سادنة الحرف ومغزولة الوجدان.. إبحار في عوالم صباح نصار
حوار عطا درغام
في عالم الأدب والقصة القصيرة، ثمة أقلام لا تكتب لتسجيل الواقع فحسب، بل لتشريح أدق تفاصيله النفسية، والنبش في دفاتر الذاكرة المنسية. ضيفتنا اليوم هي الأديبة والقاصة والإعلامية المصرية صباح عبد الحليم نصار؛ ابنة النيل التي نسجت من ملامح المرأة وآلامها، وشجون الحب والرحيل، خيوطاً سردية متميزة. تنقلت بين "صرخة ملاك" وروايتها المنتظرة "رحلة الهروب"، لتصنع لنفسها بصمة واضحة في "جريدة أدباء مصر" والمنصات الثقافية العربية. في هذا الحوار الشامل، نغوص معها في خمسة محاور تجمع بين قضايا المرأة، فلسفة الحب، أسلوبها السردي، ومحطات حياتها الثقافية.
🚺 المحور الأول: تاء التأنيث وقضايا المرأة في أدب صباح نصار
س١ـ في مجموعتك "صرخة ملاك"، حضرت المرأة بآلامها وطموحاتها؛ ما هي القضية النسوية الأساسية التي تؤرق قلمك؟
في الحقيقة لم أحدد قضية بعينها ؛لأن المرأة كائن تتنوع بداخله المشاعر وتتشعب أفكاره فالخوف من الحب أحيانا يؤرقها، بينما اللهفة إليه تذيب قلبها ربما تحدثت عن هذا الأمر في قصتي (كلمات)، وأكثر ما أثار إهتمامي ماكان منتشرا في الفترة الأخيرة من سطوة التملك عند الرجل، حتى أصبحت حياة المرأة ملكا له قد ينهيها بيده وربما عبرت في قصتي (شيطان الحب) عن تلك الظاهرة.
س٢/ كيف توازن الكاتبة صباح نصار بين رصد واقع المرأة المصرية في الريف والحضر وبين تصوير عالمها النفسي؟
- المرأة عالمها النفسي لايختلف من الريف إلى الحضر .فلهن الأحلام والمتطلبات نفسها طريقة التعبير تلك الأحلام هي التي تختلف، ولذلك فلم أحدد بيئة بعينها للتعبير عن مشاعر المرأة .
س٣/ هل ترين أن الأدب النسائي قادر على تغيير القوانين المجتمعية المجحفة بحق المرأة، أم يكتفي بالتوثيق؟
_ بالطبع الأدب دور كبير في تغيير مسارات أمم، فبعض الأعمال الأدبية التي تحولت إلي أعمال درامية مثلا ساعدت في تسليط الضوء على مشاكل كثيرة تعاني منها المرأة. وبالتالي توجه نظر الدولة إلى نص قوانين تحميها .
س٤/ في مجتمعاتنا، تُتهم الكاتبة أحياناً بالانحياز لبنات جنسها؛ كيف تتجنبين فخ "التحيز الأعمى" في قصصك؟
الكاتب دائما يسلط الضوء على الحدث أو المشكلة دون إبداء رأي خاص به، ويضع القاريء أمامها ليقرر بنفسه وهذا ما أفعله دائمًا.
س٥/ المرأة في كتاباتك تواجه "مخاوف الواقع"؛ ما هو السلاح الأقوى الذي تمنحينه لبطلاتك في مواجهة هذا الواقع؟
_ الخيال دائما يوجد كسلاح بديل للواقع عندما أتحدث عن المرأة ،وربما كان ذلك سلاحي في بعض الأحيان.
💘 المحور الثاني: فلسفة الحب، الفقد، والرحيل في السرد
س٦/ قصة "الرحيل" ونص "انتظار" يفيضان بشجون الفقد؛ كيف تعرّف صباح نصار مفهوم "الحب" من خلال الحبر والورق؟
_ الحب هو قصة جميلة تعيشها داخل حلم فتاة، هو عشق لطيف طفل تتخيله امرأة لا تنجب، إشتياق إلى ذكريات بيت مهجور، أو ذكرى شخص غائب ..الحب في كتاباتي لا يقتصر فقط على رجل وامرأة، فهناك صور كثيرة الحب عبرت عنها في كتاباتي.
س٧ / هل يعيش الحب في قصصك كحالة إنقاذ للأبطال، أم يتحول أحياناً إلى قيد ومصدر للمخاوف؟
_ أحيانا يكون حلما جميلا تنتظره البطلة، أو خيال تصنعه، ولكن عندما يأتي في بعض الأحيان يكون مصدرا للخوف والضياع كما في قصة (شيطان الحب) كانت معه نهاية البطلة.
س٨ / كيف تصيغين مشاعر الخذلان العاطفي في أعمالك القصصية دون الهبوط بالسياق إلى مرارة اليأس؟
_الخذلان ليس بالضرورة خذلان الحبيب،ربما خذلان حلم لم يتحقق، أوحب لم يأتِ بعد، ولكني دائما أضع بارقة أمل في النهاية
تجعل بطلات قصصي يرون القوة في أنفسهن.
🎨 المحور الثالث: الأسلوب السردي وتقنيات الكتابة
س٩ / في قصة "كتاب أسود"، تنبشين في مخاوف الطفولة والشريط النفسي للذكريات؛ كيف توظفين علم النفس في بناء شخصياتك؟
_ النفس البشرية صندوق مغلق ،لترى مابداخله لابد أن تجد مفتاحًا يساعدك على فتحه، قراءتي في علم النفس أتاحت لي الفرصة لإدراك العناصر التي تكون الشخصية من ذكريات وآلام والتي استخدمتها بعد ذلك لتوصيل الفكرة.
س١٠/ يحمل أحد نصوصك عنوان "خَيَالٌ بِنَكْهَةِ الْوَاقِعِ"؛ أين يركع الخيال وأين يقف الواقع في معادلتك الأدبية؟
_ تتساوى كفتي المعدلة، فالواقع أستمد منه الفكرة التي أكتب عنها والخيال يصيغها ليصنع بناء قصصيًا متكاملا، فلا يطغى أي منهما، وفي بعض الأحيان يكون الخيال هو بطل القصة الذي يحارب قسوة الواقع.
س١١/ القصة القصيرة تتطلب تكثيفاً شديداً؛ ما هي التحديات التي واجهتك في الانتقال من هذا التكثيف إلى رحابة الرواية الطويلة في "رحلة الهروب"؟
_ كان بالنسبة لي تحديًا خاصة لأنني بدأت حياتي الأدبية كقاصة، ولكن كثرة الإطلاع والقراءة جعلني أرى في كتابة الرواية مساحة وحرية أكبر في التعبير؛ فأصبحت كتابتها بالنسبة لي متعة أكثر من كونها تحديًا .
س١٢/ لغتك السردية تمتاز بالشاعرية؛ هل ترين أن "قصيدة النثر" و"الخاطرة" تخدمان القاص أم قد تسرقان منه حبكة القصة؟
- الخاطرة هي تعبير خالص عن الفكرة بأسلوب شاعري دون الحاجة إلى حدث ،عكس القصة القصيرة فلا وجه تعارض بينهما كل له ذائقته لدى القاريء ، وله خصوصيته .
س١٣ / كيف تختار صباح نصار عناوين نصوصها؟ وهل العنوان لديكِ هو عتبة النص أم اللغز الذي يُحل في النهاية؟
_ العنوان هو النافذة التي يطل منها القاريء على القصة ،ولذلك أحرص دائما في اختيار عنوان معبر عن الأحداث دون كشفها ، فأميل دائما إلى استخدامه كلغز ليفك القاريء رموزه بنفسه.
🎬 المحور الرابع: التنوع الإبداعي (الدراما، الصحافة والإلقاء الصوتي)
س١٤/ خضتِ تجربة مهمة في كتابة السيناريو والحوار لمسلسل درامي؛ ما الذي تمنحه الشاشة للمؤلف ولا تستطيع الرواية منحه إياه؟
_ الشاشة هي مجال أكبر لانتشار الكاتب، وخاصة أن الناس أصبحوا يفضلون المادة المسموعة أكثر من المقروءة . فالمشاهد قد يشاهد فيلم بينما يمارس مهامه، ولكن الرواية تحتاج التفرغ لقراءتها، ولذلك والشاشة تمنح الكاتب جمهورا أكبر .
س١٥ / كيف أثر عملك كمحررة صحفية في "جريدة أدباء مصر" على عينك الناقدة وقلمك الإبداعي؟
_ العمل كمحرر في جريدة يتيح فرصة الإطلاع على آراء مختلفة لنقاد وأدباء من ثقافات مختلفة ؛مما يجعلني أكون رؤية متكاملة تساعدني في صياغة كتاباتي القادمة.
س ١٦/ تقدمين سلسلة فيديوهات "فوازير وحكايات" بصوتك وإلقائك؛ ما أهمية "أدب الصوت" في العصر الرقمي الحالي للوصول للجمهور؟
_ المادة المسموعة قادرة على إيصال مشاعر الشخصيات إلى قلب القاريء والإحساس بالكلمات، كما أنها لاتحتاج إلى تخصيص وقت للإطلاع عليها ،مما يجعل وصولها إلى القاريء أسرع وأعمق، ويمنح القصص إنتشارا أكبر .
س ١٧/ من خلال قراءاتك ومقالاتك النقدية؛ كيف تقيمين حركة القصة القصيرة في مصر والوطن العربي اليوم؟
_أنا في الحقيقة لست ناقدة، ولكنني أرى القصة القصيرة. في العصر الحالي أصبحت أكثر تراجعا وأقل إنتشارا أمام الرواية، و يظهر ذلك بوضوح في المسابقات الأدبية، أما عن الصياغة فلقد خرجت من عباءتها القديمة لتصبح ذات ملامح مختلفة وأسس جديدة تختلف عما عرفناه في القصة القديمة من تباعد زمني وتعدد أماكن وهكذا.
س١٨/ هل ساعدك الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي على كسر احتكار دور النشر التقليدية؟
_ بالتأكيد فالنشر على منصات التواصل يتيح للكاتب الإنتشار وعمل قاعدة جماهيرية تفتح الباب لتسويق عمله الأدبي مما جعل دور النشر هي التي تحتاج إلى الكاتب وليس العكس .
🧠 المحور الخامس: سيكولوجيا الهزيمة، العزلة، والخطايا الأدبيةفي قصصك،
س١٩/ تبدين وكأنك تُشرّحين سيكولوجيا الهزيمة النفسية؛ هل الكتابة لديكِ هي محاولة لترميم الانكسارات، أم أنها مجرد مرآة تعكس القاع دون تجميل؟
_ الكاتب دائما في حاجة إلى مساحة للتعبير عن آلام،ه حتى وإن كان يكتب لنفسه، ولكن في كتاباتي أتعمد.معالجة هذه الآلام ودائما أترك بارقة أمل لتنير الظلام .
س ٢٠/ يتهم البعض الأدب الذي يغوص في "المخاوف والذكريات السوداء" بنشر السوداوية؛ كيف تدافعين عن المساحات المظلمة في نصوصك كضرورة فنية وليست كآبة؟
_ الحياة بطبيعة الحال هي مزيج بين الظلام والنور؛ فلن نعرف قيمة النور سوى عندما نعاني الظلام، ونعبر عنه ونراه بأعينن.ا وهذا ما أفعله لاأكتب لنشر الكآبة، ولكن للبحث عن الضوء ووضع حلول لإيجاده.
س ٢١ روايتك القادمة "رحلة الهروب"؛ هل الهروب في تقديرك الإنساني خطيئة يرتكبها الضعفاء في مواجهة الواقع، أم هو قمة الشجاعة عندما تصبح المواجهة انتحاراً؟
- الهروب هو أول حيلة دفاعية فطرية يستخدمها العقل عند الوقوع في الخطر ،فهو سلوك فطري لكنه في بعض الأحيان لا يكون حلا جذريا. فأنا أميل للمواجهة في معظم الأحوال؛ لأنها في النهاية تضع حدا لهذا الخطر .
س٢٢/ كيف تصنع الكاتبة عزلتها الاختيارية لتبدع نصوصاً شديدة الارتباط بالواقع، بينما هي تعيش في بيئة إقليمية بعيدة عن صخب شلل المركز الثقافي وجماعات المصالح الأدبية في العاصمة؟
_ الأديب دائما إبن بيئته قادر على الإبداع والإستقاء من الواقع المحيط به سواء كان في العاصمة أو في الأقاليم وخاصة أن منصات التواصل الأجتماعي ساعدت كثيرا على تقريب المسافات،
س٢٣/ تتطلب الكتابة الصادقة أحياناً شجاعة كبيرة في البوح؛ هل شعرتِ ذات مرة أن أحد نصوصك كان قريباً جداً من ذاتك لدرجة أنه جعلكِ تشعرين بالخوف من ملامسته الشديدة لواقعك الشخصي؟
_ سألني أحد الزملاء ذات مرة أثناء مناقشة إحدى قصصي : لماذا صغتي القصة على لسان رجل وليس امرأة
فأجبت حينها: أحيانا نخشى أن يعتقد القارئ خطأ ان القصة تمس حياتنا الشخصية لذلك صغتها على لسان رجل. نعم حدث ذلك الأمر بالفعل وتغلبت عليه بتغيير البطل إلى رجل .
