شرارة التمرد وبلاغة المسرح.. الأديب والناشر ناجي عبد المنعم يُفكك أسرار الوعي وصراع الكلمة فوق الخشبة
حوار عطا درغام
حين تلتقي في المبدع قبعات الشاعر الحالم، والمعماري المسرحي، والناشر المواجه لتحديات السوق، تخرج التجربة من حيز الكتابة العادية إلى طور "الاشتباك الحقيقي مع الوعي". ناجي عبد المنعم، ابن الأقاليم المصرية الذي لم يرتضِ يوماً بالهوامش، بل صنع متنه الخاص عبر مسيرة طويلة ترأس فيها نوادي الأدب، وأسس مؤسسة النيل والفرات، ليترك بصمة عميقة في جدار المشهد الثقافي المعاصر. في هذا الحوار الدسم والمطول، نضع بجرأة مشرط التساؤل على فلسفته الإبداعية، وصراع الشاشة والخشبة، ومعادلات النشر الورقي، ومستقبل الأدب في ظل عالم متسارع.
المحور الأول: فلسفة الإبداع والذات (شعار "المبدع لا ينتمي")
انطلاقاً من مقولتك الشهيرة "المبدع لا ينتمي، وإنما ينتمي إليه"؛ كيف يصنع الأديب عالماً خاصاً يجبر الآخرين على الانتماء إليه دون أن يسقط هو في فخ التبعية لأي تيار؟
أطلقت هذه المقولة عام 1988 بعد صدور ديواني الأول ( الخروج من التمثال الخشبي ) بعدما أيقنت تماما أن الانتماء لشخص ما بعينه ، أو كيان سياسي ما ، أو تيار ديني يحذف الجزء الأكبر من جمهور المبدع ، الذين ينتمون لغير ما انتمى هو له ، وبالتالي قررت أن أكتب لكل التيارات والفئات والشرائح من المجتمع على اختلاف مذاهبه وأهوائه فأنا شاعر للجميع دون أن أنتمي ـ وبطبيعة الحال ، ولإني من المفترض أنني أرسم خارطة وطن فسينتمي الجميع لما أكتب ومن هنا أستطعت أن أكون شخصية إبداعية مستقلة قوية لا تنتمي لأحد في الرأي والهوى
بدأت بكتابة الشعر الفصيح ثم انتقلت إلى العامية والمسرح؛ كيف تشكلت هذه التحولات في وعيك؟ وهل ترى أن المبدع يبحث عن نفسه في قالب، أم أن الفكرة هي من تفرض ثوبها؟
أغلب الشعراء يبدأون دائما بالفصحى شأنهم في ذلك شأن كل المبدعين ، غير أن تطور الموهبة ونشاطها الإيجابي يصل بالمبدع إلى حد لا يستطيع تجاوزه لإنه من المفترض ان هذه شخصيته بعدما نضجت تماما فيكون الثبات للموهبة الأصلية وأنا مررت بكل هذه المراحل فكتبت الفصحى والمسرح والزجل والعامية حتى وجدت نفسي في ( العامية والمسرح والنقد الأدبي ) وثلاثتهم لا أحد يتعارض مع الآخر فصدر لي 124 كتابا ما بين شعر العامية والمسرح والنقد وحققت النجاح المطلوب ، فالمبدع الحقيقي يسير في مساره الطبيعي من الأدنى حتى أعلى قمة من موهبته فلا يحيد عنها بعد ذلك أبدا ويستطيع عندها أن يسيس الفكرة ويكتبها كما يريد هو لا كما تفرض نفسها هى عليه
تأثرك بالعملاق صلاح جاهين واضح في مسيرتك؛ كيف استطعت التحرر من سطوة هذا التأثر لتصنع بصمة "ناجي عبد المنعم" الخاصة دون أن تقع في جلباب الأستاذ؟
صلاح جاهين شاعر كبير متعدد المواهب لا يختلف عليه إثنان وأنا قرأت كل انتاجه تقريبا وأعجبني جدا طريقة معالجة معمارية الرباعية والتى ختمها بسؤال استنكاري على غير ما تعلمنا فكان نقطة تحول في رباعيات ناجى عبد المنعم فكتبت الرباعية وتأثرت بفكرة معالجة المعمارية فقط دون أن أتأثر بشعره أو رباعياته
في ديوانك "نوبة جنون"، هل يعيش المبدع حالة من "الجنون المنظم" لكي يرى ما لا يراه الشخص العادي، أم أن الكتابة هي وسيلتك الفضلى للنجاة من جنون العالم؟
إذا لم يكن المبدع مجنونا فلماذا يكون مبدعا ؟! بالتأكيد داخل كل مبدع خلية جنون يستغلها ويستقي منها أفكاره وإبداعاته الغير مألوفة والميتافيزيقية ، والجنون هنا ليس حالة مرضية ، أو خللا نفسيا ، ولكن ما أقصده هو رؤية ما لاا يستطيع أن يراه الآخرون ، وكتابة النص بطرق مختلفة لا يستطيعها الأقران ، فأنا مثلا أمزج بين المدارس الشعرية والتشكيلية في النص الواحد دون أن تلحظ خللا ما في البناء الدرامي للنص ، وأكتب النص أيضا مستخدما الهندسة الفراغية واللوغاريتمان والمعادلات الجبرية فأحقق السيميترية في النص دون المساس بخصائص كتابة النص الأصيلة ، وفي النهاية يخرج النص قاربا للنجاه من الجنون المرضي للعالم إلى صفاء السريرة ونقاء القريحة
بين العاطفية المفرطة في "ترتيل الفوشيا لأنواع الحب" والعمق الفلسفي في "أسفار الخندريس"؛ كيف توازن في داخلك بين الشاعر الحالم والكاتب والمفكر الرصين؟
حقيقة أذكرها أولا – وحصريا – لكم أنني كنت أواظب على كتابة بوست كل صباح لمدة ثلاث سنوات تقريبا دون انقطاع وأسميتها ( ترتيل البوستات الصباحية لأنواع الحب ) وذلك بعد اتهامي بأنني شاعر سياسي لا قلب له ، ولا علاقة له بالرومانسية فأقمت التحدي وكتب أفضل قصائد الغزل العذري العفيف في هذه الصورة حتى تلقفته إذاعة القاهرة الكبرى وأذاعته يوميا على البث المباشر ، ولم أدع العمق الفلسفي في كل أشعاري حتى الرومانسية منها لإن النبع واحد لم يختلف ، وأستطيع الموازنة بين الشاعر الحالم والكاتب والمفكر الرصين لإن المبتكر يبتكر والشاعر يطرح ويعالج ليصل الإثنان إلى نتيجة واحدة وهى النص المكتمل
المحور الثاني: المسرح والصراع فوق الخشبة
حصلت مسرحيتك "محاكمة ميت" على المركز الأول عام 1991؛ لو أعدنا فتح هذه المحاكمة اليوم في 2026، من هو "الميت" الذي تود محاكمته فوق خشبة المسرح العربي؟
( محاكمة ميت ) كانت أول تجاربي المسرحية وختمتها وقدمتها للمسرح عام 1992فأخرجها لمسرح البالون الفنان والمخرج الكبير كرم مطاوع وحققت نجاحا باهرا في ذلك الوقت وكانت فكرتها تدور حول ( أيهما أولى بعمارة الأرض أحياء اليوم أم أموات التاريخ ) فأقدم معمر على وجه الأرض قد لا يزيد عمره عن مئة عام ، وميت التاريخ قد يكون من آلاف السنين ) وكانت المواجهة بينهما والصراع بالفكر الخاص بكل واحد منهما على السيطرة على العالم وعمارة الأرض وهى قد تكون فكرة ( فانتازيا ) ناقشت فيها صراع الحضارات والمناهج والفلسفات التى سيطرت على العالم ، ولو كتبت هذا النص مجددا سأحاكم فيه الأحياء بالتأكيد وهل يحكمون الأرض بفلسفاتهم وأيديولوجياتهم أم يسرقون التاريخ ويحكمون بفكر السابقين
يمر المسرح الشعري والنص المسرحي المكتوب بأزمات إنتاجية وجماهيرية؛ كيف ترى مستقبل النص المسرحي في عصر المنصات الرقمية السريعة؟
المسرح عموما في غرفة الإنعاش منذ ما يقرب من الخمسين عاما ، فالمسرح له خصوصية لم يحصل عليها أي فن آخر فهو مباشر مع المتفرج ومؤثر في الرأي العام بدرجة كبيرة جدا أخافت السياسيين ولذلك تم منع أكثر من 90% من المسرحيات من العرض وتجميد نشاطها مثل ( ماما أمريكا – إفرض – ع الرصيف ..... والقائمة طويلة جدا هذا بالإضافة لسيطرة مسرح المقاولات ( الفارس ) الذي يقدم الفن الرخيص على الساحة فتراجع كتاب المسرح وتراجع المنتجون المثقفون فمات المسرح الجاد ، أضف إلى هذا العملاق الجديد الذي أثر في كل شئ سلبا ( السوشيال ميديا والمنصات الرقمية ) فاحتجز المسرح الجاد خلف كل هذه العراقيل
في مسرحية "العفريتة الشقية"؛ إلى أي مدى يوظف ناجي عبد المنعم الفانتازيا والكوميديا لتمرير رسائل سياسية واجتماعية شديدة الجدية والعمق؟
مسرحية ( العفريتة الشقية ) صدر منها أربع طبعات وكانت من أفضل ما كتبت للمسرح وهى من نوع الفانتازيا في إطار ذهني منظم وزمنها عام 2700 أي بعد سبعة قرون كاملة فهى تصور لا معقول لأحداث جارية معقولة وكانت تناقش جدلية وصعوبة الاختيارفي تحمل المسؤولية وهذا النوع من المسرح الذهنى يحتمل التمرير لأكثر من رسالة بين السطور والتصريح بما لا نستطيع التصريح به خارج إطار المسرح
يرى البعض أن كتابة المسرح تتطلب عقلية معمارية بينما الشاعر يحتاج لعقلية طائرة؛ كيف يتقاطع المعماري والطيار في وجدانك أثناء صياغة النص المسرحي؟
جدلية قديمة جديدة متجددة في ذات الوقت ومعادلة لا يستطيعها إلا المبدع الحقيقي صاحب المنهج والأيديولوجية فالكاتب المسرحي بداخلي يعالج النص بأسلوب شاعري بديع يصل للقلب مباشرة ، كما أن الشاعر لابد أن يعالج معمارية النص بشكل مسرحي من خلال العناوين الجانبية والوقفات مثل ( كلاكيت ، مشهد ، فصل ، حوار ... الخ إنها المتعة الحقيقية التى يتعاون الإثنان بداخلى على تقديم الأفضل فيلجأ أحدهما لطرح الآخر دائما
ما الذي ينقص النص المسرحي المصري والعربي اليوم ليعود منافساً وبقوة على الساحة العالمية، وهل العيب في المبدع أم في ذائقة المتلقي؟
العيب ليس في المبدع ولا ذائقة المتلقي ولكن العيب كل العيب في النظام المتحكم والذي يفرض سياسته على الإبداع فيقيد حركة النص فلا يستطيع المبدع أن يخرج كل ماعنده خوفا من مقص الرقيب والمسرح تحديدا يحتاج لحرية بلا قيود ، الحرية المطلقة كي يقدم كل ما عنده
المحور الثالث: صناعة النشر ومعركة الوعي (مؤسسة النيل والفرات)
أسست "مؤسسة النيل والفرات للطباعة والنشر" عام 2017؛ كيف يرى "الشاعر الحالم" معادلة السوق، وحسابات المكسب والخسارة في عالم النشر المعقد؟
كل هذه الحسابات لم تشغلني ، ولم أتأثر بها وأجعل منها عراقيل تعوق مسيرتي ، فكان حلمي الأكبر والذي حققته بالفعل هو تدعيم المكتبة العربية والعالمية بصنوف الكتب على اختلاف مناهجها ومناحيها فلم أفكر في الربح لدرجة أنني – حسابيا – خسرت أكثر من مليون جنيه في طبع الكتب المجانية للكثير من الشعراء والأدباء بوسائل كثير منها المسابقات ( ثمانية مسابقات ) والجوائز فيها طبع الكتاب الفائز ، والخصم اللامعقول على طبع الكثير من الكتب لمساعدة غير القادرين على الطبع
تواجه حركة النشر الورقي تحديات هائلة بسبب الغلاء والتطور الرقمي؛ ما هي خطتكم الاستراتيجية في المؤسسة للحفاظ على هيبة "الكتاب الورقي" وقيمته؟
تضخم الغلاء أحدث فجوة كبيرة بين المبدع والقارئ لم نستطع الخروج منها حتى الآن ، فقد كانت تكلفة طبع الكتاب ( النسخة الواجة ستة جنيهات عام 2017 واليوم بلغت خمسة وأربعين جنيها أى أكثر من سبعة أضعاف معدل التكلفة الطبيعة خلال أقل من عشر سنوات وهو الأمر الذي ساهم فى تدمير حركة الطبع وتقليل الكميات المطبوعة من خمسمائة نسخة في السابق إلى عشرين نسخة فقط يطبعها المؤلف للحصول على رقم الإيداع والترقيم الدولي فأصبح الغرض من الطبع هو التوثيق فقط ولا تملك أي دار نشر خطة محددة للسيطرة على أسعار السوق في ظل التزايد المستمر
صِف لنا التحدي في إدارة "مجلة النيل والفرات الورقية"؛ كيف تصنع مجلة ثقافية تجذب القارئ المعاصر دون التنازل عن رصانة المحتوى؟
شعارنا يتلخص في مبادئنا أساسية وهى :
مجلة تحترم عقلك وفكرك
لا نقبل التبرعات والهبات والمساعدات بكل أشكالها
لا ننشر الإعلانات التجارية في مجلتنا حفاظا على اسم وتاريخ الكتاب والمجلة
لا نقبل المساس بالتابوهات
نحافظ على صدور كل عدد قبل موعد صدوره بيومين
ومن هنا أقبل الأساتذة الجامعيون على المجلة ( 76 أستاذ جامعى يكتب في المجلة ) لاحترامها الشديد لهم ولكل الكتاب ولجديتها ، وانتقاء المادة العلمية المنشورة وتبنى الكثير من القضايا والملفات التي تمس المواطن
بصفتك ناشراً ومبدعاً في آن واحد؛ كيف تتعامل مع معضلة "المقص" والرقابة الذاتية؟ هل يضحي الناشر أحياناً بجرأة المبدع لحماية المؤسسة؟
أنا مستعد لتحمل المسؤولية لنشر الجاد من الموضوعات والإشكاليات ، ومن ناحية أخرى فكل كتاب المجلة كبار ويعلمون جيدا كيف يتعاملون مع القلم والورقة دون أن يمس أمن بلاده أو يخدش حياء القارئ ولهذا لم يقترب منا مقص الرقيب أبدا فنحن نصنع التوازن بين ما يريده الطرفان دون المساس بالمبادئ والأخلاق
ما هي المعايير الشديدة التي تضعها مؤسستكم لتبني قلم شاب جديد، في زمن أصبح فيه النشر متاحاً لكل من يملك تكلفة الطباعة؟
هذه مشكلة كبيرة جدا يقع فيها كل دور النشر تقريبا ونحن نحاول السيطرة على الموقف برفض الكلمات التافهة والمحتوى الركيك قدر المستطاع ولا يهمنا المكسب المادي بقدر ما يهمنا صنع التاريخ النظيف
المحور الرابع: الإدارة الثقافية والعمل العام
ترأست نادي الأدب بدكرنس منذ عام 1991 ومجلس الكتاب والأدباء عام 2020؛ كيف تقيم دور المؤسسات الثقافية الإقليمية في مصر حالياً؟ هل ما زالت قادرة على تفريخ المبدعين؟
بالتأكيد فالمنظومة الثقافية في مصر تبذل قصارى جهدها من أجل المواهب الشابة ، ورغم أن هناك – مثل كل المنظومات في العالم – بعض القصور والتقصير إلا أن المحصلة النهائية تبدو ممتازة والجهود موزعة بالتساوي على خمس جهات أساسية هي ( الهيئة العامة لقصور الثقافة – المجلس الأعلى للثقافة – الهيئة المصرية العامة للكتاب – اتحاد كتاب مصر – صندوق التنمية الثقافية ) وجميعها يؤدي دوره بكفاءة عالية
من واقع خبرتك الطويلة؛ كيف يمكن جسر الفجوة بين المثقف "النخبوي" والشارع البسيط ليعود الأدب مؤثراً في سلوكيات المجتمع اليومية؟
قبل أن نتكلم عن الجسر يجب أن نحدد أولا من هو المثقف النخبوي فليس كل من امتلك أدوات الكتاب واستطاع أن يقرأ ويحلل هو مثقف نخبوي ، وأرى أن هذا الصنف من المثقفين يجب أن يتوفر فيه ثلاثة شروط ليكون مثقفا نخبويا جديرا بتحمل المسؤولية وهى: ( أن يمتلك مخزونا ثقافيا هائلا ومنوعا – أن يمتلك مشروعا إبداعيا مؤثرا – أن يكون على خلق وله مبادئه التى لا يحيد عنها ) وهنا فقط يستطيع هذا المثقف النخبوي أن يقود المسيرة ورتق جسر الفجوة فيعود الأدب مؤثراً في سلوكيات المجتمع اليومية
توليت رئاسة تحرير مجلات فكاهية وأخرى ثقافية؛ ما هي "الخلطة السحرية" لدمج السخرية والفكاهة بالوعي دون الهبوط إلى الابتذال؟
شعب لا يضحك هو شعب بائس لا هوية له فالمفترض أن الأزمات تولد مع ميلاد الدولة فيكونا متلازمين دون فكاك ومن هنا كانت الفكرة فأصدرت ورأست تحرير مجلة ( هلوسة ) عام 1990 ونجحت نجاحا كبيرا إذ أن مادتها العلمية كانت قائمة على سياسة الربط بين أحزان الشعب وتعنت الساسة واتخذنا من الأزمات مواقفا مضحكة لننتصر بالابتسامة على العدم
إذا أتيحت لك الفرصة لإعادة هيكلة المنظومة الثقافية المستقلة في مصر، ما هو القرار الأول والجذري الذي ستتخذه دون تردد؟
هو حلم جميل طالما حلمت به واول قرار سأتخذه هو تسكين المثقفين والمبدعين في الصف الثاني خلف العلماء والراسخون في العلم وتسكين الرويبضة من ( أصحاب الفن الرخيص ) في الصف الأخير لتكون الدولة دولة العلماء والمثقفين في المقام الأول
العمل العام والإداري يلتهم وقت المبدع؛ كم سرق "رئيس مجلس الإدارة" من "الشاعر والمسرحي" ناجي عبد المنعم على مدار السنوات الماضية؟
سرق ناجي عبد المنعم نفسه (هههههه) فمهنة الصحافة هى مهنة المتاعب – لا البحث عن المتاعب – ومعنى أن يكون عندك مجلتين ( المجلة ثمانين صفحة بالحجم الكبير ) فلا وقت عندك لأي شئ حتى الطعام والشراب ولكن فى النهاية هى لذة لا تعادلها لذة أخرى أن تشعر بأنك سبب في سعادة الآخرين
المحور الخامس: المشهد الثقافي المعاصر والنظرة للمستقبل
كُتبت عن أعمالك دراسات نقدية عديدة (مثل السمات الجمالية في شعرك)؛ كيف ترى المشهد النقدي الحالي؟ هل يواكب الإبداع أم أنه يعيش في جزر منعزلة؟
النقد الأكاديمي يقدم رسالته في ثبات وصمت ، ولكن اكتظنت الساحة بما يُسمى النقد الانطباعي وهو لا يحتمل ذكاء الكتابة وقراءة ما بين السطور ، والبحث عن مفاتيح النص ، وبيان وتبيين مواطن الضعف والقوة في النص ولذلك كان كالنور الذي جذب إليه الفراشات التائهة وما إن ينطفئحتى تسقط كل الفراشات بلا رحمة ، وأنا شخصيا لا أعترف إلا بالمدرسة التشريحية ( التفكيكية ) وهذه لا يتعامل معها إلا كبار النقاد ، وهذه المدرسة أيضا لا تقبل إلا الجيد من النصوص لكبار المبدعين
مع صعود أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في كشف وتوليد النصوص والشعر؛ هل تشعر بالقلق على مهنة الكاتب، أم ترى أن الروح الإنسانية لا يمكن محاكاتها؟
أذكر أنني كتبت مقالا في مجلة النيل والفرات عن هذه الكارثة وكان بطلها الشاعر الصديق رضا أبو الغيط – وهو شاعر وناقد مصري كبير - فقد أرسل لي رؤية نقدية أكثر من رائعة على أحد نصوصه الشعرية ولما سألته عن اسم الناقد قال الذكاء الاصطناعي وهنا كانت صدمتى كبيرة جدا فهذا خطر يهدد الناقد والمبدع في آن واحد لإن الذكاء الاصطناعيى يكتب افتراضيا بما وصله من معلومات ثابتة فلا يستطيع الابتكار والإبداع ومن هنا ستهدم الرؤى النقدية من أساسها وسيعلو الكثير من أنصاف الشعراء المنصات الدولية من خلال هذه التزكية الافتراضية
بعد إصدار أعمالك الكاملة في 124 ديواناً؛ كيف ينظر ناجي عبد المنعم إلى مشروع عمره الشعري؟ هل تشعر بالرضا التام أم أن "الديوان الأجمل" لم يُكتب بعد؟
صدر لي حتى الآن مائة وأربعة وعشرين كتاب يجمع بين الشعر والمسرح والنقد الأدبيي والمقالات والحوارات ولم يتبق لى سوى ( ستة وعشرين كتاب ) لأتمم مشروعي الإبداعي في ( مائة وخمسين كتاب ) وحتى هذه اللحظة أنا راض تماما عن سير مشروعي الإبداعي الذي وضعنى على رأس المنصات العربية فقد حصلت على أعلى الأوسمة من الدول التي شرفت بحضور مؤتمرات بها كـ ( المغرب – السعودية – ليبيا – الأردن ................ والقائمة طويلة
يرى البعض أن جيل الستينيات والثمانينيات وضع سقفاً إبداعياً يصعب تجاوزه؛ كيف ترى نتاج الأجيال الجديدة من الشعراء والكتاب اليوم؟
الإبداع في حالة تجديد مستمر فلما كسر على أحمد سعيد ( أدونيس ) عمود الشعر كان هذا حدثا جللا وقلنا قتها لن يتعرض الشعر لتجديد وتغيير بعد هذا ولكن أتت الرياح بما لا تشتهى السفن فخرجت علينا قصيدة النثر والهايكو والقصة الومضة وغيرها فكل يوم سنجد تجديدا ورما هجوما وتدميرا لخصائص كتابة النص فكل عصر له لغته الخاصة ورجاله ومبدعيه فالبحتري لا يستطيع أن يعيش في زمان غير زمانه وكذلك أمل دنقل لا يستطيع أن يعيش زمن إمرؤ القيس
ما هي الرسالة أو "الوصية الإبداعية" الأخيرة التي يوجهها ناجي عبد المنعم في هذا الحوار لكل شاب يمسك بالقلم لأول مرة و يحلم بتغيير العالم بكلماته؟
أقول لها ( الأدب مثل الفريك لا يقبل شريك ) فإن أحببت إبداعك أعطاك وإن أشركت معه شيئا أضناك
