للذهاب الى صفحة الكاتب

   البيت العراقي في فنلندا.. ذاكرة الجالية وآفاق المستقبل

    يوسف أبو الفوز

    فنلندا

 

عندما بدأت موجات الهجرة العراقية إلى فنلندا بالتزايد خلال تسعينيات القرن الماضي، برزت الحاجة إلى إنشاء فضاء يجمع أبناء الجالية، ويحفظ صلتهم بوطنهم وثقافتهم، ويساعدهم على الاندماج الإيجابي في المجتمع الفنلندي. ومن هذه الحاجة وُلد البيت العراقي في فنلندا، الذي اتخذ من مدينة توركو مقرًا له، ليصبح، على مدى ما يقرب من ثلاثة عقود، واحدًا من أبرز المؤسسات الثقافية والاجتماعية العراقية في البلاد.

ويستعيد الأستاذ صادق لازم الحسيني، رئيس البيت العراقي، بدايات التأسيس، فيقول في حديثه لصفحة (جاليات):

ــ تأسس البيت العراقي في فنلندا، ومقره مدينة توركو، عام 1996، بمبادرة من مجموعة من أبناء الجالية العراقية المقيمين في فنلندا، وبدعم من المؤسسات الفنلندية الرسمية المعنية بشؤون المهاجرين واللاجئين، ليكون مؤسسة ثقافية واجتماعية مستقلة تخدم العراقيين بمختلف انتماءاتهم القومية والدينية والمذهبية.

ويضيف أن البيت العراقي اعتمد، منذ انطلاقته، العمل التطوعي والديمقراطي أساسًا لنشاطه، وفتح أبوابه أمام جميع أبناء الجالية دون تمييز، فيما كان طموح مؤسسيه يتجاوز إقامة نشاطات موسمية، إلى تأسيس بيت حقيقي للجالية يحافظ على الهوية العراقية، ويصون التراث الوطني، ويقيم جسور التعاون مع المؤسسات الثقافية والاجتماعية الفنلندية.

 

أهداف تتجاوز النشاط الثقافي

تكشف وثائق البيت العراقي أن أهدافه لم تقتصر على تنظيم الفعاليات الثقافية، بل شملت رؤية أوسع لخدمة الجالية العراقية، وفي مقدمتها المحافظة على الهوية الوطنية والثقافية، وتعريف الأجيال الجديدة بتاريخ العراق وتراثه، وتنظيم الأنشطة الثقافية والفنية والاجتماعية.

كما يسعى البيت إلى دعم المهاجرين الجدد ومساعدتهم على الاندماج في المجتمع الفنلندي، وتشجيع الحوار والتسامح بين مختلف مكونات المجتمع العراقي، وتعزيز العلاقات الثقافية بين العراق وفنلندا، إلى جانب دعم الأطفال والشباب والنساء، والتعاون مع المؤسسات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني في فنلندا.

 

حضور ثقافي واجتماعي

على امتداد مسيرته، نظم البيت العراقي فعاليات تركت أثرًا طيبًا في حياة الجالية العراقية، وأسهمت في التعريف بالثقافة العراقية لدى المجتمع الفنلندي. وشملت الأنشطة الاحتفال بالمناسبات الوطنية، وتنظيم المهرجانات الثقافية والفنية، والندوات الفكرية والأدبية، والأنشطة للأطفال والعائلات، فضلًا عن المشاركة في المهرجانات متعددة الثقافات بمدينة توركو، والتعاون مع الجمعيات الفنلندية والعربية.

ويقول الأستاذ صادق لازم الحسيني إن هذه الأنشطة أسهمت في تقديم صورة إيجابية عن الجالية العراقية، وأبرزت مساهمتها في الحياة العامة، كما فتحت نافذة أمام المجتمع الفنلندي للتعرف على الحضارة العراقية بما تحمله من تنوع وثراء إنساني وثقافي.

 

تحديات الحاضر

ورغم هذا التاريخ الطويل، لم يكن البيت العراقي بمنأى عن التحديات التي تواجه مؤسسات الجاليات في أوروبا. ويشير الأستاذ الحسيني إلى عوامل عدة، منها محدودية التمويل، والاعتماد على العمل التطوعي، وتقدم عدد من الناشطين في السن وتراجع قدرتهم على مواصلة النشاط، فضلًا عن ظهور جيل جديد تختلف اهتماماته ووسائل تواصله وأولوياته.

وقد انعكست هذه العوامل على حجم النشاط، الذي أصبح مرتبطًا في كثير من الأحيان بالمناسبات والاحتفالات الموسمية، بعد أن كان أكثر انتظامًا وتنوعًا. ويرى الحسيني أن هذه التحديات تواجه معظم مؤسسات الجاليات العراقية والعربية في المهجر، الأمر الذي يستدعي البحث عن صيغ جديدة للعمل الثقافي والاجتماعي تستجيب لتحولات العصر واهتمامات الشباب.

 

بين الواقع والطموح

ويؤكد الأستاذ منتصر فاضل، أحد أبرز الناشطين في البيت العراقي ومن مؤسسيه، ورئيسه في دورات سابقة، أن المستقبل لا يزال يحمل فرصًا واعدة، إذا ما جرى الاستثمار في طاقات الشباب، وتطوير البرامج بما ينسجم مع احتياجات الأجيال الجديدة، والاستفادة من وسائل الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب توسيع التعاون مع المؤسسات الفنلندية والجمعيات المدنية.

ويضيف أن الحفاظ على رسالة البيت العراقي لا يعني الاكتفاء بصيانة الماضي، بل يتطلب تجديد أدوات العمل، وإشراك الشباب في صنع القرار، وتمكينهم من قيادة المبادرات الثقافية والاجتماعية، حتى يبقى البيت مؤسسة حية ومتجددة، قادرة على مواكبة التحولات التي تشهدها الجالية العراقية في فنلندا.

 

سؤال المستقبل

وبعد ما يقرب من ثلاثة عقود على تأسيسه، يطرح واقع البيت العراقي في فنلندا سؤالًا يتجاوز حدوده ليشمل مؤسسات الجاليات العراقية في المهجر:

كيف يمكن لهذه المؤسسات الحفاظ على رسالتها التاريخية، وتجديد أدواتها، واستقطاب الأجيال الجديدة بما يعزز ارتباطها بالهوية العراقية ويضمن استمرار دورها في خدمة الجالية؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ترتبط بقدرة مؤسسات الجاليات على التجدد، واستقطاب الشباب، وتطوير برامجها بما يواكب التحولات، لتظل حاضنة للهوية العراقية، ومنارة للعمل الثقافي والاجتماعي، وجسرًا للتواصل مع المجتمعات التي يعيش فيها العراقيون.

 

*نشر في صفحة (جاليات عراقية) في طريق الشعب عدد يوم 16 آب 2026