بين وعي القارئة وشغف المبدعة: حوار مع الدكتورة منال العبادي
حوار عطا درغام
تتحرك تجربة الدكتورة منال العبادي في المنطقة الأكثر إغراءً وتعقيدًا في الأدب العربي المعاصر؛ ذلك البرزخ الشفيف الذي يلتقي فيه عين الناقدة الأكاديمية الصارمة بأحاسيس الروائية المرهفة. فهي لا تكتفي بمساءلة النصوص وتفكيك بنيتها ومقاربة جمالياتها كما في كتابها المرجعي «مرايا نقدية»، بل تعود لتمسك بالقلم ذاته وتنسج عوالم سردية وشعرية مكثفة تعزف على أوتار الغربة والألم الوجودي، كما يتجلى في روايتها «ناي تعزف ألمًا» وإشراقتها النثرية «مُرّ حاف».
في هذا الحوار الشامل، نغوص في أعماق هذا المشروع المزدوج؛ فنستكشف لحظات التماس والتجاور بين الذات الناقدة والذات المبدعة، ونقرأ واقع المشهد النقدي الأردني والعربي بين جدران الأكاديميا وفضاءات المنصات الرقمية، كما نقف على رؤيتها لتوطين المناهج الغربية، وتطوير المناهج التعليمية، وتقييم تجارب الأجيال الشابة من واقع مشاركاتها في لجان التحكيم، وصولاً إلى كواليس مشروعها الروائي المرتقب «آيس كريم».
المحور الأول: الهوية الإبداعية والثنائية (بين النقد والإنتاج الروائي)
س: الناقدة منال العبادي تجمع بين مشرط الناقدة الأكاديمية وعاطفة المبدعة الروائية؛ كيف يخدم كل جانب الآخر؟ ومتى تنتصر الروائية على الناقدة في داخلك؟
في داخلي، الناقدة والكاتبة تولدان معًا في لحظة واحدة، لكن الكاتبة تسبق الناقدة خطوة حين تكتب النص، بينما تنهض الناقدة بعد انتهاء الكتابة. العلاقة بينهما تكاملية، وليست تنافسية. الناقدة تراقب الكاتبة أثناء الكتابة فتمنعها من التكرار أو الانفلات، والكاتبة تمنح الناقدة حساسية تجاه الجمال، فلا تجف رؤيتها بالتنظير.
أما عن لحظة انتصار الروائية، فتحدث حين يسكنني النص كحالة وجودية لا تحتمل التأجيل، حين يصبح الألم لغة، وتصبح الكتابة مرآة للجرح تمنحه شكلاً. في تلك اللحظات، تُلقى الناقدة مشرطها جانباً، وتصغي الروائية لصوت الداخل.
س: في روايتك "ناي تعزف ألمًا"، يبرز الألم الوجودي والاغتراب النفسي كعناصر أساسية؛ إلى أي مدى تعكس هذه الرواية جزءاً من رؤيتك الخاصة للواقع المعاصر؟
الألم في الرواية ليس مجرد حالة نفسية، بل هو موسيقى وجودية تعزفها الشخصيات بأصابعها الجريحة. تعاملت معه باعتباره لغةً للتواصل مع الذات والآخر. الرواية تبني سرديتها على بنية الألم نفسها، بحيث يصبح الزمن والجسد واللغة والذاكرة عناصر متداخلة في صياغة هوية غير مكتملة، تبحث عن صوتها بين الفراغات.
بهذا المعنى، تعكس الرواية واقعاً معاصراً تعمّه حالات التفكك والتشظي، حيث يتحول الماضي إلى قوة تستحوذ على الحاضر، وتصبح الذاكرة جرحاً لا يندمل، بل نافذة يطل منها الألم في كل لحظة. إنها رؤية تعترف بأن الوجع يعزف لحناً حزيناً على نايٍ مكسور, وهذا هو واقعنا اليومي.
س: اختيارك لعنوان مجموعة النصوص النثرية "مُرّ حاف" يحمل دلالات مكثفة؛ ما الذي أردتِ تجريده وإيصاله للقارئ من خلال هذا العزف النثري المغاير للسرد الروائي؟
"مُرّ حاف" هو عنوان وجداني أكثر منه واصفي. يعبّر عن لحظات العمر التي تمر بنا ونحن غير مستعدين، حافين من كل شيء إلا من الشعور. المجموعة هي همسات ليلية، ومشاهد التقطتها من حياة النساء تحديداً، حيث يُمررْنَ بتجارب قاسية بأقدام عارية، لكنهن يواصلن المشي. أردت أن أقول إن الألم قد يكون حافياً، لكنه ليس عارياً من المعنى. العزف النثري هنا يختلف عن السرد الروائي لأنه أكثر انكشافاً وجرأة، إنه مساحة للهمس حيث لا مكان للحبكة، بل للحظة المكثفة وحدها.
المحور الثاني: المنهج النقدي وكتاب "مرايا نقدية"
س: في كتابك النقدي المرجعي "مرايا نقدية"، ما هي الانعكاسات أو "المرايا" التي تبحثين عنها دائماً عند تفكيك النص الأدبي؟
في "مرايا نقدية"، أبحث عن المرايا التي تكشف بنية النص العميقة، ليس سطحه فقط. حللتُ كيف يستخدم كتاب مثل جلال برجس وهاشم غرايبة الصدفة كآلة فلسفية لكشف عبثية الوجود، لا كهروب من السببية السردية. المهم هو رؤية ما وراء النص، وليس محاكمته.
س: تبتعدين في قراءاتك النقدية عن القوالب البنيوية الجامدة وتميلين إلى المقاربات الجمالية والدلالية؛ كيف يمكن للناقد إيجاد التوازن بين صرامة المنهج الأكاديمي وروحانية النص الأدبي؟
التوازن يكمن في إدراك أن النص الأدبي كائن حي، لا جثة للتشريح. المنهج الأكاديمي يمنحنا أدوات دقيقة للرؤية، لكن روحانية النص هي ما يمنح القراءة حياتها. أنا أنظر إلى النقد كأداة لإضاءة النصوص، لا لمحاكمتها. فالناقد الذي يفتقد الحساسية الجمالية يصبح مجرد تقني، والذي يتخلى عن الدقة المنهجية يصبح مجرد متذوق. التوازن هو أن تكون صارماً في الأدوات، مرناً في الروح.
س: تناولتِ بالتحليل أعمالاً سردية وشعرية متنوعة محلياً وعربياً؛ ما هي المعايير الأساسية التي تشترطين توافرها في العمل الأدبي ليكون جديراً بالقراءة النقدية؟
أبحث عن الصدق الفني أولاً، ثم عن القدرة على الدهشة، وعن نص يتجاوز سطح اللغة إلى أعماقها. العمل الجدير بالنقد هو الذي يصنع فضاءً سردياً يتأسس على مقاربة فنية لا على نقل وقائع. أبحث عن نصوص تخرج من صياغتها المألوفة إلى صياغة هجينة، نصوص تجرؤ على تفكيك الأنساق.
المحور الثالث: الحركة النقدية الأردنية المعاصرة
س: كيف تقيمين المشهد النقدي الأردني المعاصر؟ وهل ترين أن حركة النقد تواكب الغزارة الحالية في الإنتاج الروائي والقصصي بالأردن؟
المشهد النقدي الأردني يعيش حالة من النشاط غير المسبوق، لكنه يواجه تحديات في مواكبة الغزارة الإنتاجية. الحركة النقدية تسير بخطى متسارعة، لكن الإنتاج الأدبي يتدفق بسرعة أكبر. هناك جهود فردية ومؤسسية تبذل، لكن الفجوة لا تزال قائمة. السردية الأردنية اليوم صوت متعدد, وهذا التعدد يحتاج إلى نقد يستوعبه.
س: يرى البعض أن هناك فجوة بين "النقد الأكاديمي" الذي يظل حبيس الجامعات، و"النقد الانطباعي" السائد في الصحافة؛ كيف ترين سبل جسر هذه الفجوة؟
جسر الفجوة يبدأ من اللغة. على النقد الأكاديمي أن يتخلص من غلواء مصطلحاته ويتجه إلى لغة أكثر حيوية، وعلى النقد الصحفي أن يكتسب عمقاً منهجياً لا يقلل من شأن النص. الحل في النقد الوسيط الذي يستفيد من دقة الأكاديميا وحيوية الصحافة. كما أن المنصات الرقمية يمكن أن تكون جسراً، إذا استُخدمت بوعي.
س: ما هي أبرز التحديات أو العوائق التي تواجه الناقد الأردني اليوم في ظل انتشار المنصات الرقمية وظهور "النقد الرقمي التفاعلي"؟
التحدي الأكبر هو الانسياق وراء سرعة التفاعل الرقمي التي قد تضحي بالعمق. الناقد اليوم مطالب بأن يكون حاضراً رقمياً دون أن يفقد بوصلة النقد الجاد. هناك أيضاً تحدي كثافة الإنتاج التي تجعل من الصعب تمييز الجدير بالنقد. إضافة إلى ذلك، ظهور الذكاء الاصطناعي يطرح أسئلة جديدة حول مستقبل اللغة العربية والأدب. الناقد المعاصر يحتاج إلى وعي رقمي إلى جانب وعيه الأدبي.
المحور الرابع: مواقف وآراء ثقافية
س: لكِ قراءات نقدية مميزة لأعمال روائية أردنية حديثة مثل "حكي القرايا" لرمضان الرواشدة و"منحدرات سحيقة"؛ ما الذي يميز السردية الأردنية الحديثة في قدرتها على توثيق وتحويل الذاكرة والموروث الشعبي إلى فن عالمي؟
السردية الأردنية الحديثة تتميز بقدرتها على التحليق بالمحلي إلى العالمي، السردية الأردنية ليست نصاً مكتملاً ولا خطاباً أحادياً، بل هي نسيج متحقق في الزمن، يُحاك بخيوط متعددة.
في "حكي القرايا"، نجحت الرواية في أن تكون جسراً بين الماضي الشفوي والحاضر الأدبي. توظيفها للمنهجين الأنثروبولوجي والأنثوغرافي جعلها قادرة على توثيق الموروث الشعبي وتحويله إلى فن عالمي. أما "منحدرات سحيقة" فترصد تجربة إنسانية. السردية الأردنية تكتب من الداخل، حيث تتكثف الأسئلة، حيث تلتقي الذات بالآخر، والخاص بالعام. هذا التعدد والغنى هو ما يجعلها قابلة للعالمية.
س: بصفتكِ أكاديمية وتدرسين الأدب؛ كيف يمكننا إعادة صياغة المناهج التعليمية والجامعية لبناء جيل من الشباب يمتلك الوعي النقدي والذائقة الجمالية، بدلاً من التلقين؟
البدء من السؤال لا من الجواب. يجب أن تتحول المناهج من نقل المعرفة إلى إنتاجها. بدلاً من حفظ المصطلحات، على الطالب أن يتدرب على تفكيك النصوص بنفسه. كما أن ربط النص بالحياة ضروري؛ فالوعي النقدي لا يُبنى في المختبرات، بل في تفاعل القارئ مع نصوص تعكس واقعه. أؤمن بأن التعليم الأدبي يجب أن يكون رحلة اكتشاف، لا تمريناً في الحفظ.
س: ما هو موقفكِ من المناهج النقدية الغربية الحديثة؛ هل ترينها أدوات صالحة لتشريح النص العربي بكل خصوصيته الثقافية والتراثية، أم أننا بحاجة إلى "توطين" هذه المناهج؟
لا رفضاً مطلقاً ولا قبولاً أعمى. المناهج الغربية أدوات، لا غايات، وهي صالحة بقدر ما تناسب النص العربي. لكن النص العربي يحمل خصوصيته الثقافية والتراثية التي تجعله عصياً على أي منهج مستورد كلياً. ما نحتاجه هو توطين هذه المناهج، أي إعادة صياغتها في ضوء خصوصية النص العربي، بحيث تصبح أدواتنا نحن، لا أدواتهم التي نرتديها. النقد الحقيقي هو الذي ينطلق من النص، لا يفرض عليه.
المحور الخامس: الأنشطة المؤسسية والعمل في لجان التحكيم
س: شاركتِ في تحكيم العديد من المسابقات والجوائز الأدبية؛ ما هي أبرز الملاحظات أو الهنات التي تتكرر في كتابات الأجيال الشابة وتدعينهم لتجاوزها؟
أبرز الهنات هي الاندفاع نحو الموضوعات الكبرى دون امتلاك أدواتها، والوقوع في فخ التكرار، سواء بتكرار الذات أو بتكرار الآخرين. كما أن بعض الكتابات تعاني من ضعف اللغة، حيث تتصدع اللغة بنفس الطريقة التي تتصدع بها الذات. لكن التصدع المقصود فن، والتصدع العشوائي هفوة. أدعو الشباب إلى الصبر على النص، وإلى القراءة الواعية قبل الكتابة، وإلى الجرأة مع الإتقان.
س: كيف تصفين دور المؤسسات الثقافية الرسمية (كوزارة الثقافة الأردنية ورابطة الكتاب) في دعم الحراك النقدي، وما الذي ينقص الكاتب والناقد الأردني من رعاية مؤسسية؟
المؤسسات تبذل جهوداً، لكنها تحتاج إلى مزيد من الاستمرارية والرؤية. ينقص الكاتب والناقد الأردني منصات نقدية ثابتة، ودعم النقد الجاد لا النقد المجامل، وربط النقد بالتعليم، وتوفير فضاءات للنقاش الحر. كما أن رقمنة الثقافة تحتاج إلى دعم مؤسسي، لمواكبة العصر الرقمي. الرعاية الحقيقية هي التي تخلق بيئة، لا التي تقدم منحاً فقط.
س: ختاماً؛ ما هو المشروع الأدبي أو النقدي القادم الذي تعكف الناقدة منال العبادي على إعداده ليرى النور قريباً؟
المشروع القادم هو رواية "آيس كريم"، التي أعكف على إعدادها حالياً. وهي رواية تختلف في مناخها عن "ناي تعزف ألماً"، لكنها تحافظ على همّ البحث في الذات والآخر، وتفكيك الأنساق التي تحكم حياتنا. آمل أن ترى النور قريباً، وأن تكون إضافة جديدة لتجربتي الإبداعية.
