بين أساطير الأجيال وشجاعة المسرح.. قراءة في عالم الكاتب محمد الشيخ

حوار عطا درغام

 

من قلب الجنوب الليبي النابض بالقصص والحكايا، وتحديداً من مدينة سبها، يبرز اسم الكاتب والإعلامي الشاب محمد الشيخ؛ كصوت أدبي وفني يرفض القوالب الجاهزة. لم يكتفِ باعتلاء خشبة المسرح كممثل، أو مخاطبة الجماهير عبر أثير الراديو، بل قرر أن يغرس ريشته في أرض الرعب والأسطورة عبر روايته الباكورة "فينغانزا: صحوة دراكولا". في هذا الحوار الشيق، نبحر معه في عوالم اللعنات المتوارثة، ونستكشف كيف تتداخل الفنون المسرحية والإعلامية لتشكل هويته الروائية الفريدة.

 

المحور الأول: "فينغانزا" وتفكيك أسطورة "دراكولا" من منظور محلي

1.اخترت أسطورة عالمية مستهلكة مثل "دراكولا" لتبدأ بها مسيرتك الروائية؛ كيف استطعت "تبييئ" هذه الشخصية الغربية لتشتبك مع تفاصيل وواقع القارئ العربي؟

دراكولا في في روايتي ليس هو نفسه مصاص الدماء المشهور، إنما تشابه أسماء فقط وهي شخصية ابتكرتها بنفسي ،وأطلقت عليها اسم دراكولا لصفة من صفاته، حيث إنه يحتمل درجات الحرارة العالية ،وحسب أحد التفسيرات لاسم دراكولا فمعناه "ابن التنين".

 

2."فينغانزا" تعني الانتقام باللاتينية؛ هل الانتقام في روايتك هو محرك للشخصيات أم هو لعنة جينية لا فكاك منها؟

لكل شخصية من شخصيات الرواية دافع للانتقام، ويسعون له ماعدى الشخصية الرئيسية أمل ،حيث أن لديها دافع للانتقام لكنها لا تسعى إليه ،حيث إنها لا ترى فيه إلا استمرارا لدائرة الحقد والكراهية.

 

3.الرواية تمزج بين الأسطورة والواقع، ما هو الخط الفاصل الذي رسمته لكي لا تتحول الرواية إلى محض خيال خرافى يفقد صلته بالواقع؟  

الخط الفاصل هو دوافع النفس البشرية ،كالطمع والحقد والكراهية ؛جميعها متجسدة في شخصيات الرواية. وهذا ما يجعل منها واقعية أكثر.

 

4.كيف يمكن لأدب الرعب أن يناقش قضايا مجتمعية أو نفسية عميقة دون أن يقع في فخ "الإثارة الرخيصة"؟

بالتأكيد، يمكنه ذلك عندما يلعب الكاتب بالكلمات والأفكار؛ ليجسدها من خلال تشكيلات مغايرة.

 

5.حفل توقيعك الأول كان في "مكتبة اليونسكو" بسبها؛ ما هي الرمزية التي شكلها هذا المكان تحديداً لولادة "دراكولا" الخاص بك؟

مكتبة اليونيسكو في سبها تعد صرح ثقافي عريق يجتمع فيه الكثير من هواة القراءة والأدب، ويمكن القول أنني بدأت بناء نفسي هناك ،وأيضا ساعدتني الكتب المتوفرة هناك لبناء عالم خاص بي.

 

المحور الثاني: "تجنب الندم" والعبور من القصة القصيرة إلى الرواية الطويلة

6.بدأت بقصة قصيرة تحمل اسم "تجنب الندم"؛ هل كانت كتابة رواية طويلة مثل "فينغانزا" محاولة لتجنب ندم أدبي آخر؟

كنت أكتب الروايات منذ مدة ،ولكن لم أكن أبرع في انتقاء المصطلحات والكلمات القوية والسرد كنت ضعيفًا فيه ؛فبدأت بكتابة القصص القصيرة ونشرها في مواقع التواصل ، ولكن قصة تجنب الندم لها أثر مختلف علي حيث إنني شاركت بها في مسابقات في السوشيال ميديا، وشاركت بها في كتاب مجمع.

 

7.في القصص المشتركة، يتجاور الكاتب مع أصوات أخرى؛ كيف ساعدتك تلك التجربة الجماعية في العثور على صوتك الروائي المنفرد؟

بصراحه ، عندما رأيت عملًا لي مطبوعًا في كتاب، زاد شغفي برؤية أعمالي الأدبية في رفوف المكتبات؛ فاقتحمت عالم الرواية وكتبت أول عمل لي مع أنه تم رفضه في البداية، ولكن ذلك لم يحبطني ،واستمريت في المحاولة حتى وجدت فرصتي.

 

8.القصة القصيرة تكثيف والقرية الطويلة ممتدة؛ ما هي أصعب "تنازلات" أدبية قدمتها أثناء انتقالك من التكثيف إلى التمديد الروائي؟

أصعب تنازل قدمته، هو أنني تركت جانبي المحب لكتابة القصص ،وأهملته في سبيل توسيع مداركي لتعلم كتابة الرواية.

 

9.هل ترى أن القصة القصيرة في ليبيا هي مجرد محطة قطار يعبرها الكتاب الشباب نحو "برستيج" الرواية؟

هناك من يعتبرها محطة ،وهناك من يتمسك بها ،فأغلب كتابنا الشباب يميلون لكتابة القصة القصيرة ،ولا تستهويهم الرواية.

 

10.لو عادت بك الأيام، هل كنت ستنشر "تجنب الندم" أولاً، أم كنت ستدفع بـ"فينغانزا" مباشرة إلى الواجهة؟

نشر قصة تجنب الندم أولا، قرار سأعيد اتخاذه دائمًا دون ندم.

 

المحور الثالث: من خشبة المسرح إلى الحبر الجاف (التقاطعات الفنية)

11.كممثل مسرحي شارك في المهرجان الوطني للفنون المسرحية، كيف تنعكس حركة الجسد وإيماءات الممثل على طريقة وصفك لحركات شخصياتك الروائية؟

هناك تدريب في المسرح عبارة عن النظر للمرآة والتحدث إليها، مع تعابير مختلفة ع.ندما كنت أحاول إيجاد يناسب حركة إحدي الشخصيات، أجد نفسي واقفًا أمام المرآة أمثل وأكتب.

 

12.المسرح يواجه الجمهور فورياً، بينما الرواية تواجهه من وراء ستار زمني؛ أين تجد شجاعتك الأكبر: فوق الخشبة أم أمام ورقة بيضاء؟

شجاعتي تظهر أكثر أمام الورقة.

 

13.هل كتبت حوارات "فينغانزا" بعقلية الممثل الذي يتخيل نطق الكلمات على المسرح، أم بعقلية الروائي الكلاسيكي؟

بعقلية الروائي الكلاسيكي.

 

14.إذا طُلب منك تحويل "فينغانزا" إلى عرض مسرحي، ما هي المشاهد التي ستضحي بها لأن المسرح لا يتسع لجموح الرعب الروائي؟

سأضحي بنصف العمل؛ لأن الخيال الذي كتبته لا يمكن تجسيده على خشبة المسرح . وبالتالي ستتقلص لمسرحية عن أب يبحث عن مكان هادئ يعيش فيه مع ابنته.

 

15.هل تشعر أحياناً أن المسرحي داخلك يسرق الأضواء من الروائي، أم أن هناك هدنة سرية بينهما؟

كانت هناك هدنة، ولكن حاليًا الروائي بدأ يستحوذ على الأضواء.

 

المحور الرابع: الميكروفون والورقة (تأثير الإعلام على الكاتب)

16.عملك كمعد ومقدم برامج راديو يفرض عليك الاختصار وجذب المستمع في ثوانٍ؛ كيف أثرت "سلطة الميكروفون" على إيقاع السرد في روايتك؟

أثرت بشكل كبير، حيث إنني وبعد مراجعتي لروايتي، وجدت أنني أسرعت في الأحداث ، وكان ذلك واضحًا.

 

17.الراديو يعتمد على الصوت والسمع، والرواية تعتمد على الحرف والنظر؛ كيف توظف "المؤثرات الصوتية" من خلال الكلمات المقروءة في "فينغانزا"؟

خلال الكتابة ،لا أظن أنني استطعت توظيف المؤثرات الصوتية.

 

18.هل ألهمتك قصص ومشاكل المستمعين التي تمر عليك في الراديو بخلق تفاصيل نفسية لشخصيات روايتك؟

لم أبق مدة طويلة في الراديو؛ فلم استمع لعدد كبير من القصص .ولكن عملي الحر في مخبز كان فيه إلهام، حيث استمعت لكثير من القصص.

 

19.أيهما أصعب بالنسبة لك: إقناع مستمع الراديو بفكرة في برنامج مباشر، أم إقناع قارئ بوجود مصاص دماء في القرن الحادي والعشرين؟

إقناع مستمع؛ الراديو أصعب.

 

20.كيف توازن وقتك وطاقتك الإبداعية بين العمل الإعلامي اليومي المرهق، وطقوس الكتابة الروائية التي تتطلب عزلة كاملة؟

خلال فترة عملي كمذيع، لم أكن أكتب .بل كنت أسخر نفسي طوال الوقت للتحضير للحلقات.

 

المحور الخامس : الخروج من سبها والمواجهة الأولى مع سوق النشر

21.أنت ابن مدينة "سبها" في الجنوب؛ هل ترى أن البيئة هناك تدعم الكاتب الشاب أم أنك شعرت بالمعاناة والعزلة حتى تخرج بروايتك الأولى للنور؟22

بالنسبة لمدينة سبها ، هي عبارة عن صندوق ضخم مليء بالأحداث والأفكار، التي تلهم أي كاتب ليكتب عنها.

 

22.. كشاب بدأ مسيرته في ظروف محلية صعبة؛ ما هي كواليس إقناع دار نشر خارج ليبيا (في مصر) لتبني طباعة وتوزيع رواية رعب لكاتب ليبي غير معروف بعد؟

بدأت بدار نشر سعودية، حيث إنهم لم يتركو لي مجالًا لإقناعهم؛ لأن الرفض أتى قاطعا, ولكن عندما بحثت عن دور النشر المصرية ، وجدت دار تدعى صفقات كتابيةأارسلت لهم العمل، ووافقوا عليه لكن بمقابل مع أنني كنت أمر بضائقة مالية في ذلك الوقت. لكن دار صفقات مدت يدها لي ، كأنها تقول أنت منا؛ فقد كانت بالنسبة لي كالمنقذ قمت باقتراض المبلغ وأرسلته لهم وباشرو االعمل على الرواية.

 

23. حفل توقيع "فينغانزا" في سبها حظى بحضور لافت؛ هل كان الحضور بدافع الفضول لدعم ابن مدينتهم، أم أن هناك شغفاً حقيقياً بأدب الرعب لدى الشباب هناك؟

كان الحضور لدعمي بكل تأكيد، حيث إنه كان لي كالبوابة أتى إعلاميون ووثقوا الحدث. وانتشر الخبر شاب من مدينة سبها يصدر أول رواية فنتازيا مظلمة .ومنذ ذلك الوقت أصبحت شبه معروف في ليبيا.

 

24. الكتابة، والمسرح، والراديو.. ثلاثة مجالات في مدينة واحدة؛ هل تشعر أنك تشتت نفسك في سباقات كثيرة، أم أن هذه النشاطات تكمل بعضها لتبني اسم "محمد الشيخ"؟

الظروف التي مررت بها في هذه المجالات القاسي منها والجميل، كانت حجر أساس لبناء شخصية محمد الشيخ الشاب، الذي وجد نفسه بعد سنوات من البحث.

 

25.. بعد أن وضعت قدمك على أول الطريق وصدرت روايتك الأولى؛ ما هو التحدي الأكبر الذي يواجهك الآن: هل هو كتابة عمل ثانٍ يتفوق على "فينغانزا"، أم إيصال روايتك الأولى لكل قارئ ليبي؟

أن تصل روايتي الأولى لكل قارئ ليبي وعربي.