للذهاب الى صفحة الكاتب   

المجد والخلود للشهيد نصير عبدالله المأمون علاء الدين البياتي

كمال يلدو

 

 

هناك رجالٌ لا يتركون وراءهم ثروةً أو منصبًا أو نفوذًا، لكنهم يتركون سيرةً تزداد إشراقًا كلما مرَّ الزمن. يرحلون بصمت، وتُخفى أسماؤهم في الزنازين والمعتقلات، غير أن الحقيقة تجد طريقها في النهاية، فتُعيد إليهم ما حاول الجلادون سلبه: الكرامة والذكرى. ومن بين هؤلاء الشهيد نصير مأمون علاء الدين، أحد شباب العراق الذين واجهوا القمع بثبات، وصمدوا أمام التعذيب دون أن يساوموا على ضمائرهم، حتى غاب أثره سنواتٍ طويلة، قبل أن يعود اسمه بعد سقوط الدكتاتورية، لا بوصفه مفقودًا، بل شهيدًا من شهداء العراق. لم يكن نصير مأمون علاء الدين يحمل سلاحًا يوم اعتُقل، ولم يكن قد ارتكب جريمة سوى أنه عاش في زمنٍ كان فيه الشكُّ تهمة، والبراءة لا تحمي أصحابها. تعرّض لأقسى صنوف التحقيق والتعذيب، لكنه لم يقدّم اعترافًا يرضي جلاديه، ولم يتخلَّ عن ثباته رغم مرض القلب الذي كان يرافقه ويضاعف آلامه. أُطلق سراحه لفترة وجيزة، ثم اعتُقل ثانية، ليغيب أثره حتى عام 2003، حين ظهر اسمه بين قوائم شهداء العراق، شاهدًا على حقبةٍ حاولت أن تُخفي ضحاياها، لكنها عجزت عن محو ذكراهم.

 

ولد نصير عبد الله المأمون البياتي عام ١٩٦٠، وهو ينحدر من عائلة لها سجل نضالي ويساري طويل في مقارعة الأنظمة الاستبدادية، فجدته هي المناضلة النسوية والتقدمية زكية خيري احدى مؤسسات رابطة المرأة العراقية في عقد الخمسينات، وهي شقيقة القيادي زكي خيري. عمل في اتحاد الطلبة العام، وصار يعمل في حلقات الاصدقاء بعد تجميد اتحاد الطلبة وكان بعمر ١٦ سنة. من صفاته التي يذكرها زملائه أنه كان هادئ الطباع، متسامح وطيب القلب، ولديه التزام عالي بقواعد العمل. بعد اشتداد الهجمة الشرسة من قبل النظام على اليساريين والتقدميين أواخر السبعينات، كان من المؤيدين لخوض الكفاح المسلح ضد النظام، وقال مرة في أحد الاجتماعات: "ان البعث لا ينفع معه إلا هذا الأسلوب" !

اعتقل اول مرة مع مطلع العام ١٩٧٩ وبقي رهن اعتقال الامن عدة اشهر صعبة، مورس معه اشكال التعذيب لكنه بقي صامدا ولم ينهار، كانت امه تأخذ أسبوعيا رزمة من الملابس النظيفة الى مديرية الامن وتستبدلها بملابسه الملطخة بالدماء، ثم اطلق سراحه وبقي قيد المراقبة وتحت اعين اجهزة الامن.

قادته الصدفة في يوم السبت ٥ تموز عام ١٩٨٠ (الساعة الواحدة ظهرا) الى بيت عمه الشهيد (لاحقا) سعدون علاء الدين، والذي كان قد اعتقل من محل عمله في (مطبعة رمزي) واقتيد الى بيته لغرض التفتيش، وفي الأثناء وجد رجال الامن (ماكينة طباعة يدوية) كان قد أعطاها له خال سعدون زكي خيري، وفي تلك الاثناء وصل نصير الى بيت عمه، وعندما حاول الإفلات انتبه احد رجال الامن الذي يبدو انه تذكره من مناسبة سابقة، واقتيد مع عمه سعدون بعد مقاومة مع رجال الامن وسط صرخات زوجة عمه الرافضة لعملية الاعتقال وبكاء بنات عمه الصغيرات.

 

في إحدى جلسات التحقيق احضروا امامه ملفاً يحتوي على معلومات يُحتمل إنها انتزعت من أحد رفاقه المعتقلين وفيها عناوين وبعض طروحاته، التي أنكرها جملة وتفصيلا. وأمام صلابته واصراره وصموده جرى نقله إلى أحد (المشتملات) - البيوت الصغيرة- التي كان يستغلها ضباط الأمن للتحقيق والتعذيب مع الموقوفين، وكان معصوب العينين، وبعد ان رفعوا العصابة تعرف على بعض أولئك الموقوفين ومنهم: صباح الدرة، د. عبد الصمد نعمان ونجله د. زيد، ومحمود مطر الذي استشهد بعد تعرضه لتعذيب وحشي وحميد عاتي وغيرهم. وفي تلك الأيام وبسبب من حالته الصحية ومرض القلب، كان يتعرض الى نوبات اغماء، كانوا ينقلونه الى (مستشفى العلوية) للعلاج، ويبدو ان الطبيب المعالج في احدى المرات كان الدكتور حسان عاكف، والاخير انتهى به المطاف في (المشتمل) مع نصير، الذي قال له: مَن الذي اتى بك الى هنا؟ فأجابه الدكتور حسان (مازحاً): بدلا من أن يأتوا بك للمستشفى، جئت الى هنا كي اعالجك!

 

يذكر الدكتور حسان عاكف تلك الأيام بالقول: كان نصير، رغم سنه الصغير، مقاوما صلبا لأساليب الامن في انتزاع الاعترافات او التوقيع على الاستمارات التي رفضها رفضا باتا وتحمل أثرها أشكال التعذيب، التي كانت تنتهي به بالإغماء.  وبعد كل حفلة، وعندما يعيدوه الى غرفة الموقوفين، كان رفاقه (من الذين يكبرونه عمرا وخبرة) يحتضنوه ويحاولون منحه جرعة من الصمود بوجه هؤلاء الجلاوزة. ويضيف الدكتور حسان: انه اُعتقل في ٦ حزيران ١٩٧٩، وسيق الى (المشتمل) حيث وجد نصير أمامه هناك، اضافة الى نخبة من المناضلين، وكان المشتمل مكون من غرفتين بينهما مدخل، وكان الموقوفين معصوبي الأعين منذ الساعة ٨ صباحا حتى الليل، كما لا يحق لهم الحديث او الكلام مع بعضهم البعض، وكانوا معظم الوقت ممدين على الأرض، يومها لم يكن د. حسان يعرف نصير شخصيا او يعرف جدته، لكن بعدها عرف، إذ يذكر، أنهم كانوا يتحدثون فيما بينهم همسا بعد منتصف الليل، ويتذكره جيدا ويقول: انه كان هادئا، صامدا ومؤدبا، وكان الأصغر بيننا نحن الموقوفين. كان رفاقنا يتحدثون عن أساليب التعذيب التي يستعملها معهم منتسبي الأمن، الفلقة، واستخدام الصعقات الكهربائية في الأماكن الحساسة والتعليق بالسقف وغيرها من الأساليب الدنيئة، وكانوا حينما يعودون بعد (الحفلات) تكون ملابسهم ملطخة بالدماء. كانت مواقع تلك المشتملات هي بيوت في منطقة (بارك السعدون) القريبة من مديرية الامن العامة وجرى استملاكها  والاستيلاء عليها عنوة من المواطنين، وكان المشتمل الواحد يضم ما بين ٤٠ - ٧٠ موقوفا، وكانت الأعداد تزداد وتنقص، والموقوفين يتبدلون باستمرار. في المعتقل عرّفني اخي الاصغر (مناضل عاكف) على نصير، كذلك كان معنا فارس كريم, فارس كان زميل نصير في الاعدادية المركزية، مرت الأشهر ثقيلة علينا جميعا، وكان نصير صامدا ومتوازنا، وكنت شاهدا عندما كان يعود من التعذيب منهكا ومتعبا. ثم يُنهي كلامه بالقول: أطلق سراحي في أواخر آب ١٩٧٩ (بعد الانتهاء من إعدامات قاعة الخلد)، وقد غادرت العراق في الأول من تشرين ثان ١٩٧٩ .

 

منذ ان اعتقل نصير يوم ٥ تموز ١٩٨٠، اختفت اخباره نهائيا (هو وعمه الشهيد لاحقا سعدون) ، ولم تعثر عائلته على أي دليل بعد كل تلك السنين، سوى قائمة الشهداء ال (١٦٧) التي نشرها الحزب الشيوعي في صحيفته بعد حصوله على وثائق الأمن في تموز ٢٠٠٣ حيث ظهر اسم عمه سعدون علاء الدين تحت رقم (٥٣) ونصير (٥٤) في وثيقة مديرية امن بغداد المؤرخة يوم ٥ كانون أول ١٩٨٣ ، فيما تم اعدامهم يوم ٢٣ كانون أول ١٩٨٢.

 

-    أتوجه بالشكر الجزيل والامتنان الى الغالين الذين ساعدوني بجمع هذه المعلومات، السيدة طيبة رحمن، الأستاذ نزار البياتي، الأستاذ ثعبان موزان عجلان، الدكتور حسان عاكف وأخيرا عمته المفجوعة شهرزاد البياتي

*** المجد والخلود للشهيد نصير عبدالله المأمون البياتي

*** المواساة لعائلته الكريمة وأهله وكل محبيه

*** الخزي والعار لنظام صدام حسين الإجرامي، وأجهزته القمعية

تموز ٢٠٢٦

كمال يلدو