
حوار صحفي مع الشاعرة والأديبة الليبية (نينا السرتاوي)
حوار/ الأديب عطا درغام
♦️ المحور الأول: ثنائية لغة الأرقام وسحر الكلمة (التكوين والبدايات)
1- من مدرجات الرياضيات والإحصاء إلى فضاءات الهايكو والنثر، كيف تتقاطع دقة الأرقام الصارمة مع عفوية الحرف ورهافته في عوالمكِ الإبداعية؟
🌎 لا أرى أنني أنسلخ عن إحدى الهيئتين؛ لأنهما في النهاية تنتميان إلى الكينونة نفسها: الأنا. فالكاتبة، إن لم تكن إنسانةً مثقفةً، وتحسب حسابًا لكل المواقف الذهنية والملموسة، فلن يكون لها أثرٌ حقيقي في الوسط الأدبي. والشاعرة، إن لم تمسّ شغفَ الفراغ، فلن تكتب إلا للفسحات المتاحة التي غالبًا ما تُهمّش الدواخل.لذلك، أفتخر جدًا بإنسانيتي، وفكري، وحسّي الذهني؛ بروحي وجسدي، ما دام النبض .
2- هل ساعدكِ تخصصكِ العلمي (الرياضيات) في صياغة المعادلة اللغوية المكثفة التي يتطلبها شعر الهايكو الياباني؟
🌍 العامل المشترك الذي يجمع بين رياضياتي وكتاباتي هو الشغف الضمني الذي يدركني في كل وقت، وفي كل خطوة، ويجعلني أشعر بالتوازن الروحي؛ لأكتب بكامل عقلانيتي، وأعي جيدًا أبعادَ وعمقَ ما يجود به قلمي وشعوري.
فالكتابة المجرّدة، في سياق ما أكتبه، يمكن أن تكون منزوعةَ الوجد أو معرّاةً عن كونها حقيقةً، ولكن لها فلسفة ونظرية ومعنى، مسموح لأي قارئ الوقوف عندها ولمسها، وخلق التباسٍ لذيذ لهذه اللاحقة الفكرية، اللفظية، الشعورية، لأبجدية روحي.
ولعل هذا ما جعلني أجد في الهايكو مساحةً تلتقي فيها دقة العقل مع حساسية الروح؛ فالقليل من الكلمات قد يحمل اتساعًا لا يقل عن اتساع المعادلة.»
3- كمعلمة ثانوية، كيف ترين تأثير هذا الاحتكاك اليومي مع الأجيال الشابة على تجديد قاموسكِ اللغوي ومواضيعكِ الشعرية؟
🌍 شخصيتي العلمية تتأثر كثيرًا، أو تميل إلى الوجدانية؛ فمن خلال ما أقدّمه من منهجٍ معقّد، كما يظن أغلب الطلبة، فإن هذا المزج بين أرقامي وحروفي خلق مني روحًا محبوبة، قريبة، ناضجة، تعي جيدًا ما تقول وما تشعر.
والاحتكاك اليومي بهم يفتح لي نوافذ جديدة على اللغة والحياة؛ فلكل جيل مفرداته، وأسئلته، وطريقته الخاصة في النظر إلى الأشياء. وربما لهذا الحضور الشاب أثرٌ في تجديد بعض مفرداتي وملامسة موضوعاتٍ شعرية لم أكن لأراها بالطريقة نفسها لولاهم.
4- بدأتِ الكتابة في أنواع أدبية متعددة (قصص قصيرة جداً، تخاطر، شعر)؛ ما هو الخيط الخفي الذي يربط بين كل هذه الأنماط في حبركِ؟
🌍 ربما ما يميّز كتاباتي، في جميع أنماط الأدب التي اخترتُ الكتابة فيها، هو العمق والتكثيف والاختزال، الذي ورثته عن فطرتي الشفيفة جدًا، وعشقي للتخاطر مع الأطياف والظلال، وخلق عالمٍ خاصّ بملذّاتي الشعورية.
5- في نصوصكِ وجدانية واضحة، كيف تشكلت الشرارة الأولى لوعيكِ الأدبي في البيئة الثقافية الليبية؟
🌍 ولدت لهفتي للكتابة منذ نعومة أظفاري، وكان هذا الشغف الشفيف مرئيًا جدًا لأسرتي؛ فقد كنت الطفلة الحساسة التي تمارس هذيان أي رواية أو خاطرة، أو حتى موقفٍ لمس دواخلي. ومن هذا الاختلاج أدركت أنني سابقةُ نبضٍ ولازمةُ دفءٍ لكل التفاصيل من حولي.أما عن وعيي الأدبي، فالكتابة موهبة روحي. لم أفكّر حينها: من سأكون أدبيًا في مجتمعي؟ بقدر ما كان يهمني: أين أنا من كل ما أكتب؟...
♦️ المحور الثاني: ريادة الهايكو والأنماط اليابانية (البناء الجمالي والأسلوب) ؟
6- كتبتِ الهايكو، التانكا، الدبابات، والهايبون؛ ما هي التحديات التي واجهتكِ لتوطين هذه القوالب اليابانية العريقة داخل التربةالإبداعية العربية؟
🌍 لن أقول إنني اصطدمت بهيكلية الشعر الحديث عامةً، وبالهايكو وأجناسه خاصةً، بل كانت مصافحةً صدفةً من خلال قراءتي لنص هايكو في متصفح صديقٍ لي، كان ولا يزال أديبًا وناقدًا ومحللًا أدبيًا
كبيرآ في بلده المغرب، وفي كافة أرجاء العالم العربي.
كان نصًا عميقًا اجتاحني برجفةٍ ودفءٍ في آنٍ واحد؛ فكان أن سألته: «ما هذا النوع من الكتابة، يا صديقي؟»
ومن هنا بدأ ولعي بالهايكو، وبمشهدياته التي توظّف شعوري وتؤدي به إلى الدهشة والمفارقة
التي يناشد بها نصُّ الهايكو.
ومن هنا كانت بدايتي كتلميذةٍ للأديب الهايكست والمدقق اللغوي عبد الرحمن أبو طيب، من المغرب
الى أن مضيت إلى خصوصية النص ...
7- كتابكِ «الأطباق الطائرة» يقدم تجربة مبتكرة لـ "هايكو الخيال العلمي"؛ كيف خطرت لكِ فكرة دمج الفضاء والعلوم بالقصيدة الخاطفة؟
🌍 كانت عبارةً عن مناداةٍ أدبية من خلال تحديات كتابة الهايكو في نادي الهايكو العربي، الذي كان يؤسسه الأديب والهايكست الذي تبنّى نصوصي، الأستاذ محمود الرجبي من الأردن.وساعدتني هذه الفقرات في إنشاء عالمٍ خاص بالخيال العلمي وفضاءاتٍ أخرى تُطرح في سياق مشهديات، تُعرَض في السطر الأول من نص الهايكو، وأقوم بتوظيفها بما يخالج نبضي...
8- يتميز ديوانكِ «هسهسة الريح» بالتقاط اللحظة العابرة وتكثيف الدهشة، ما هي فلسفتكِ الخاصة في تحويل العادي واليومي إلى نص شعري مدهش؟
🌍 في سبيل نزعةٍ انسيابية لكتابة الهايكو، وجدتني لا أبحث فقط عن مسافاتٍ أو صورٍ أو تصوّرٍ يخدم المشهد فحسب، بل أجدني أدمنت الانتهاء بالدهشة في كل نصٍّ أكتبه.ومن هنا أعترف أن فلسفة الهايكو لمست في روحي رؤى لا تُرى بالعين المجرّدة، بل يراها بي كلُّ من قرأ لي من نصوص.دعنا نقول إنه تحوّرٌ بدلًا من تحوّل؛ لأن النقلة هنا راغبةٌ أكثر من كونها صاخبة، وواعيةٌ أكثر من كونها راعيةً لحقوق وشروط كتابة الهايكو.ولا أعتقد أنني سأتوقف عمّا أريد ملامسته في نصوصي، وهذا ما يجعلها تُعنى ببصمة نبضي فقط...
9- في كتابكِ «أنيموني، زهرة الريح»، جمعتِ بين الهايكو والتانكا؛ كيف توازنين بين التكثيف الشديد للهايكو وامتداد العاطفة في التانكا؟
🌍 لوهلة، يرى القارئ أو متذوّق الهايكو أن كتابة نصٍّ قصير لا تكلّف كثيرًا، بينما تزداد صعوبة اختيار الكلمات ومزامنة المشهديات بما يناسب ويتناسب مع هيكلية نص الهايكو.
فأجد أنني أخلق في كل نصٍّ فسحةً خاصة تكتمل فيها فلسفة الطبيعة مع واقعية اللحظة، في حالةٍ ذهانية حاضرة، وحبكةٍ فنية تشتمل على المفارقة والدهشة، لمنح النص سمةً وسعةً من التشويق.
ولا تختلف الأدوات هنا في كتابة الهايكو عن كتابة التانكا؛ فالأخيرة تحمل في جوفها نصَّ هايكو، تم منحه مساحةً فنيةً شعوريةً أكثر مرونةً بقليل من الاختزال الذي ينصّ عليه الهايكو، مع المحافظة على روح المشهد...
10- هل ترين أن قصيدة الهايكو العربية اليوم استطاعت أن تفرض نفسها كجنس أدبي مستقل ومعترف به في المشهد الثقافي العربي؟
🌍 من خلال تجربتي الأدبية، ربما لا يتفق معي بعض الأدباء في هذه الرؤية، وهي أن الهايكو العربي وُلد في ظروفٍ مشروطة بكتابة الهايكو الياباني الأم.والجدير بالاعتراف أن الهايكو العربي أضاف إلى قصيدة الهايكو عمقًا وبلاغةً لم نلمسهما في النص الأصلي، ولاختلاف اللغة والترجمة هنا أيضًا دورٌ فعّال في انسلاخ النصين عن بعضهما فنيًا، مع اكتمال الروح في كليهما، بالرغم من أنهما النص نفسه بلغتين مختلفتين. وهذا أيضًا أضاف مسحةً جماليةً تُعنى بها أبجدية الكتابة فيهما.
أما عن اعتراف المشهد الثقافي العربي بالهايكو، ففي الحقيقة لا يزال مريبًا. وبالشعر الحديث عامةً، أرى عدم قبول مجتمعاتنا الأدبية للجديد من الأنماط والثقافات، ويفضّلون الخوض في ذات النثر كما اعتاده كبار القوم في هذا المجال.
وهذا لا يعني أن الهايكو كتابةٌ عارية، بل سيشرق دفء هذه القصيدة يومًا، ويداعب كل المواسم، ويعيد عولمة الواقع والخيال...
♦️ المحور الثالث: فلسفة الفراغ والعدم وقضايا الذات
11 - يحمل ديوانكِ الورقي عنوان «عروس الفراغ»، ويظهر الفراغ في نصوصكِ كحالة امتلاء شعوري؛ ماذا يعني "الفراغ" في معجمكِ الوجودي؟
🌍 في الإيحاء الذي يراه الكثيرون، أن «الفراغ»
عبارة عن «خواء» من كل التفاصيل، أختلف كثيرًا عنهم؛ لأنني أعتبره وطن عزلتي وملاذ شعوري الذي أنتمي إليه.ففي هذا الامتلاء فقط، أعانق حبيب كتاباتي، وألامس شوقي، وأداعب لهفتي، وأراقص شغفي، بعيدًا عن استحالة اللقاء وعنجهية الوجد.في هذا الفراغ، عدمٌ يحبني جدًا ويثير نبضي، فأرتجف وأنبض... ثم أبوح بكل هذا الدفء مني إليه.
فليَحْيَ فراغي إذن...
12- في نصكِ المتميز (أنا والأنا)، تتحدثين عن صراع مميت بداخل ضلوعكِ؛ هل الكتابة بالنسبة لكِ هي ساحة لتصفية هذا الصراع أم لتخليده؟
🌍 في كتاباتي أعيش متلازمة شوقٍ لا تنتهي، ولم أكن أعاتب وجدًا بعينه، بل كان فيضًا من الشجن الذي أعاشره طوال لهفتي للبوح، والذي يقرّبني رغم بُعده، ويمسّني رغم تلاشيه.أنا هنا بيني وبين الأنا والأنت، الذي لا أستطيع معانقته دون ذراعين... بل دونما جسد.فأسعى لتخليده من حولي إلى حولٍ آخر، ألتمس روحه لحظة مساكنته لروحي وإبقاء ماتلاشى بيننا.... حيآ ..
13- تقولين في نصوصكِ: "حتى لا يرى ضعفي أحد... لن يشفق عليّ أحد"؛ إلى أي مدى يمثل الكتمان والنبل الإنساني دافعاً أساسياً للكتابة لديكِ؟
🌍 وُلدتُ بروحٍ عاطفيةٍ جدًا، ناضجةٍ ومدركةٍ رغم عفويتها، ونظرًا للثقة بالنفس الملموسة في شخصيتي، أمنحها أمانًا وأمنًا وتصالحًا أرى أنه لن يقدّمه لي أحد يومًا.كثيرًا ما أذبل رغم ازدهار روحي وجسدي، حتى لا أرغب في مزامنة هذا الوهن، ولكنني أحترمه جدًا كمرحلةٍ من مراحل إعادة تشكيل دواخلي، وأعتبر انكساري وحزني طارئًا يخصني وحدي؛ يعبرني وأعبره بصمتي، دون النيل من وجد ؛ إنسانيتي، الأقرب من ملامحي إليّ...
14- في نص (أحبك)، تصلين إلى حب "اللا روح... اللا جسد... اللا أحد"؛ هل هو هروب من الواقع إلى الصوفية المطلقة، أم هو بحث عن حب مثالي لا يوجد إلا في الشعر؟
🌍 الصوفية هالةٌ شعوريةٌ تحتضنها كتاباتي، وأراها أصدق السبل للتواصل والتواؤم مع الأنا والآخر.ولا أعتبر هذا الطفوح هروبًا؛ لأن جلَّ ما تناشد به الكتابة الصوفية هو احترام الروح. وأنا على يقين أن هناك روحًا أخرى ستبادلني هذا التوحّد والاستكانة
يومًا ما...
فإلى لقاءٍ روحيٍّ مؤجّل...
15- كتابكِ الورقي «لم تزهر روحي» يحمل نبرة اغتراب وحزن واضحة؛ كيف يمكن للشعر أن يكون أداة لترميم انكسارات الروح وجعلها "تزهر" مجدداً؟
🌍 بطابعه السيكولوجي، فالبوح كتابةٌ كثيرًا ما كانت ولا تزال ملاذًا ولجوءًا أكثر طمأنينةً لروح الشاعر، وطلبًا للاستقرار النفسي، من مجرد كونه تخاطرًا مفتعلًا أو منساقًا عن طارئٍ ما؛ لأن الأول وليد نبضٍ حقيقي، مزمنٍ أحيانًا أو متصاعد، والأخير وليد حدثٍ ذهاني، غالبًا ما يكون مؤقتًا، قد يطرق اللحظة التي خرج فيها النص عن صمته.إذن، بالنسبة لي، في الحالتين، لن ولم يكن البوح أداةَ ترميم، بل كان قرينًا لمرادفات شجنٍ وأحاسيسَ دفينة، على لسان روحٍ لا تشيخ أبدًا، كروحي.....
♦️ المحور الرابع: الترجمة الروحية والدبلوماسية الثقافية العالمية
16- أنتِ لا تترجمين الكلمات بل تصفين عملكِ بـ "ترجمة روح النصوص"؛ ما هو الفرق الجوهري بين الترجمة الأكاديمية والترجمة الروحية العابرة للغات؟
🌍 تعتبر ترجمةُ روح النص أكثر توفيقًا وقربًا إلى هوية ما ينثره الشاعر وما يخالج نبضه في ذات اللحظة التي وُلد فيها النص، وهذا يضعني أمام مسؤوليةٍ كبيرة عن مدى مزامنة حالةٍ شعريةٍ وبلاغةِ لفظٍ تصاحبني في ترجماتي لنصوص شعراء آخرين، لأحتويها كما هي في قالبها الروحي، بعيدًا عن الترجمة التقليدية.وهذا النوع يُعدّ من أصعب القراءات التي تواجهني، في مدى قبولي لترجمات آخرين لنصوصي؛ فقد تضيع فيها الروح، ويتغيّر سياق النص من الدهشة إلى السكون.....
17 تُرجمت أعمالكِ إلى لغات عالمية كالإنجليزية، الفرنسية، والروسية؛ كيف تجدين صدى قصيدتكِ الليبية العربية عندما تلبس ثوباً بلغة أخرى؟
🌍 الجدير بالذكر أن قصيدة الهايكو في أصولها شعرٌ شعبيٌّ ياباني، وهي تشبه كثيرًا قصيدةً مختزلةً من الشعر الشعبي الليبي تُسمّى «أغاني العلم»، ولذا لا يُعدّ اندماجي في كتابة مشهدياتي طابعًا أدبيًا مغتربًا عني.فتراثنا الشعبي غنيٌّ جدًا جدًا بالبلاغة والتكثيف والمفارقة، وهنا تتفق فنيًا مع قصيدة الهايكو في بعض الأدوات والشروط.وفي كل ترجمةٍ ولغةٍ لنصٍّ من نصوصي، أكشف عن عذوبةِ تصوّرٍ تخصّ اللغة المترجم إليها؛ فالروح واحدة، ولكن بعض التأويلات تمنح القصيدة هويةً وبصمةً تتصل فيها روح الشاعر وروح المترجم دون لقاء...
18- من خلال موقعكِ كمسؤولة عن مجلة "بنغلا" اللندنية وسفيرة أدبية في مجلة أمريكية؛ كيف تقيمين جسور التواصل الثقافي بين الأدب العربي المعاصر والغرب؟
🌍 أرث عن فطرتي وشغفي بالقراءة رحابةَ فكرٍ شاسعةً تمثلني عربيًا وعالميًا.وبما أن لغة التواصل بيني وبين ثقافاتٍ أخرى كانت اللغةَ الإنجليزية، فكنت أجتهد، من خلال دوري كمسؤولةٍ في منتدى هايكو من كل العالم، للتعرّف إلى أكبر عددٍ من الأدباء العالميين. وكان لي فخر التعاون الأدبي، والنشر الورقي والإلكتروني حول العالم، وتشرفت بترجماتهم وقراءتهم لنصوصي، وقراءاتي وترجماتي لنصوصهم.يسعدني هذا الصدى الفكري الذي يرافق رحلتي الأدبية في البحث عن ذاتي في النص...
19- حزتِ على جوائز في أندية عالمية وحصلتِ على فرص نشر ورقية في اليابان وأمريكا وإسبانيا وروسيا؛ ما الذي ينقص الأديب العربي اليوم ليصل إلى هذه العالمية؟
🌍 لن أقول إننا بخيرٍ ثقافيًا على الصعيد العربي؛ فالانقطاع عن مواكبة كل جديد أعتبره جهلًا.وفي ركنٍ آخر، أرى ظلالًا أدبيةً فخمة وُلدت مهمّشةً في أوطانها، ولم تلقَ حظها من الظهور والشهرة، حتى بسبب احتكار الساحة الأدبية للونٍ أو لشخصنةٍ معيّنة.
وأعتقد أن ما ينقص الأديب العربي اليوم هو مساحةٌ حقيقية للظهور، ومؤسساتٌ ثقافية تؤمن بالتنوع، وفرصٌ عادلةٌ تتجاوز الأسماء المكرّسة إلى النص ذاته؛ فالعالم لا يحتاج إلى أديبٍ يشبه غيره، بل إلى صوتٍ يحمل خصوصيته ويستطيع أن يصل بها إلى الآخر.
وأتمنى أن يزول يومًا هذا الغباش، وتعبر الإبداعات العربية والليبية كلَّ العالم بحرية...
20- كتابكِ «طينة أنا» صدر باللغتين العربية والإنجليزية عن نادي الهايكو العربي؛ كيف استقبل القارئ الغربي فلسفة "الطين" والعودة للجذور التي طرحتها؟
🌍 إصداري الهايكوي الإلكتروني «طينة أنا» كان الاسم من مسمّياتي، وهو يحمل شعائر عدة؛ إحداها توثّق بيئة ولادة نص الهايكو وموطن نبضه: «الطبيعة». ومن هنا وظّفت كلمة «الطين» كتعبيرٍ لفظي لمجاز هيئة روحٍ تتخلّق غيابيًا في نصوصي، وما أجمل فلسفة الروح والجسد في الالتقاء والانتهاء...
وأظن أن هذا المجاز لا يخصّ بيئتي وحدها؛ فالطين ذاكرةٌ إنسانية مشتركة، ومنه تبدأ حكاية الإنسان مع الأرض، وفيه تلتقي فكرة الجذر بالتحوّل، والمادة بالروح. لذلك حين انتقلت «طينة أنا» إلى لغة أخرى، لم أكن أبحث عن نقل الكلمة فقط، بل عن إيصال ذلك الشعور الكامن خلفها؛ فالقارئ قد لا ينتمي إلى أرضي، لكنه يستطيع أن يتعرّف إلى جذره الإنساني فيها.وربما كان هذا هو أجمل ما تمنحه الترجمة: أن تحمل خصوصية المكان إلى فضاءٍ عالمي، دون أن تفقد النص هويته أو روحه...
♦️ المحور الخامس: آفاق الحضور الثقافي والمستقبل الأدبي
21- تجمعين بين النشر الورقي («لم تزهر روحي»، «عروس الفراغ») والنشر الإلكتروني الرقمي؛ أيهما تراهنين عليه أكثر لضمان خلود النص الأدبي؟
🌍 أنا أكتب بيقين توقّع الأجمل والأبقى، لا للمراهنة على صدى حرفي؛ فمنذ البداية كانت الكتابة
بالنسبة لي امتلاءً، ولن أحتاج مساحةً كذاكرةٍ إنسانيةٍ تخصني بالذكر.فخلود النص الأدبي يعتمد على العائد من دقّة الرهان، بدلًا من نتاج «الربح أو الخسارة». ولن يغيّر انتمائي لنمطٍ أدبيٍّ قائمٍ ومن يقيني بأن النص الحقيقي هو الذي يجد طريقه إلى ذاكرة القارئ، سواء وُلد على الورق أم عبر شاشة؛ فالوسيط قد يتغيّر، لكن ما يبقى هو الأثر.وربما لهذا لا أراهن على الورقي أو الرقمي بقدر ما أراهن على أن يترك النص شيئًا مني في روح من يقرأه، ثم يمضي أبعد مني...فالكتابة إكتفاء ليست سباقًا نحو الشهرة أو الخلود ....
22- كيف ترين واقع الحراك الثقافي والأدبي النسوي في ليبيا والعالم العربي حالياً، وهل نال حقه من النقد والدراسة؟
🌍 أرى رواجًا وتوهجًا عربيًا وعالميًا للحراك الثقافي النسوي الليبي والعربي؛ فعلى الصعيد الوطني، أفتخر جدًا بأقلامٍ لها بصمة على الصعيد الثقافي والفكري، في الرواية وكافة أنواع الشعر، رغم عدم حصولهن على فرص التعاطي مع الآخر، ورغم المحاولات الضئيلة في دعمهن أدبيًا.وأرى مواكبةً واجتهادًا عربيًا في كتابة الشعر الحديث، خاصةً الهايكو، بحسٍّ وهويةٍ مميزة، تجعلني فخورةً بكل الصديقات في هذا الشغف.ورغم هذا الحضور والتوهج، أعتقد أن كثيرًا من هذه التجارب ما زالت بحاجة إلى نقدٍ ودراسةٍ أكثر إنصافًا، تحفظ للأقلام النسوية حقها في أن تُقرأ بوصفها تجارب أدبية قائمة بذاتها، لا بوصفها مجرد حضورٍ نسوي في المشهد...
23- شاركتِ في العديد من النوادي العالمية؛ كيف تساهم هذه التجمعات الرقمية والدولية في صقل موهبة الشاعر وتوسيع مداركه؟
🌍 هذه المطارح الأدبية تلهمني وتصقل أبجدية حرفي وشعوري، من خلال التواصل والتناغم مع ثقافات وأساليب متنوعة في السرد.
وهذا الكم الكبير من الصفحات هو فضاءات نبضي؛ كثيرًا ما أشعر أنني أكتب من اللاشيء إلى الشيء واللاشيء، وأخلق من مدياتي مدنًا للأحلام، أرفرف لها وبها كيفما أشاء.
وفي كل لقاءٍ أدبي مع ثقافةٍ جديدة، أكتشف نافذةً أخرى للكتابة، وأتعلم أن اختلاف الرؤى لا يباعد بين الأرواح، بل يوسّع مساحة النص ويمنحه احتمالاتٍ أكثر للحياة...
24- ما هي النصيحة أو "المعادلة الرياضية الشعرية" التي تقدمينها للأقلام الشابة التي تحاول دخول عالم الهايكو والقصيدة الحديثة؟
🌍 القيمة الفكرية في رؤيتها كمحورٍ للعمل الأدبي في تناسبٍ عكسي؛ ويُعزى سبب هبوط بعض النصوص عن مسارها الأدبي، ربما إلى هشاشة الأبجديات المستخدمة في وصف الحالة الشعرية المناطة بالقصيدة، أو الإسراف في حشو النص بمشاهد ركيكة وتفاصيل لا تمسّ النبض، ليصبح النص فاقدًا روح الهمس، ومثقلًا بالمسافات الوهمية التي لا تصل بالقارئ إلى بدايةٍ أو نهايةٍ لرحلته الشرودية الخاصة، في تلقّي مدخلاتٍ يُفترض أن تُطرب فيه الإحساس.
أما صعودًا، فأنا أبدأ دائمًا مع السرد الذي يحافظ على جماليات أي لحظة، ويحفظ حقوق الهطل الإبداعي، لغةً وشرعًا.
وللقلم الشاب تحديدًا، أقول: لا تكتبوا ما تعرفونه فقط، بل اكتبوا ما تشعرون أنه يستحق أن يُرى من خلالكم؛ فالتكثيف ليس قِصر النص، والدهشة ليست غرابة العبارة، وإنما أن يصل النص إلى القارئ خفيفًا، عميقًا، ومحمّلًا بروحه...
25- بعد هذه الرحلة الحافلة بين الأرقام، الهايكو، الترجمة، والفضاء؛ ما هو المشروع الإبداعي الجديد الذي يختمر الآن في مخيلة نينا السرتاوي؟
🌍 لا تزال الرؤية والفكرة قيد الدراسة، ولكن أرى أن يكون إصداري الورقي القادم محتويًا على أجناسٍ أدبيةٍ متنوعة من كتاباتي، لا تقتصر على الهايكو. كما أن ملامح النثر لديّ صُقلت جيدًا، وتشبعت بمشهديات الهايكو وبلاغته وعمقه ودهشته، مما أعطى حرفي صبغةً مختلفة يدركها كل من مرّ بحروفي.
وكما سبق أن ذكرت، فأنا مع أي عروجٍ أدبييخدم اللغة والشعور، وضد أي تشويهٍ لأدبيات الشعوب الأخرى؛ فالشاعر الحقيقي يقطن في ربيعٍ دائم، ينبغي أن تزهر فيه كل ورود البوح، ولا يكفيه فصلٌ واحد.ولا رفرفة واحدة ولا عناق ولا رجفة
وبما أن عمري قصير في عالم الهايكو، الذي اعتنقت كتابته منذ 5 أعوام ، فقد عشت مراحل أغلب أطوار نموّه، الكمي والنوعي، وصولًا إلى نص التانكا والهايبون والتايكون، حيث كان متسعًا أكبر لشرودي ومحاكاتي ومصاحبتي للأطياف والظلال، وأنا بكامل التيه...وربما يكون مشروعي القادم مساحةً أوسع لهذه التجربة؛ كتابًا لا يفصل بين الهايكو والنثر وبقية الأجناس التي أكتبها، بل يجمعها في نسيجٍ واحد، تتجاور فيه المشهدية مع البوح، والتكثيف مع الامتداد، وتبقى فيه بصمة نينا السرتاوي هي الخيط الذي يصل بين كل هذه العوالم...
