصوراً واضحاً فيما انتقاه لي صديق أبي الحميم، الرجل الفاضل والفقيه التقي الشيخ عبد المحمد المخزومي وعرف باسم آل زاير دهام، ودهام أحد أجداده. لا يختار إلا مقاطع قصيرة من شعر الشريف الرضي، ومدائح أهل البيت. واستغربت كثيراً أن يكون للشاعر الماجن –أبو نؤاس-  شعر في الأمام علي بن موسى الرضا!

قيل لي أنت أشعر الناس طراً

بالمعاني وبالكلام البديهي

فلماذا تركت مدح ابن موسى

والمعاني التي تجمعن فيه

قلت: لا أسـتطيـع مدح أمام

كان جبريل خادماً لأبيه

 

أليس هذا الرجل متهماً بالغلمان، أو أنها تهمة مفتعلة، ربما لميله للعلويين، أو لأنه فارسي الأصل، وان كانت تربيته عراقية بغدادية، وهو صديق الخلفاء العباسيين، وسميرهم! ولا يفوتني أن أذكر لك ولعي بمجموعة شعر تنسب إلى العاشق الوله –مجنون ليلى- صرت أقرؤها كثيراً، وأرددها ولكن الشيخ –صديق أبي- يحفزني ويثيرني حين أسمعه يردد وهو ينقر غلاف الكتاب بأصابعه، كمن يضرب على العود من شعر الشريف الرضي:

من ناشد لي بعقيق الحمى

غُــزّيلاً مرّ على الــركب

أفـلت من قـانـصـه غِــــرةً

وعاد بالقلب إلى السرب

 

فإذا خلوت بنفسي، رددتها أنا بشجى عاشقٍ وَلهِ، ثم أتبعها بآهة، تماماً كما هو فعل. أترى جوانح الرجل قد ضمت حباً وغراماً، ولا أقول هياماً. الرجل من أقرب الناس صداقةً لأبي، متدين صادق في تدينه، مثلما هو رقيق العاطفة، أستجلي هذا من لحن ترديده للشعر العاطفي والغزلي، عند الشريف الرضي ومجنون ليلى!

 

وكل هذا لم يروِ ضمأي ولم يجذبني إليه تماماً، لكن أستاذي[4] هداني إلى كتاب، ما أن قرأت منه شيئاً وأنا بباب مكتبته، حتى أنجذبت إليه بشدة، وكأني أستوعبت ما فيه! ذلك هو كتاب –البدائع والطرائف-  مرامي هذا المؤلف –جبران خليل جبران- ليست يسيرة الفهم للمبتدئ، فاغلب ما فيه بالرمزية. وتابعت كتبه واحداً واحداً فكانت أكثرها غموضاً وتعقداً –المجنون، الموسيقي، رمل وزبد- عدا كتابين هما –الأرواح المتمردة والأجنحة المتكسرة-.

 

وتهت أنا في أودية[5] جبران العميقة الغور، المعقدة العسيرة الفهم، وصرت أكتب قطعاً على نهجه. فإذا عدت إليها بعد أمد، وجدت نفسي أمام ألغاز ضاع عليّ حلها. فأتلفت أغلبها. ورحت أطالع، طه حسين، والزيات، وغيرهما.

 

بقي فيّ شيء من آثار جبران. فقد أطلت شعر رأسي وأحببت الوحدة والانفراد، وكثيراً ما خرجت إلى الوادي في شدة الحر –بعد الظهر- أو حين تتراكم الغيوم. وعند الليل، أدع الضوء ضئيلاً، وكأني غريب أضاع وطنه، واني أجّد السير لأصل إليه. أو أني غريب عن هذا الوجود، عبرت عن هذا في بعض ما نظمت[6] وكأني غريب يجّد السير ليعود إلى الوطن؟

 

*               *               *               *               *

 

ولكم أود أن أذكر لك عن ارتياحي في لباسي هذا الذي أرتديه. قميص تغيّر لونه، فهو منذ أربع سنوات، هو الآن أوهى من بيت العنكبوت. ورداء رثة أطرافه، وتهرأت أذياله، ولكنه مازال يقاوم قسوة الأيام. ولولا عُمَّةٌ لا يحتمل ثقلها رأسي لَتمَ لي السرور بهذا اللباس. انها لا تمثل روحي، ولا تعبر عن اتجاهي في الحياة. أتخذوها الأكثرون كمظهر للتدين، بينما يختفي الشيطان بين طياتها. أما الحزام الطويل العريض الذي يلف حول الجذع مرات ومرات فهو كحبائل –إبليس-، عُمتي –أنا- حجمها صغير، وطياتها منتظمة، وما كانت مسبحتي سوداء، فيشملها قول الشاعر علي الشرقي:

ما أسودت السبحة إلا

لترينا عملك

وخيطهـا شيطانهـا...

بين الثقوب قد سلك

يا ذرة ما بيننا

كيف أرتقت إلى الفلك[7]

 

على كل أنا مرتاح لهذا الوضع وهذه الحال. وأرجو أن أوفق في حياتي إلى عيش بسيط. بعيد عن زحام المجتمع والمدنية الزائفة، مادام في الأرض متسع وفي متناول يدي البَر، وهو سهل عليّ وقريب إليّ!.

 

المربي الراحل

علي محمد الشبيبي

1913 - 1997

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*- نشرت في مجلة الروائع البغدادية في 1/9/1938 وكتبت في 10/5/1929 (كان الراحل حينها بعمر 16 سنة/ الناشر محمد علي الشبيبي)

1- كانت الإنارة إذ ذاك المصباح النفطي.

2- طالما سببن لبعض الأطفال خوفاً فيرفض عند النعاس أن يذهب ويرقد في فراشه خوفاً من الجني!

3- في كتب كثيرة قديمة وصف الفرق بين الجني والملك، بعض العلماء يبدو أنهم من ذوي الفكر النير فهونوا الأمر وقالوا: الجني كل ما جن تحت الأرض!

4- هو المغفور له الدكتور عبد الرزاق محي الدين، أول من وجهني لدراسة الأدب الحديث والأساليب الحديثة في التأليف، فأقتنيت إلى جانب البدائع كتاب الأدب العربي للأستاذ أحمد حسن الزيات.

5- كتبت على غرار كتابات جبران خليل جبران –وادي الأحلام و وديع الغريب-.

6- من ذلك قصيدة بعنوان –نفثة الألم- و –تعالي- (هذه القصائد تضمها المجموعة الشعرية الكاملة للراحل والتي طبعت عام 2013/ الناشر محمد علي الشبيبي)

7- لديهم ما يسمونه – استخاره- يأتي أحد الناس الى رجل دين كهل –أو قل معمم- فيطلب منه –الخيرة- بالمسبحة السوداء. المستخير يذكر ما يريد في سرّه، وهذا يقرأ كلمات تقديس لله ثم يغمض عينيه ويحجز بضع خرزات بين يديه فأن -فردا- جيدة وإلا فلا؟! هي تماماً كما كان يفعل أهل الجاهلية!

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.