بين مشرط المُحلل وعاطفة الأديب.. قراءة في فلسفة الوجع والوجود عند د. محمد خطيب

حوار عطا درغام

 

في زمن باتت فيه الكتابة أسيرة السرعة والتسطيح الرقمي، يصرّ الدكتور محمد خطيب على ركوب متن الصعب، محولاً الكلمة من مجرد أداة للتعبير إلى "مبضع جرّاح" يغوص عميقاً في دهاليز النفس الإنسانية وسيكولوجيتها المعقدة. كتاباته لا توفر طمأنينة مجانية للقارئ، بل تضعه في مواجهة مباشرة مع مراياه الداخلية، لتبحث في تلك المناطق الرمادية الفاصلة بين الوجود والعدم، وبين ما نظهره للعالم في وضح النهار وما نكتمه في عتمة الليل.

بين وعي الأكاديمي والمُحلل الذي يتأمل المشاعر بمسؤولية، وعاطفة الأديب التي تكتوي بنار الفكرة، ينسج د. محمد خطيب نصوصاً تمتاز بالتكثيف الشديد؛ حيث الأنسنة تطال الجمادات من حولنا، وحيث الحزن يُعاد تعريفه ليكون بوابتنا الوحيدة لصدق المشاعر. هو لا يكتب ليزجي الوقت، بل ليرمم نسخنا القديمة، وينقذ ذلك "الطفل الداخلي" الذي حاولت قسوة العالم تشويه براءته الأولى.

المحور الأول: "فلسفة الوجع والوجود" (تشريح الفكرة والمضمون)

1. في نصوصك، يظهر الحزن كـ "أغلى البضائع" التي تمنح الأشياء قيمتها. هل ترى أن الكتابة الوجدانية تحتاج بالضرورة إلى جرعة من الألم لتبلغ صدقها؟

لا. لكنها تحتاج إلى "وعيٍ بالألم". هناك فرق شاسع. أنا لا أكتب لأنني أنزف، أكتب لأنني أتذكر أنني نزفت يوماً وربما سأنزف لاحقاً. الكتابة ليست الجرح ذاته، إنها الندبة التي تحكي. والندبة أصدق من الجرح، لأن الجرح يصرخ، أما الندبة فتتأمل.

الفرح حين يُكتب بإخلاص، يكون موجعاً أيضاً. جرّب أن تكتب عن لحظة سعادة خالصة دون أن يلسعك الحنين إليها. ستكتشف أن كل فرحٍ حقيقي يحمل في طياته بذرة فقده. فليس الألم شرطاً للصدق، بل "الانتباه" هو الشرط.

 

2. وصفتَ الإنسان في أحد النصوص بأنه "مقبرة للذوات التي كناّها وماتت فينا"؛ كيف يمكن للمرء أن يتصالح مع هذه المقبرة الداخلية دون أن يسقط في فخ الاغتراب؟

لا يتصالح. هذه هي الكذبة التي نبيعها لأنفسنا. لا أحد يتصالح مع مقبرة، لكننا نتعلم أن نمرّ بها دون أن نتوقف عند كل قبر.

كنتُ أظن أن النضج يعني أن أدفن هؤلاء الموتى بإحكام. ثم اكتشفت أن النضج الحقيقي هو أن أترك لهم نافذة. أن أقول للطفل الذي كنته: "أنا أعرف أنك هناك، ولا أنكر أنك كنتَ أجمل مني." الاغتراب لا يحدث لأن المقبرة موجودة، بل يحدث حين نتظاهر بأنها غير موجودة.

 

3. يتكرر لديك مفهوم "البرزخ" لوصف الغياب أو المشاعر المعلقة؛ ما الذي يغري قلمك في هذه المنطقة الرمادية الفاصلة بين الوجود والعدم؟

البرزخ هو المكان الوحيد الذي لا يكذب فيه أحد. في الوجود المادي، نحن مضطرون أن نرتدي أقنعة. في العدم، لا أحد هناك ليرى. لكن في البرزخ، في تلك المسافة بين "كنتُ" و"لن أكون"، تسقط كل الأقنعة.

الغياب ليس فراغاً. الغياب امتلاء من نوع آخر. حين يغيب شخص، لا يترك مكانه فارغاً، بل يملؤه بحضورٍ أثقل من حضوره ذاته. هذا ما يغريني: الكتابة عن الشيء وهو ليس هنا، عن اليد وهي لم تعد تُلمس، عن الصوت وهو صار صدى.

 

4. هل تعتقد أن "النسخ القديمة" منا (كالطفل أو المراهق) تظل حية وتتحدث إلينا في العتمة، أم أننا بالفعل نقتلها لكي نعيش واقعنا؟

لا تظل حية. لكنها لا تموت أيضاً. هذا هو البرزخ الذي حدثتك عنه. الطفل الذي كنته لا يتحدث إليّ في العتمة، لكنه يترك لي رسائل. أحياناً أجد نفسي أبكي لسبب لا أفهمه، ثم أدرك أنه هو الذي يبكي بداخلي لأن أحداً لم يسأله يوماً: "هل أنت بخير؟"

نحن لا نقتل نسخنا القديمة. نحن نُسكتها. والفرق بين القتل والإسكات أن المقتول لا يعود، أما المُسكَت فيعود في أول لحظة ضعف.

 

5. عندما يفقد الفرح طعمه بسبب غياب الألم، هل تصبح الطمأنينة المطلقة نوعاً من "البلادة النفسية" التي يهرب منها المبدع؟

الطمأنينة المطلقة موتٌ صغير. المبدع لا يهرب من الألم، لكنه يهرب من "اللاشيء". أن تشعر بكل شيء، حتى لو كان مؤلماً، خير من أن تشعر بلا شيء. البلادة هي العدو الحقيقي، ليست الحزن.أنا لا أبحث عن الوجع. لكنني أرتاب حين لا أشعر بشيء. أرتاب كأن الحياة مرت بي ولم تلمسني.

المحور الثاني: "مشرط الجرّاح وسيكولوجية النص" (البُعد النفسي)

 

6. نصوصك تبدو أحياناً كجلسة تحليل نفسي مكثفة؛ هل تكتب لتفهم نفسك أولاً، أم لتضع مرآة مواجهة أمام القارئ؟

أكتب لأفهم نفسي. هذه هي الأنانية الأولى. لكن حين أنشر، أضع مرآة. الفرق أنني حين أكتب، لا أعرف أنني أكتب لك. أعرف أنني أكتب لنفسي. ثم يأتي قارئ ويقول: "هذا أنا." فأفاجأ. لأنني لم أكن أكتبه. كنت أكتبني. لكن يبدو أننا نتشابه في جراحنا أكثر مما نتشابه في أفراحنا.

 

7. في حوار "الرجل والطفل"، ألقى الرجل باللوم على "العالم الذي قتل الطفل قبل أن يصل إليه". هل الأدب عندك هو محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من براءتنا الأولى؟

لا. الأدب لا يُنقذ. الأدب يُسمّي. هناك فرق. حين أقول: "العالم قتل الطفل"، أنا لا أنقذ الطفل. أنا أقيم له جنازة لائقة. أضع اسماً على القاتل. والطفل لا يعود، لكنه لم يعد يُقتل في صمت.ربما هذا أقصى ما يمكن للأدب أن يفعله: أن لا يسمح للوجع أن يمرّ بلا شاهد.

 

8. كيف يوازن أ. محمد خطيب بين وعي الكاتب المُحلل الذي يتأمل المشاعر، وبين عاطفة الشاعر التي تكتوي بها؟

لا يوازن. هذه كذبة أخرى. لا يوجد توازن. يوجد "تناوب". أحياناً أكون الجراح، أشرح الجملة كما تُشرَّح جثة، وأقول: "هنا تكمن العقدة." وأحياناً أكون المريض على الطاولة، أصرخ ولا أعرف لماذا.

الحقيقة؟ أنا أكتب بعاطفة الشاعر، ثم أعود في اليوم التالي بعين الجراح وأحذف نصف ما كتبت. العاطفة تكتب، والوعي يُنقّح. لكنهما لا يجلسان على الطاولة ذاتها في الوقت نفسه.

 

9. صراعات الليل في نصوصك تفضح أقنعة النهار (النجاح، السعادة، الجمال). كيف ترى معركة الإنسان اليومية بين "الأنا الاجتماعية" و"الحقيقة المكبوتة"؟

الليل لا يفضح الأقنعة. الليل يخلعها. هناك فرق. في النهار، أنا أختار أن أرتدي القناع. في الليل، القناع يسقط لأنني تعبت من حمله.

الأنا الاجتماعية ليست كذبة. إنها ضرورية. لكن المشكلة تبدأ حين ننسى أن هناك وجهاً تحت القناع. أنا لا أكتب ضد الأقنعة. أكتب كي لا ننسى الوجه.

 

10. متى يتحول "الغياب" من مجرد ظرف طارئ أو خسارة عاطفية إلى "وطن وهُوية بديلة" يسكنها الإنسان؟

حين تتوقف عن انتظار العودة. هذه هي اللحظة. ما دمت تنتظر، فالغياب مؤقت. لكن حين تستيقظ يوماً وتكتشف أنك لم تعد تنتظر، وأن هذا الفراغ صار له طعم، ورائحة، وطقوس يومية... هنا يصبح الغياب وطناً.لا نسكن الغياب. الغياب هو الذي يسكننا. ويبدأ في تأثيث غرفنا الداخلية بطريقته.

المحور الثالث: "معمار الكلمة وأنسنة الأشياء" (الأسلوب والأدوات الفنية)

 

11. تعتمد بشكل كبير على "تقنية الإضراب" (ليس كذا... بل هو كذا) لإعادة تعريف الأشياء؛ لماذا تفضل هدم المعاني المادية الجاهزة لبناء معانٍ شعورية بديلة؟

لأن العالم يبيعني تعريفاً جاهزاً لكل شيء، وأنا لا أشتري. يقولون: "الحب هو كذا." فأقول: "لا. الحب ليس كذا. الحب هو ذلك الشيء الذي يحدث حين تسقط كل التعريفات."

الإضراب ليس أسلوباً أدبياً عندي. إنه موقف وجودي. أنا أرفض أن أستعير عيون الآخرين لأرى بها. أريد أن أرى بعيني، حتى لو كانت الرؤية مشوشة. التعريف الجاهز قتلٌ للمعنى. والإضراب إحياء له.

 

12. المرايا، النوافذ، فنجان القهوة، السرير... كلها جمادات تنبض بالمشاعر في نصوصك. كيف تولد هذه "الأنسنة" في مخيلتك، وكيف تختار جماداتك؟

لا أختار الجمادات. هي التي تختارني. فنجان القهوة ليس عندي فنجاناً. إنه الشاهد الوحيد على صباحاتي التي لم يرها أحد. السرير ليس خشباً وقماشاً. إنه المكان الوحيد الذي أسمح فيه لنفسي أن أكون بلا دور.

الأنسنة لا تأتي من قرار. تأتي من "عِشرة". حين تعيش مع شيء بما يكفي، يبدأ يتكلم. المشكلة أن معظم الناس لا يعيشون مع أشياءهم. يستهلكونها. وأنا لا أستهلك. أنا أسكن.

 

13. تكتب الومضة القصيرة جداً بجانب قصيدة النثر الطويلة؛ في أي القالبين تجد حرية أكبر، ومتى تشعر أن الفكرة لا تحتمل سوى "ومضة خاطفة"؟

الومضة صفعة. قصيدة النثر احتضان. أحياناً تحتاج أن تصفع القارئ ليستيقظ. وأحياناً تحتاج أن تحتضنه ليعترف.

الفكرة لا "تحتمل" الومضة. الفكرة "تفرض" الومضة. حين تأتي الجملة كاملة، دفعة واحدة، بلا زيادة ولا نقصان، أعرف أنها ومضة. وحين تأتي الفكرة وهي تتنفس، وتتردد، وتعود وتذهب، أعرف أنها تحتاج مساحة. لا أختار القالب. القالب يختارني.

 

14. لغتك مكثفة جداً ولا تحتمل الزوائد. ما هي طقوسك في تنقيب النص وتصفية الحبر ليبقى الصافي والعميق فقط؟

أكتب كثيراً. ثم أحذف أكثر. القاعدة عندي: إذا استطعت حذف كلمة دون أن يختل المعنى، أحذفها. إذا استطعت حذف جملة كاملة، أحذفها. أبقي على ما لا يمكن حذفه.النص الجيد ليس ما لا يمكن أن تضيف إليه. النص الجيد هو ما لا يمكن أن تحذف منه. أجلس مع النص أياماً. أقرأه بصوت عالٍ. إذا تعثرت في كلمة، أحذفها. إذا شعرت أنني أشرح للقارئ، أحذف الشرح. أريد أن يمشي القارئ في النص حافياً، يشعر بكل حجر.

 

15. في قصيدتك المستوحاة من الشاعرة سميحة عطية، كيف ترى جدلية "التناص" أو الحوار الأدبي بين كتابتين تلتقيان في وجع واحد؟

التناص ليس سرقة. إنه اعتراف. حين أكتب مستوحياً من نصٍ لسميحة عطية، أنا أقول: "هذا الوجع ليس ملكي وحدي. هناك من سبقني إليه، وكتبه بدم آخر."

التناص هو أن تكتشف أنك لست وحدك في الغرفة المظلمة. هناك شخص آخر يبكي في الزاوية المقابلة. فتقول له: "أسمعك." ويصير البكاء مشتركاً. والوجع المشترك أخف. ليس لأنه قلّ، بل لأنك لم تعد تحمله وحدك.

المحور الرابع: "الكتابة في عصر التشتت الرقمي" (الفضاء الإلكتروني والجمهور)

 

16.حسابك الشخصي يجمع بين المحتوى التربوي/ التوجيهي وبين النص الأدبي الفلسفي الغارق في الذاتية؛ كيف يوفق محمد خطيب بين "الموجه الواقعي" و"الأديب الحالم"؟

لا يوجد توفيق. يوجد "إنسان واحد". أنا لست شخصين. المدرس الموجه الذي يكتب عن التربية هو ذاته الأديب الذي يبكي على الورق. الفرق أنني في التوجيه أتكلم مع الناس، وفي الأدب أتكلم مع نفسي.لكنني لا أخجل من أيٍّ منهما. لا أقول: "هذا حساب تربوي جاد، وهذا حساب أدبي حالم." أنا جاد حين أحلم، وحالم حين أوجّه. الحياة ليست أقساماً.

 

17.منصات التواصل الاجتماعي تميل إلى السرعة والسطحية، بينما نصوصك تتطلب التمهل والتأمل. كيف استطعت خلق جمهور وفيّ يقرأ "ما بين السطور" في هذا الفضاء الرقمي الصاخب؟

لم أخلقه. أنا فقط كتبت بصدق، والصادقون وجدوني. في عالم مليء بالضجيج، الصمت يلفت الانتباه. في عالم يصرخ، الهمس يجبرك أن تقترب.لم أكتب للـ"خوارزمية". كتبت للإنسان الذي سيتوقف في منتصف الليل، وهو يتصفح هاتفه، ويقرأ جملة فتوقفه. ذلك الإنسان موجود. قليل، لكنه موجود. وأنا أكتب له.

 

18.هل ترى "الومضة القصيرة" أو القصة القصيرة جداً هي القالب الأدبي الأنسب لإنسان القرن الحادي والعشرين الذي يعاني من ضعف التركيز؟

نعم ولا. نعم، لأن الانتباه صار قصيراً. لكن لا، لأن الومضة ليست "محتوى سريعاً". الومضة الحقيقية تحتاج وقتاً أطول من القصيدة الطويلة. لأنك تقرأها في ثانية، لكنها تبقى فيك أياماً.

الومضة ليست تنازلاً عن العمق. إنها عمقٌ مكثّف. قطرة واحدة من العطر تكفي. لا تحتاج أن تسكب القارورة كلها.

 

19.إلى أي حد يخدم تفاعل الجمهور المباشر (التعليقات والمشاركات) قلم الكاتب، ومتى يصبح هذا التفاعل قيداً يهدد عفوية النص؟

خدمة حين يقول لي قارئ: "لم أعرف أن أحداً يشعر بما أشعر به." هذا يُشعرني أنني لم أكتب في فراغ.قيد حين أبدأ في كتابة ما "يريدونه". حين أفكر: "هذه الجملة ستعجب المتابعين." هنا أتوقف. لأنني لم أعد أكتب. أنا أُنتج. والفرق بين الكاتب والمنتج أن الكاتب يكتب لأن عليه أن يكتب. والمنتج ينتج لأن عليه أن يبيع.

 

20.كيف يمكن لصناعة المحتوى الرقمي الهادف أن تستعير من الأدب عمقه دون أن تفقد بساطتها وجاذبيتها للجمهور العام؟

بأن تتوقف عن معاملة الجمهور كأنه سطحي. هذا هو السر. الناس ليسوا سطحيين. الناس لم يجدوا من يأخذهم على محمل الجد. إذا كتبت بعمق وبساطة في آن واحد، سيأتيك القارئ. لا تحتاج أن "تُنزّل" المحتوى. تحتاج أن "ترفع" القارئ.

المحور الخامس: "آفاق المستقبل وشهادة الأثر" (رؤية للمستقبل)

 

21.تقول في نصك: "والباقي ليس كلاماً بل هو صمت يترجمه القلب"؛ بعد كل ما كتبته، ما هي المساحة التي عجزت الكلمات عن صياغتها وما زالت تسكن صمتك؟

الحنين. ليس الحنين لشخص أو مكان. الحنين لشيء لا أستطيع تسميته. إحساس بأن هناك شيئاً كان يجب أن يكون، ولم يكن. ليس فقداً، لأنك لا تستطيع أن تفقد ما لم تمتلكه. لكنه موجود. يسكن صمتي. وكل ما كتبته كان محاولة فاشلة لترجمة هذا الصمت.

 

22.هل سنرى هذه النصوص والنثريات قريباً مجتمعة في ديوان مطبوع أو كتاب يحمل بصمتك الفلسفية، أم تفضل بقاءها رقمية حرة؟

أحلم بالورق. لا أنكر. رائحة الورق، ملمس الصفحة، أن يمسك أحدهم الكتاب ويضعه على صدره. هذا حلم. لكنني لا أستعجله. أريد حين يُطبع، أن يكون مكتملاً. أن يكون أنا، بكل تناقضاتي. لا مجرد "محتوى".أما الآن، أكتب وأنشر وأحذف وأعيد. الورق سيأتي حين أستحقه.

 

23.إذا طُلِب منك توجيه رسالة إلى "الطفل الداخلي" الذي يسكن أ. محمد خطيب اليوم، فماذا ستقول له؟

"أنا آسف. آسف أنني كذبت عليك حين قلت لك إن الكبار يعرفون كل شيء. لا يعرفون. آسف أنني جعلتك تصمت حين كنت تريد أن تصرخ. آسف أنني كبرت قبل الأوان، وتركتك هناك.لكنني أعدك بشيء واحد: لن أنساك بعد اليوم. وحين أبكي في منتصف الليل، سأعترف أنها دموعك أنت. ولن أخجل منها."

 

24.كيف يتمنى الكاتب محمد خطيب أن يتذكره القراء من خلال كتاباته؟ ما هو "الأثر الأخير" الذي تخاف نوافذك من خروجه؟

لا أريد أن يتذكروني. أريد أن يتذكروا أنفسهم حين يقرؤونني. لا أريد أن يقولوا: "محمد خطيب كتب هذا." أريد أن يقولوا: "هذا ما كنت أشعر به ولم أعرف كيف أقوله."

أما "الأثر الأخير" الذي أخافه... أخاف أن تُقرأ نصوصي يوماً كـ"أدب" فقط. أن تُدرس في مؤسسة ما، وتُحلَّل، وتُفكَّك. أخاف أن تفقد حرارتها. أريد أن تبقى جرحاً مفتوحاً، لا نصاً في كتاب فقط.

 

25.ما هو مشروعك الأدبي أو الفكري القادم الذي تطبخ أفكاره الآن على نار هادئة؟

هناك نصّ طويل يتخمّر. عن "الأشياء التي لم نقلها." ليس عن الغياب هذه المرة. عن الحضور الذي لم ننتبه إليه. عن الكلمات التي ابتلعناها في اللحظة التي كان يجب أن تُقال فيها.

لا أعرف متى سيكتمل. لا أستعجله. أتركه ينضج على نار هادئة، كما قلت. لأن النصوص التي تُستعجل، تموت صغيرة.

وأخيراً، شكراً للاستاذ الصحافي العميق عطا درغام على هذه الأسئلة. لأنها أجبرتني أن أقول أشياء لم أكن أعرف أنني أعرفها، وفتحت لي نوافذ بدأت تستقبل الضوء، وهذا هو أفضل ما يفعله الحوار: أن يُخرج منك ما لم تكن تعرف أنه فيك.