الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة:
حوار مع سفيرة الكلمة والسلام: الشاعرة والباحثة التونسية حياة بربوش- الجزء الأول
حوار عطا درغام
من جزيرة جربة النابضة بالسحر والتاريخ، ومقاعد جامعة منوبة العريقة، خرجت الأستاذة حياة بربوش لتصنع لنفسها مساراً استثنائياً في المشهد الثقافي العربي. هي ليست مجرد شاعرة تكتب بمداد الوجدان والتمرد، بل ناقدة تفكك الخطاب الروائي، وباحثة تغوص في علم النفس والآثار، وتشكيليّة ترسم الكلمات بألوان الروح. نالت بجدارة ألقاباً دولية كـ"سفيرة الثقافة والأدب" و"سفيرة الحب والسلام"، لتمثل تونس في المحافل العربية والإفريقية بصوت يجمع بين أصالة الجذور وعصرنة الرؤية. في هذا الحوار الخاص، نلتقي بها لنبحر في عوالمها الإبداعية، ونفتش في حقيبتها الأكاديمية عن أسرار السرد والشعر، ونستشرف معها مستقبل الثقافة في العصر الرقمي.
المحور الأوّل: الهويّة والجذور وأثر المكان
1/كيف ساهمت جزيرة جربة بطبيعتها وخصوصيّاتها الثّقافيّة في تشكيل وعيك الأدبيّ الأوّل؟
تتميّز جزيرة جربة بخصوصيّات ثقافيّة فريدة ونادرة حيث يتداخل فيها عبق التّاريخ، والتّنوع الدّيني، والهندسة المعماريّة الاستثنائيّة التّي تعكس تأقّلم الإنسان مع محيطه. 1/التّنوع الدّيني والتّعايش السّلمي. تمثّل الجزيرة ملتقى الأديان. فهي نموذج فريد للتّسامح والتّعايش بين المسلمين (بمن فيهم الإباضية) واليهود. إنّها تضمّ "كنيس الغريبة"، وهو أحد أقدم الكنيس اليهوديّة في العالم ومزار سنويّ تاريخيّ بارز. كما تُعرف بجزيرة المساجد (فيها أكثر من 360 مسجداً) تميّزت تاريخيّا بأدوار دفاعيّة كقلاع محصّنة لحماية الجزيرة من الغزاة والطّامعين.
2/ النّمط العمرانيّ الاستثنائيّ (المنازل والمساجد)
تمتاز المساكن التّقليدية المعروفة باسم المنازل بتصميمها الدّائري حول ساحة مركزيّة للحفاظ على البرودة، وتحيط بها بساتين النّخيل والزّيتون في نظام المنازل (Menzel) مفردها المنزل وحوش المِعمار الجربي له بعد اقتصاديّ واجتماعيّ مستقلّ، وتنتشر على سواحل الجزيرة مساجد محصّنة وأربطة مراقبة كانت تتواصل فيما بينها عبر الدّخان نهاراً والنّار ليلاً لصّد الطّامعين فيها.
3/ الصّناعات التّقليدية والحرف اليدويّة ك:
- فخّار قلاّلة: تعتبر منطقة قلاّلة مركز الخزف والفخّار التّقليدي في الجزيرة، حيث يحافظ الحرفيّون على تقنيات بربريّة قديمة
-النّسيج والملابس التّقليدية: تشتهر بصناعة النّسيج اليدويّ الفاخر، والملابس التّقليدية المميّزة مثل "الحايك" و"المظلّة" الجربيّة لحماية الأهالي من أشعّة الشّمس والحليّ البربريّ والأمازيغيّ.
4/ المطبخ الجربيّ:
- الأكلات المحليّة ينفرد المطبخ الجربيّ بأطباق شهيرة تعتمد على الطّهي بالبخار وزيت الزّيتون، وأبرزها الرّوز الجربيّ (الأرز المطبوخ بالخضار واللّحم أو السّمك بالبخار)، و"المسفوف الجربيّ"، و"الزّميطة"..
- سحر الصّيد البحريّ يرتبط تراثها الغذائيّ بالصّيد التّقليدي للأسماك والأخطبوط عبر طرق متوارثة تشهدها الأسواق اليوميّة مثل حومة السّوق
5/ الموقع:
تقع جزيرة جربة في الرّكن الجنوبيّ الغربيّ من الحوض الشّرقي للمتوسّط بخليج ڨابس أو ما يعرف ب«سرت الصّغرى» عند القدامى ممّا يجعلها منفتحة في ذات الوقت على المتوسّط والصّحراء،تبلغ مساحتها 514 كم2. وترتبط الجزيرة بالقارّة الإفريقيّة بمنفذيْن أحدهما بحريّ اِنطلاقا من "آجيم" حيث يوجد مضيق يفصل الجزيرة عن القارّة، أمّا الثّاني فهو برّي اِنطلاقا من القنطرة بواسطة طريق يشقّ البحر تعود جذوره إلى العهد الرّومانيّ. هذا بالإضافة إلى موانئ عديدة كانت منذ القديم وإلى اليوم نقاطا رئيسيّة لإرساء البواخر وتوجد أبرز هذه الموانئ بحومة السّوڨ بالسّاحل الشّماليّ وآجيم بالسّاحل الغربيّ والڨنطرة بالسّاحل الجنوبيّ وتمرّ بقرب هذه الموانئ أودية تحت مائيّة تسمح بوصول السّفن ولذلك أنشئت حول هذه الموانئ تحصينات دفاعيّة لمنع الأعداء من اختراقها.وتوضّح الدّراسات الّتي تعقّبت مسار التّطور الجيولوجيّ الّذي عرفته الجزيرة بأنّها قد أدركت شكلها الرّاهن خلال الزّمن الجيولوجيّ الرّابع وقد مرّت بتاريخ عريق .
والمعروف تاريخيّا أنّ الأمازيغ هم السّكان الأصليّون لإفريقيا الشّماليّة .وقد كانوا يسكنون الشّواطئ والجبال ويشتغلون بفلاحة الأرض، مساكنهم الكهوف والبيوت المنحوتة أو المبنيّة من الحجارة والطّين،لباسهم يتكوّن من نسيج صوفيّ مخطّط برنس أسود، يرتدون الكدرون والجبّة ومنهم من يحلقون رؤوسهم ولا يغطّونها بشيء ويحجبون وجوههم بالشّام الّذي لا يزال معمولا به إلى اليوم. يأكلون الكسكسي، ويتكلّمون الشّلحة .وهي لغة متميّزة بذاتها معروفة من قديم الزّمان ومتواترة إلى الآن ، لها آدابها الشّعبيّة الشّفهية.وممّا لا شكّ فيه أنّ الفينيقيّين هم الّذين جلبوا غراسة أشجار الزّيتون...وبعدهم جاء المحتلّ الرّومانيّ، فشهدت الجزيرة ازدهارا عظيما لا تزال آثاره العمرانيّة دالّة عليه إلى اليوم. يحدّها البحر من كلّ الجهات، سميّت "بجزيرة الأحلام" أدرجت في قائمة التّراث العالميّ لليونسكو سنة 2023.هذه الجزيرة بهوّيتها الثّريّة وجذورها الأصيلة وثقافاتها المتنوّعة وانفتاحها على الثّقافات المختلفة ومخزونها الغنائيّ وأهازيجها وإيقاعاتها ذات الصّلة الوطيدة بالطّبيعة من بحر ونخيل يتمايل على وقع قصائد بدويّة شعبيّة تعبّر عن الحبّ والوفاء والعشق العفيف والحنين إلى الوطن في محافلها التّي تحتفي بالجمال.هذه القيم الأصيلة العريقة تشبّعت بها حدود الامتلاء.جزيرة علّمتني الشّموخ والإباء والاستعصاء...أصليَ عريق وفرعيَ يناشد العزّة والسّماء....وعيتُ منذ نشأتي الأولى أنّي امرأة الاختلاف والاستثناء...عميقة كالبحر، شامخة كالوتد، كريمة أبيّة ، أعشق الحريّة، زاديَ قيم إنسانيّة خالدة...
2/ تجمعين في هويّتك بين العربيّة والأمازيغيّة، كيف انعكس هذا التّنوّع الثّقافي على لغتك الشّعريّة؟
إنّ هويّتي هدهدة بين هويّتين:
1- هويّة عربيّة: إنّ الهويّة العربيّة عندي ذات دلالات لغويّة وفلسفيّة ونفسيّة واجتماعيّة وثقافيّة، فهي لا تُعدّ منظومة نهائيّة أو كيان مكتمل ، بل هي مشروع مفتوح ومنفتح على المستقبل مشتبك مع الحاضر بتضاريسه ومعطياته والتّاريخ بأحداثه وتراكماته، ولا تكتمل خصوصيّتها الحضاريّة إلاّ إذا تجسّدت مرجعيّتها في كيان مشخّص تتطابق فيه ثلاثة عناصر وهي الوطن والأمّة والدّولة.إنّها ضرب من الانتماء، له مقوّماته ، ولهويّتي ثلاثة مستويات وهي، الهويّة الوطنيّة أو القوميّة، والهويّة الجماعيّة، وأخيرا الهويّة الفرديّة أو الذّاتية والتّي تنبني على الدّعائم التّالية:
- الدّين والقيم: يُشكل الإسلام المكوّن الرّوحي والأخلاقيّ الأبرز لغالبيّة العرب، إلى جانب وجود أقليات دينيّة أخرى ساهمت في إثراء النّسيج الثقافيّ والحضاريّ، إنّه ذاك الانفتاح على الآخر دون إقصاء ولا تعصّب.
- اللّغة العربيّة: وتُعدّ بالنّسبة إليّ الرّكن الأساسيّ والجامع الأبرز للهويّة، لذلك اخترت عن وعي وعشق كبيريْن أن يكون تخصّصي في اللّغة والأدب العربييّن
- الأرض والجغرافيا: الانتماء إلى رقعة جغرافيّة متّصلة ومتكاملة تمتدّ من الخليج العربيّ إلى المحيط الأطلسيّ (الوطن العربيّ بعاداته، وتقاليد الحياة الاجتماعيّة، والفنون، والآداب، والأنماط الثّقافية المشتركة التي تميز المجتمع العربيّ عن غيره من المجتمعات)
- التّاريخ المشترك: الذّاكرة التّاريخيّة والحضاريّة التّي تجمع بين شعوب المنطقة وتخلق شعوراً بالوحدة والمصير المشترك وأواصر التّآزر في السّراء والضّراء.ولا تتكامل أبعاد الهويّة العربيّة ومقوّماتها إذا توفّر بها الوعي الذّاتي والشّعور بالانتماء إلى الأمّة العربيّة أو الوطن العربيّ والوعي بأهميّة هذا الانتماء.
2-هويّة أمازيغيّة: أمّا الهويّة الأمازيغيّة فتقوم في عُرفيَ على جذور تاريخيّة عميقة تمتدّ لآلاف السّنين كأحد أقدم الشّعوب الأصلية في شمال إفريقيا. وتتشكّل هذه الهويّة من منظومة متكاملة تجمع بين عناصر:
- الأرض: إنّ علاقتي بالأرض والطّبيعة روحيّة. فالأرض هي رمز للحماية والوجود والاستمرارية..، فيها أحيا حرّة . فكلمة "أمازيغ"تعني في اللّسان الأصليّ "الرّجال الأحرار"، وهو ما يعكس قيم الأنفة، ورفض التّبعية، ومقاومة الاستعمار عبر العصور.
- اللّغة: تمتلك اللّغة الأمازيغيّة نظام كتابة أصيل وخاصّ بها يُعرف بـ حرف التّيفيناغ، وهو خطّ تاريخيّ عريق يزيّن الآثار الأمازيغيّة ، وتتفرّع إلى لهجات محليّة متعدّدة تشترك في أصول لغويّة موحّدة.وجزيرة جربة شأنها شأن بعض دول المغرب العربيّ تتقن هذه اللّغة الثّرية والمتفرّدة.
-الثّقافة الغنيّة: لقد تميز التّاريخ الأمازيغيّ بالقدرة العالية على التّلاقح الحضاريّ والتّسامح، حيث تفاعل الأمازيغ مع مختلف الحضارات المتعاقبة على شمال إفريقيا (مثل الفينيقيين، الرّومان، والعرب) دون التّخلي عن جوهر هويّتهم.
- الموروث الاجتماعيّ والرّوحي: وهو ما يتشكّل عندي في الدّين الإسلاميّ، وفي ذاك التّراث الشفويّ والفنيّ من عادات وتقاليد تشمل الشّعر، الحكايات الشّعبية، والاحتفال بالعام الأمازيغيّ الجديد (إيض يناير)، فضلاً عن الفنون البصريّة المتمثّلة في صناعة الحُليّ الفضيّة والزّربيّة الأمازيغية ذات الرّموز والدّلالات العميقة...فأنا تلك العربيّة الأمازيغيّة، هويّتي فسيفساء من القيم:الدّينيّة والفنيّة والجماليّة...سليلة الشّعر، أمّيَ الأرض المعطاء والطّبيعة الغنّاء، أغمس ريشتي في ألوان أستمدّها من حليّ جدّتي ، و"بسكري"(نوع من اللّباس ترتديه المرأة في الأعراس)أمّي...لذلك فالطّبيعة حاضرة في أشعاري، والجمال حاضر، والشّموخ حاضر تصريحا أو تلميحا، والبحر حاضر...فأنا "أنثى الموج"
أقول"أنا ابنة البحر المائج...
على الدّوام هائج...
أسخر منك كثيرا...
حين تريد...
أن تنال من حريّتي"...
فالحريّة عندي مِشعل تسلّمته من جدودي "الطّوارق" ورضعته مع لبن أمّي....
3/هل تعتقدين أنّ المكان الأوّل يظلّ يسكن قصائد الشّاعر مهما تنقّل واغترب؟
ليس الوطن رقعة جغرافيّة أحيا بين ربوعه ، بل هو نبضٌ يسكن بين الشّريان والشّريان، هو تاريخ أحمله في ذاكرتي،هو وشم نقشته على جسدي ، هو الانتماء والهويّة، هو القصيدة التّي لم تكتمل بعد، هو لوحة تشكيليّة تتغلغل فيّ، هو صياغة أسطر شعريّة من لغة غير اللّغة ، هو العشق الذّي لا يفنى، بل كالجمر يُفنيني ولا يفنى، هو آيات تُتلى، وفريضة ليس لها كفاية، هو أنشودتي في الصّباح والمساء....
هو حكاية عندي لها بداية وليس لها نهاية،هو كلّ ذكرياتي،مهما شرّقت ومهما غرّبت أعود إليه واللّهفة تأسرني، أناجيه يناجيني، بين أحضانه ولدت وبين أحضانه أموت ، لا مفرّ لي منه إلاّ إليه، أنا الطّائر وهو عشّي، أنا الموجة أنكسر على شطآنه نشوانة، هو نور الأنوار بنوره أهتدي في اللّيلة الظّلماء، أعشق كلّ ذرّة من ذرّات ترابه، هو قِبلتي بعد الله، وترنيمتي في مسافاتي، هو حالة روحيّة شبيهة أكون فيها بالمتصوّفين، يفنى الزّمان وهو لا يفنى، وتهرم الأماكن وهو شابّ على طول الأزمان....هو ذاكرتي حين تخونني الذّكريات، هو كينونتي وكياني، هو حلميَ الأبديّ، هو شموخيَ وكبريائي، هو جسر بين ذاتي وإبداعاتي، هو سرّ وجودي، هو مبعث فخري وفخر جدودي، هو الجمال، هو الجلال، هو ذاك الإيقاع النّابع من الشّلال، هو محراب مقدّس بعيدا عنه أشعر بالاغتراب والعذاب، وفي رحابه أشعر بالانتماء،هو الأرض والسّماء، على قِممه أعيش "كالنّسر فوق القمّة الشّماء"
( الشّابي) بيني وبينه آلاف الحكايات والذّكريات، فيه قلتُ أحلى الأغنيات...أردّدها وأردّد معها ما قاله "أبو تمّام" "نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى... ما الحبّ إلاّ للحبيب الأوّل " ....كم منزل في الأرض يألفه الفتى و حنينه أبدا لأوّل منزل"...
فكلّ الأبجديّات واللّغات تعجز إن هي حاولت توصيف وطني الأكبر"تونس" والأصغر"جربة"...
4/كيف أثرت دراستك لعلوم الآثار والحضارة في نظرتك للتّاريخ والذّاكرة داخل النّص الأدبيّ؟
لقد مكّنتني دراستي لعلوم الآثار والحضارة من توسيع آفاقي المعرفيّة.فأدركتُ من خلالهما أنّهما التّعبير الرّوحي والتّوثيق الحيّ لتاريخ الشّعوب وثقافتها على جميع الأصعدة.فعلوم الآثار هي مغامرة جعلتني أكتشف خصوصيّات الشّعوب ، وهو ما لمسته في المخطوطات والرّقاع والنّقوش القديمة والنّصوص
( الأمازيغيّة، الآشوريّة، الفرعونيّة...)، الأمر الذّي أخذ بيدي لفهم السّياقات التّاريخيّة لقصص الشّعوب والملاحم الأسطوريّة وتفاصيل أحداثها ثمّ التّأكّد من مصداقيّتها فتوثيقها في بعض الأحيان للعود إليها كلّما سنحت الفرصة.إنّها من مصدر من مصادر الإلهام.فيأتي ما أكتبه من الشّعر والقصّة القصيرة مرآة تعكس صادق القيم والأفكار.فتكون الكتابة
- من هذا المنطلق- شكلا من أشكال صون هوّية الأمم من التّلاشي والاندثار.فالتّاريخ محفور في ذاكرتي منه أستقي صوري الشّعريّة وأبعادها الجماليّة والدّلاليّة، إنّه بحث وتقصٍّ في أصول حضارة الإنسان القديمة عن طريق استقراء الشّواهد الماديّة والفكريّة للعصور المتعاقبة عبر التّاريخ،وفي ذات الوقت استخلاص القيم الثّقافية، والعلميّة، والاستيتيقيّة للآثار التّي تركها الإنسان شاهدة على فعله القاهر الزّمن. وتعمل الذّاكرة -من وجهة نظري- الجماعيّة أو الفرديّة على تخزين التّراث الانسانيّ وربط السّيرورة الزّمنيّة ربطا وثيقا تدوينا وتوثيقا لكلّ الحكايات والشّهادات والوثائق الرّسمية والمشاعر الإنسانيّة والتّجارب السّياسيّة والعاطفيّة والفكريّة للأمم ونقل العادات والتّقاليد، والقيم من جيل إلى آخر.وقد سعيت من خلال نصّيَ الأدبيّ أن أنحت ذاكرة مشتركة ووعياً موحّداً للشّعوب، وذلك منعا للذّوبان وحماية لخصوصيّة تاريخ أمّتي ووطني من الطّمس أو التّغريب ومقاومة النّسيان واعتراف وامتنان للّذين ضحّوا لنحيا وأخذ العبرة للاعتبار.
5/ما هي الذّكريات العالقة مع مقاعد الدّراسة إلى الكليّة والتّ صنعت حياة بربوش الشّاعرة؟
منذ سمعت ذات فجر القرآن يُتلى بصوت أبي في مقامات مختلفة (البياتي، الرّاست، الحجاز..) بقراءات متنوّعة ( نافع، ابن كثير، البصريّ....) في لغة ما سمعت أوقع منها في نفسي، سرت في عروقي مسرى الدّم..من يومها سكنتني وعشقتها وبدأ فعل سحرها يفعل فيّ، فأقبلت على الكتب ألتهمها علّني أشفي غليلي، كانت دراستي في مقاعد الدّراسة عزلة اختليت فيها بصفوة الشّعراء قديما"امرؤ القيس" "الصّعاليك" "أبو العتاهية" "أبو نواس" "ابن زيدون" "أبو تمّام" "ابن خفاجة" "ابن هانىء الأندلسي" وغيرهم كثر...أمّا حديثا فقد أرهفت السّمع إلى شعراء المهجر "جبران، ايليا أبو ماضي..."، "أبو القاسم الشّابي" "محمود درويش" "بدر شاكر السّياب" "نزار قباني" "فدوى طوقان" "أحمد شوقي" وغيرهم...أمّا نثرا فمن القديم استهوتني رسائل "ابن شهيد" "الجاحظ" "إخوان الصّفا" "الغفران" كذلك "المتصوّفة "الغزالي" "الحلاّج" و"مقامات الهمذاني" "وبخلاء الجاحظ" "كليلة ودمنة" "الإمتاع والمؤانسة"... وقد سباني النّثر الحديث من خلال "طه حسين" مخائيل نعيمة" "نجيب محفوظ" "نوال السّعداوي" "أحلام مستغانمي" "مقامات المويلحي" "محمود تيمور" "علي الدّوعاجي" "جبران خليل جبران" "أبو القاسم الشّابي وكتابه الخيال الشّعري عند العرب" " محمود المسعدي"... ولم تقف مطالعاتي عند الأدب العربيّ بل كان لي هوس بالأدب الغربيّ، شعرا قرأت لـــــــ"جون جاك روسو" "بودلير" "ألفريد دي موسي" "لامرتين" أمّا نثرا فقد كان حضور أعلام الفلسفة الوجوديّة "جون بول سارتر" "كافكا" "ألبير كامو" وغيرهم، وكان لي شغف بأعلام المسرح "شكسبير"... أمّا مسيرتي في كليّة الآداب بمنّوبة فتلك رحلة مختلفة ومغامرة متفرّدة حيث اخترت أن يكون تخصّصي في اللّغة والأدب العربيّ، فتعمّقت في اللّغة وقواعدها ومدارسها والألسنيّ وعلم الأصوات، وانفتحت أمامي مشارب الحضارة وعلوم الآثار وعلوم:النّفس والاجتماع والتّربيّة...وانفتح أمامي باب النّقد ومدارسه وعلم السّرديات وهو تخصّصي الأكاديميّ (سيرة ذاتية، رواية، مذكّرات، قصّة....) وقد آثرت الاشتغال على الأدب النّسوي...
المحور الثّاني: الكتابة الإبداعيّة والنّزعة الوجدانيّة.
1/تمتاز قصائدك بالنّزعة الوجدانيّة الصّادقة، هل الشّعر بالنّسبة لك هو حالة تطهير ذاتيّ أم مواجهة مع العالم؟
تتنوّع عندي وظائف الشّعر لتراوح بين:
- الوظيفة الجماليّة والفنيّة والتّي أصوّر عبرها مشاعري وأحاسيسي في إيقاع مثير وصور فنيّة بليغة التّعبير والتّصوير تلامس روح المتلقّي فتأسره.
- الوظيفة الاجتماعيّة والسّياسية حيث تصير الكتابة الشّعريّة شكلا من أشكال الدّفاع عن القيم والأفكار.
- الوظيفة التّعليمية والتّأديبيّة وهي تتعلّق أساسا بتلقين طلبتي فصاحة اللّغة العربيّة من جهة ، وتهذيب أخلاقهم من جهة أخرى، إلى جانب كلّ هذا هناك وظيفة نفسيّة هي طقس من طقوس التّطهير الذّاتي(أو ما يُعرف فلسفياّ ونقديّا بمصطلح التطهير - Catharsis) الذّي أعمد من خلاله إلى التّعبير عن كوابت ومشاعر المتلقّي وتصعيد شحناته عبر قدرة لفظيّة ذات محسّنات بديعيّة تشفي نفسه ممّا تجد هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنفّس عن ذاتي في كلّ تفاصيل سيرتي الحياتيّة، ما يمنحني سلاما داخليّا وتوازنا يتجسّد تحديدا في التّوحد مع ما أكتب هذا من ناحية، وتوحّد المتلقّي مع تجربتي الشّعريّة في مظاهر عدّة كالمعاناة والثّورة واللّحظات الرّومانسيّة من ناحية أخرى.وهو ما يجعل تجربتي تتحرّر من البعد الفرديّ الضّيق لتعانق البعد الانسانيّ في أبهى تجليّاته. ويكون هذا الارتقاء عبر توظيف الرّمز والأسطورة، ما يثير - حتما- الدّهشة الجماليّة التّي تدفعه إلى تأمّل حدود الوجود الإنسانيّ، وطرح أسئلة، مصيريّة، ممّا يرفع من نضجه العقليّ والرّوحي.ولا يمكن الجزم أنّ وظيفة ما أكتب تقف عند هذا الحدّ، بل تتجاوزه لخوض معركة لا هوادة معها.فيغدو شعري أداةً نضاليّةً ووسيلةً للكشف والرّفض، ومقاومة الظّلم في ظلّ أنظمة سياسيّة ديكتاتوريّة وفي ظلّ مجتمع ذكوريّ يحرّم ويجرّم فعل المرأة تحت مسميّات عدّة(الدّين، القانون، الأخلاق، العادات....).إنّه شكل نضاليّ ضدّ الإقصاء والتّهميش، وذلك لنحت كيان مختلف وهوّية مختلفة.
فتصبح التّجربة الشّعريّة حصنا لذاكرني من التّلاشي والنّسيان وحماية لي من الصّراعات الدّاخليّة والشّعور بالضّياع والغربة.
2/ في قصيدتك"ما أحلى وجودك" تجلّت مشاعر استثنائيّة دافئة ماهي الشّرارة الأولى التّي تولد منها قصائدك؟
يقول هوميروس: «تلهمنا ملكات الشّعر مقدّمات قصائدنا، ويبقى علينا كشعراء أن نستلهمها» فالشّرارة الأولى لأيّ عمل إبداعيّ تظلّ «سرًا عجيبًا» وفق سحره يكون الإبداع.وهذه القصيدة "ما أحلى وجودك" من أجمل ما كتبتُ إيقاعا وسبكا، انتابني حينها شعور مفاجئ قويّ حرّك دواخلي ودفعني لتحويل إحساسي إلى كلمات موزونة تمازجت فيها الطّبيعة بالألوان والموسيقى الدّاخليّة عبر تدفّق عفويّ. فشرعتُ في كتابة السّطور الأولى دون تكلّف في تشكيل جماليّ من البساطة بمكان.عشت حينها مخاضا روحيّا ونفسيّا بدأ بشرارة الإلهام الفجائية وانتهي بنصّ فنيّ مكتمل ومصقول.وقد ظلّت فكرة " ما أحلى وجودك" تسكنني، تراودني، حتّى تشكّلت المعاني وتداخلت الصّور الذّهنية في مخيّلتي وبدأت ملامح لغتي تنضج ، فترقرقت الألفاظ وأتتني الأبنية منصاعة وتزاحمت الإيقاعات لتحتلّ مكانها بين تلافيف المقاطع، فتعالقت خيوط النّظم في شكل ضفيرة وانفلت من الوجود بالقوّة إلى الوجود بالفعل، وبعد المخاض كانت الولادة في وميض يشبه وميض البرق.وقد بدأت هذه القصيدة بحروف نادت أفعالا وأسماءً.
فكان الاحتفاء في تراكيب حوت صورا شعريّة استدعيتُ لها إيقاعات متنوّعة .فانبجس النّور بعد الظّلمة.وكان الانبعاث ...مغامرة لها ملامحها، ملامح لا تشبه ملامح قصيدة أخرى....
3/يوصف أسلوبك أحيانا بالتّمرد على ماذا تسترخص حياة بربوش تمرّدها الشّعري؟
يحيا الشّعر على التّمرد، أي الخروج عن النّظريات أو القوانين التّي تحاول أن تضع له التّحديدات والضّوابط، أو تسعى إلى توجيهه انطلاقا من أفكار أو معتقدات جاهزة. والشّعر بطبيعته ينحو إلى التّجديد والابتكار، كثيرا ما يتعرّض للتّضييق عليه من ناحية القِيَم السّائدة والقائمين عليها بتعصّبهم الفكريّ. والشّعر العربيّ لم يجد في مراحل ازدهاره وتألقه(خاصّة الشّعر العباسي قديما وشعر الحداثة حديثا)، سوى التّمرد، لكي يقاوم الجمود وينفلت من القيود والأصنام. وقد زخر التّاريخ العربيّ بالمتمرّدين شكلا ومضمونا مثل"أبي نواس"وأبي العتاهية" وأبي الطّيب المتنبي" و"أبي العلاء المعرّي" و"أبي تمّام"قديما و"نزار القبّاني" و"محمود درويش" وفدوى طوقان"
و"بدر شاكر السّياب"و"نازك الملائكة" .... حديثا. أمّا عن تمرّدي فقد كنت أوّل من كتب قصيدة النّثر رافضة كلّ الأشكال التّقليدية المنمّطة والمحنّطة والانفتاح الثّقافيّ، ما ولّد عندي حسّا نقديّا يرفض الجمود والتّقليد . وقد أسهم اطّلاعي على مبادىء الفلسفة الوجوديّة في تأجيج ثورتي على كلّ القيود والموروثات التّي تسلب الأنثى حريّتها خاصّة في المجتمع العربيّ باعتباره مجتمعا ذكوريّا أنانيّا.ويمكن حصر مظاهر تمرّدي في ثلاثة:
1/ التمرّد الفنّي والجماليّ (الشّكل والإيقاع): ويلمسه المتلقّي في كسر عمود الشّعر التّقليديّ والانتقال إلى بحور مرنة تتماشى مع إيقاع العصر الحديث، وصولاً إلى انتهاك النّظام العروضيّ التّقليدي كاملاً مع تشكيل القصيدة تشكيلا بصريّا وظفتُ فيه الفراغات ولعبة السّواد والبياض، وتوزيع الكلمات توزيعا دلاليّا مكمّلا للنّص دون الالتفات إلى آراء المتعصّبين من النّقاد والقرّاء.
2/ التمرّد على اللّغة ومعجم الممنوعات : بدت ملامح تمرّدي من خلال ترك موروث القدامى واستبداله بلغة حيّة، مألوفة مستوحاة من الحياة اليوميّة في صور شعريّة يكتنفها الغموض الفلسفيّ والرّمزية.فهي صور مركّبة قوامها الأساطير والمرجعيّات التّراثية لخلق تجربة ذهنيّة متفرّدة تخاطب قارئاً فاعلاً.
3/ التمرّد الفكريّ: وهو ما نلمسه في قصائد مناهضة للأنظمة الحاكمة وفي رفض الاحتلال الصّهيوني للشّعب الفلسطينيّ، وخاصّة في الثّورة على العادات البالية والتّقاليد المجتمعية الرّاكدة.ولم تخلُ تجربتي الإبداعيّة من التمرّد الميتافيزيقيّ وذلك بطرح أسئلة وجوديّة للتّعبير عن قلقي واغترابي في واقع مشوّه قيميّا. وكان كلّ ذلك في إطار نزعة ذاتيّة ونفسيّة تعانق النّرجسيّة في كثير من الأحيان. فأنا لم أشكّ يوما أنّني كائن حرّ أنحت مسيرة وجوديّة وإبداعيّة ترفض المعطى وتنحت المكتسب وفق رؤية كونيّة ذات خصوصيّات وعلامات دالّة عليّ كيانا وبيانا.
4/ إلى أي مدى تتقاطع الرّسامة التّشكيليّة داخلك مع الشّاعرة عند رسم الصّور والقصائد بالكلمات؟
يُمثّل التقاء الرّسم بالشّعر أرقى صور التّمازج الفنّي عبر التّاريخ حيث يُوصف الرّسم بأنّه شعر صامت، والشّعر بأنّه رسم ناطق
وينطلق الفنّان والشّاعر على حدّ السّواء من منطلق مشترك أساسه الخيال والإيحاء وتحويل المشاعر الإنسانيّة إلى صورة متكاملة، سواء كانت مرئيّة بالألوان أو مقروءة بالكلمات.ويمكن اعتبار مبدإ محاكاة(أرسطو في كتبه فنّ الشّعر) الواقع والطّبيعة القاسم بين الفنيّن هذا من جهة،ومن جهة ثانية اعتبر الشّاعر الرّوماني "هوراس" أنّ القصيدة هي لوحة وكذلك اللّوحة هي قصيدة استنادا إلى ذاك التآلف بينهما في كثير من العناصركــــــــــ :
*لغة التّشكيل:تقوم القصيدة على لغة أساسها المجازات والاستعارات، أمّا اللّوحة الفنيّة فهي ألوان وخطوط وأشكال.
*اعتماد الحواس:الشّعر قناته السّمع والتّذوّق، واللّوحة قناتها البصر للتّقييم.
*توظيف عناصر الصّورة: يوظّف الشّاعر الحديث بعضا من تقنيات الرّسم في قصائده مثل الألوان والظّلال والأضواء ليسمها بشحنة حسيّة تخترق مجال الكلمات.
أمّا عن خصوصيّات تجربتي مع الشّعر من جهة (وهو عندي الأسبق) والرّسم من جهة أخرى ، فرغم التّباعد الزّمنيّ بين التّجربتيْن ، إلاّ أنّ التّعالق بينهما واضح وجليّ،فهما صناعتان مختلفتان مادة متّفقتان صورة،فالشّعر أصله القول، والرّسم أصله التّلوين، لكنّهما يقومان أساسا على المحاكاة وأساسها التّخييل والإحساس. فالمعاني المكوّنة للصّورة الشّعرية عندي تعادل الأصباغ المكوّنة للّوحة التّشكيليّة، ويعادل تسلسل ونظم معاني والصّور الشّعرية تواؤم وتناغم أصباغ اللّوحة،وذلك لتوليد دلالة ما...وأنا أكتب الشّعر أتخيّر عن وعي لتصوير مكوّنات عالمي الشّعريّ لغتي بكلّ مفرداتها، تراكيبها، معاجمها، صورها، إيقاعاتها.فأناغم بينها وفق إكسير من الألوان والأضواء والظّلال، وحين أتربّع في مرسمي أنتقي الفكرة ثمّ أزوّقها بألوان على قدر من الدقّة في المقادير لحظة المزج اللّوني الذّي لا يكون له شعاع ولا حياة دون لعبة ضوئيّة أوزّعها بحرفيّة في مناطق من اللّوحة بعينها.وقد يكون المزج بينها في لحظة بعينها، وهو أن أضع لوحة أمامي وأقول فيها قصيدة، وهي تجربة تنفي الحدود الفاصلة فيها بين فنّين.فتتحقّق تلك الشّعريّة في نظام يأسر الحواس والفكر معا، ما يعمل على تبليغ الدّلالة إلى المتلقّي بفعاليّة عبر تقديمي إطاريْن دلاليّين أحدهما سمعيّ والآخر بصريّ في تناغم ملفت للانتباه..
5/كيف توفّقين بين كتابة الشّعر وبين صياغة القصّة القصيرة، وأيّ الفضاءات تجدين فيه حريّتك الكاملة؟
إنّ الكتابة الشّعرية عندي ليست مجرّد رصفٍ للكلمات أو اتّباعٍ لأوزانٍ وقوافٍ وإيقاعات، بل هي طقس من الطّقوس المقدّسة ، حالة من التّجلي الصّوفي والتّحرر من القيود، حيث أحوّل اللّغة من أداة للتّواصل إلى كائنٍ حيّ يفيض بالجماليّة في لحظة أمزج فيها الوعي باللاّوعي، لأعيد تشكيل العالم وفق رؤيتي الخاصّة، متجاوزة حدود الواقع المتدهور إلى آفاق الحريّة اللاّمتناهية.
وتتجلى لذّة الكتابة الشّعريّة في عدّة مستويات تمنح نصوصي قيمتها الفنيّة والوجوديّة وهي:
أوّلاً: التّحرر اللّغوي ورفض النّسج على منوال السّابقين لأرتقيَ بلغتي إلى صفائها المطلق الحرّ .فتأتيني اللّغة مِطواعا أفكّّكها وأعيد تركيبها لتبوح بآهات ذاتي وأوجاع جسدي، محتفية بالحياة في أدقّ تفاصيلها العابرة والمتغيّرة.
ثانياً: تحقيق لذّة نصوصي ومتعتها من خلال شحذها بطاقة، فكلّما قرأها متلقٍّ استعاد تلك اللّذة واختبرها من جديد بما تحدثه فيه من خلخلة في الثّوابت.
ثالثاً: سحر الإيقاع وجماليّتة من خلال هندسة الأصوات والموسيقى الدّاخلية والخارجيّة التّي تداعب الحواس وتثير العواطف، أمّا الغموض فأنسج خيوطه بالرّمز والإيحاء.
رابعاً: تحويل الألم إلى أثرٍ باقٍ ، فالكتابة الشّعرية في كلّ تفاصيلها انتصار داخليّ يحوّل تجربتي الذّاتية العابرة إلى أثرٍ جماليّ وكونيّ يتحدّى الزّمن ، أثر يبقى خالدا بعد الرّحيل إلى مدن النّسيان .
أمّا الكتابة القصصيّة فتلك حكاية أخرى ،هي عندي عمليّة خلق متكاملة، تبدأ من ومضة فكرة عابرة وتنتهي ببناء عوالم موازية تنبض بالحياة. إنّها التّجربة التّي يمتزج فيها عنت التّفكير بجمال التّعبير، لتمنح الكاتب والقارئ على حدّ سواء إحساساً عميقاً بالحريّة والحلم.فحين أنسج خيوط القصّة القصيرة أمتلك دون غيري سلطة الخلق والتّشكيل، إنّه ذاك الإحساس بمتعة استثنائية في كوني سيّدة النّص، أخلق الشّخصيات، وأرسم مصائرها، وأتحكّم في الزّمان والمكان، ممّا يمنحني شعوراً بالانعتاق من قيود الواقع ورتابته ، ما يمنحني مجالا للتّطهّر من صراعاتي وآلامي .فأتقاسمها مع قرّائي في لعبة سرديّة أساسها الغموض والمخاتلة وحياكة التّفاصيل بحرفيّة تسبق لحظة الإدهاش ، هي تفاصيل ذات طاقة كامنة في المفردات المفعمة بالتّكثيف والإيحاء ، حيث يصبح الحذف، والرّمز، والنّهايات المفتوحة أدوات تترك مساحات شاسعة للتّأويل، مما يحوّل قراءة قصَصي إلى فعل كتابة ثانٍ يشاركني فيه المتلقّي. فيكون
- حينئذ- ذاك التّوحد بين الفضول المعرفيّ والدّهشة الفنيّة. ففي كثير من الأحيان أكتشف أثناء مسيرتي القصصيّة جوانب غامضة من روحي ومن السّلوك الإنسانيّ .أمّا عن اللّغة التّي أكتب بها ، هي لغة سهلة تحقّق لذّة خفيّة ذات قدرة على تحويل اللّحظات العادية العابرة إلى مواقف مكثّفة ذات أبعاد رمزيّة واجتماعيّة ونفسيّة عميقة، لتبقى خالدة تقارع النّسيان.
أمّا السّؤال أين أجد حرّيتي في الشّعر أم القصّة، فكلّ جنس يمارس عليّ إغواءه وسلطته في لحظة تجتاحني الرّغبة في الكتابة،فالشّعر أنصاع له في لحظات وجعي،أمّا القصّة أنقاد لها حين أريد بناء عالم كما أرومه أنا،أبني كما أشاء ، وأهدم ما أشاء...وهما معا يحقّقان رغبة ما في تلافيف كياني ، هما مدن للتّجريب مثلهما مثل أيّ جنس أدبيّ آخر(لي مشروع رواية).
يتبع
