«هندسة السيادة وجغرافيا التعافي: حوار استراتيجي شامل مع الأكاديمي والناشط الحقوقي غالب عبد الإله العاني حول ملامح الجمهورية السورية الثالثة»

حوار عطا درغام

 

في منعطف تاريخي حاسم وجذري تشهده الجغرافيا السورية، وفي ظل سيولة أمنية وسياسية كبرى تعيد تشكيل توازنات الإقليم، يبرز السؤال المصيري حول ملامح المرحلة القادمة وكيفية صياغة العقد الاجتماعي لبلد ينهض من ركام عقود من الاستبداد ومرارة حرب دامت أربعة عشر عاماً. لتفكيك هذه المشهدية المعقدة، نلتقي اليوم بالباحث الأكاديمي والناشط الحقوقي غالب عبد الإله العاني، في حوار استثنائي يتجاوز القراءات العابرة والحلول الترقيعية، ليتوغل في عمق الملفات السيادية الحيوية. يستعرض العاني رؤية علمية وقانونية متكاملة لـ "سوريا حديثة الولادة"، بدءاً من تشخيص الواقع الإنساني والاقتصادي الراهن، مراراً بآليات صياغة الهوية الوطنية الجامعة في ظل التعددية والحق في الاختيار، وصولاً إلى إقرار "اللامركزية الإدارية الموسعة" مع التمسك بالمركزية السيادية، ورسم محددات العدالة الانتقالية وفق النماذج الدولية الناجحة، مع صياغة إستراتيجية واضحة لعلاقات سوريا الإقليمية والدولية ومستقبل ملف اللاجئين.

 

📊 المحور الأول: الأوضاع الراهنة وتشخيص الواقع السوري

1-كيف تقيمون المشهد السوري الحالي سياسياً وإنسانياً؟

 إن المتغير الجذري الذي طرأ على بلدي الجريح سوريا، يستحضرني فيه قول الوزير والسفير الأسبق الدكتور "سامي الجندي" في كتابه كسرة خبر: «من يحكم سوريا يحكم المنطقة». فسوريا بجغرافيتها وأهمية موقعها تكاد تكون عقدة الربط الحقيقي للإقليم؛ كونها الدولة العربية الوحيدة التي تمتلك حدوداً مباشرة مع أوروبا شمالاً، وتُعد بوابة الخليج العربي جنوباً. هذا الموقع الاستراتيجي جعلها ساحة صراع مستتر إقليمي ودولي لتقوية النفوذ، ناهيك عن مواردها الغنية الكفيلة بتحقيق الاكتفاء الذاتي وفائض اقتصادي إذا ما أُحسِن استغلالها.

وفيما يتعلق بالمشهد السياسي والإنساني اليوم؛ فمِمّا لا شك فيه أن سوريا يمكن تصنيفها بدولة حديثة الولادة؛ نظراً لأن الحياة السياسية عُطِّلت تماماً منذ عام 1963 مع احتكار "البعث" للسلطة وقمع أي نشاط مستقل. وتُوِّج هذا الانسداد بانفجار ثورة 2011 التي أنهت عهد القمع، لكن الانتقال إلى حياة سياسية طبيعية بعد 60 عاماً من الأدلجة والتجريف لا يمكن الخروج منه ببساطة. وتفكيك هذا الإرث يتطلب اليوم بناء وعي جمعي جديد، وتأسيس كتل سياسية وطنية عابرة للاصطفافات التقليدية تُبنى على أرضية صلبة لتجنب أخطاء الماضي.

أما إنسانياً؛ فمن الطبيعي بعد حرب الإبادة التي شنها النظام ضد شعبه أن نرى المواطن جريحاً مكلوماً. ورغم أن الحالة الإنسانية تكاد تكون في درجاتها الدنيا، إلا أنني أجزم بقدرة الإنسان السوري على تجاوز هذه المرحلة المعقدة بما يملكه من إرادة صلبة للتعافي والوصول إلى عتبات الكمال الإنساني.

 

2- ما أبرز التحديات الاقتصادية التي تواجه المواطن السوري؟

في خصوص التحديات الاقتصادية؛ يبقى التحدي الأول والأوحد هو "لقمة عيش المواطن". فالإجرام العسكري استنزف السوريين، وبات جُلّ همّ المواطن تأمين قوت يومه، ومواجهة المخلفات الاقتصادية القاسية للحرب من سكن وتعليم وصحة، وهي أبرز المعوقات التي تمس حياته اليومية مباشرة.

 

3-  كيف تؤثر خطوط السيطرة الحالية على حياة السكان؟

خطوط السيطرة الحالية لها أثر كارثي مباشر؛ إذ تسببت في تقطيع أوصال البلاد، وتشتيت الموارد الوطنية، وفرض قيود خانقة على حركة المواطنين والبضائع، مما يعوق أي رؤية اقتصادية موحدة. ولمواجهة هذه الوضعية المعقدة -في بلد يتميز بتنوعه الثقافي والإثني- فإن الأمر منوط بالزمن، وتفكيك هذه المربعات الأمنية تدريجياً بالتوازي مع تعافي الحياة السياسية واستقرارها.

 

4-  ما دور المساعدات الدولية في تخفيف الأزمة الإنسانية؟

في ملف المساعدات الإنسانية؛ فإن لها دوراً كبيراً يتجاوز الدعم المعيشي إلى إنعاش الوعي والتعافي الاجتماعي، كسرًا للعزلة والانغلاق الفكري الذي فرضه الاستبداد سابقاً. ونثمن هنا جهود المنظمات والدول الشقيقة والصديقة التي تسابق الزمن لإعادة التوازن للشخصية السورية اقتصادياً واجتماعياً حتى تستعيد الدولة سيادتها على مواردها وتبدأ مرحلة إعادة الإعمار الحقيقية.

 

5-  كيف ترون واقع البنية التحتية والخدمات الأساسية؟

فيما يخص البنية التحتية والخدمات الأساسية؛ فإن عقود الفساط الإداري وما تبعها من آلة تدمير عسكرية لم تُبقِ ولم تذر، أدت بالضرورة إلى شلل كامل في المرافق. وما تقدمه الحكومة الجديدة اليوم من حلول إسعافية لتأمين النقص يعتبر عملاً مرضياً ومقبولاً كخطوة أولى نظراً لحجم الدمار والظرف المعقد الذي استلمت فيه البلاد، مع طموحنا الدائم بما هو أفضل؛ فرغم أن واقع الأمر يتحكم بنا حالياً، إلا أن الإرادة متجهة نحو البناء الكامل.

____________________

🔮 المحور الثاني: المستقبل السياسي وآفاق الحل

6- ما شكل النظام السياسي الأنسب لسوريا المستقبلية؟

بالنسبة لشكل النظام السياسي الأنسب، فإنني أرى مستقبلاً لنظام ديمقراطي تعددي، يقوم على التداول السلمي للسلطة والمواطنة المتساوية، وتُديره لامركزية موسعة تمنح المحافظات والبلديات صلاحيات تنموية حقيقية، وتُشرك المجتمعات المحلية في تشخيص احتياجاتها وحل مشاكلها؛ تلافياً لسلبيات المركزية المقيتة التي تسببت تاريخياً في تهميش الأطراف وهجرة الريف نحو المدن.

 

7-  كيف يمكن تفعيل مسار اللجنة الدستورية بجدية؟

الانتقال نحو هذه "الجمهورية الثالثة" لا يمكن أن يولد بشكل عفوي أو اعتباطي، بل يجب أن يكون نتاج حوار وطني شامل وممنهج، يشارك فيه السوريون بقرار مستقل -مع ترحيبنا برعاية أممية ميسّرة- للتعامل مع الشروخ الأفقية والعمودية التي خلفتها سنوات الحرب الأربع عشرة. هذا الحوار هو المدخل الإجباري لتفكيك المظلوميات المتراكمة، ومعالجة آثار التدخلات الاستخباراتية الأجنبية وعمليات التهجير القسري، وتقديم جردة حساب ورد المظالم؛ لصياغة "عقد اجتماعي" متوافق عليه يحدد طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع، ويحسم الخيارات الكبرى كشكل اللامركزية الأنسب على أسس علمية ووطنية. وبناءً على مخرجات هذا الحوار، يتم تشكيل لجنة دستورية لصياغة دستور جديد ناظم للحياة السياسية، على أن لا تقتصر هذه اللجنة على خبراء القانون فحسب،

أن تضم اللجنة تمثيلاً حقيقياً لكافة أطياف المجتمع جغرافياً، وسياسياً، واقتصادياً، واجتماعياً لضمان صياغة تضمن مصالح الجميع، وتؤسس لنهضة سياسية ومجتمعية شاملة.

 

8- كيف تنظرون إلى دور المعارضة في المرحلة المقبلة؟

أما عن المعارضة، فهي ليست مجرد خيار، بل هي الركيزة الأساسية والحالة الصحية لأي نظام ديمقراطي متوازن؛ فلا تستقيم سلطة حاكمة دون معارضة تُصوّب مسارها وتكمل دورها. وشريطة نجاحها هو أن تكون معارضة وطنية بامتياز، متعالية على الاصطفافات المذهبية، والدينية، والعرقية، ومتحررة من الولاءات والأجندات الضيقة، لتبني مشروعاً مجتمعياً خالصاً يقود البلاد نحو استقرار حقيقي.

 

9-  ما شروط إجراء انتخابات ديمقراطية ونزيهة مستقبلاً؟

 إن الاستقرار الحقيقي المنبثق عن إقرار العقد الاجتماعي المتوافق عليه، ووجود معارضة وطنية متحررة من الأجندات، هو البيئة الأساسية التي ستمهد الأرضية الخصبة لإرساء القوانين والظروف الآمنة لانتخابات ديمقراطية نزيهة،

 

10- ما الآلية الأفضل لإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي؟

 الركيزة الأولى لفتح الباب أمام ملف إعادة الإعمار الشامل والضخم وتحقيق التعافي الاقتصادي للبلاد.

_____________________

🗺️ المحور الثالث: الحفاظ على وحدة سوريا الجغرافية والسياسية

11- كيف يمكن إنهاء حالة الانقسام الجغرافي الحالي؟

لا يمكن إنكار أن هناك إرادة دولية واضحة وموحدة تجاه رؤية سوريا واحدة، موحدة، ذات سيادة، وذات استقلال كامل؛ وخصوصاً في ظل حالة السيولة الأمنية والعسكرية والسياسية التي تعصف بالمنطقة حالياً، منذ أن بدأت التغييرات الاستراتيجية الكبرى في الإقليم، والتي خلقت في مجملها حاجة ملحة إلى سوريا موحدة. ولكن، إذا أردنا التفصيل في المعنى الكبير لوحدة سوريا، فهو لا يقتصر على تلك الإرادة الإقليمية والدولية فحسب، بل إن الأصل فيه يكمن في الجهود الداخلية وإجماع كافة الفرقاء، وهو العامل الأكثر تأثيراً.

فمنذ الثامن من ديسمبر تضافرت جميع الجهود الداخلية لصون وحدة البلاد، ولا يمكن إغفال الجهود الجبارة التي اتخذتها الحكومة المؤقتة منذ أن وصلت سوريا؛ كإدارة للعمليات العسكرية في البداية، ثم كحكومة تصريف أعمال، انتهاءً بالحكومة الحالية. فمنذ مؤتمر النصر -باعتبار أن الثورة السورية توجت بلحظة نصر عسكرية بعد حراك سلمي واجتماعي طويل- كان الثابت الأول والراسخ هو وحدة سوريا. والآن، ما يزال هذا الثابت بحاجة إلى عدد من الخطوات العملية استكمالاً لما سبق من جهود، حيث تبرز حاجة سوريا الماسة إلى حوار وطني معمق، مطول، شامل، وموسع، لا يمكن بأي حال من الأحوال تغافله. إننا بحاجة إلى حوار يتم فيه مناقشة الرؤى المختلفة من كافة الأطراف المجتمعية، والسياسية، والحزبية، والنقابات، ومنظمات المجتمع المدني، وممثلي الطوائف الدينية والزعامات الروحية، بالإضافة إلى المثقفين المستقلين من كافة الاتجاهات الفكرية، حوار يقوم على جلسات مكثفة من العصف الذهني وتبادل الأفكار في كافة الاستحقاقات التي تنتظرها الجمهورية الثالثة.

 

12- ما موقفكم من طروحات الفيدرالية أو اللامركزية؟

بالنسبة لموضوع الفيدرالية أو اللامركزية، فنعم، هناك آراء كثيرة تتراوح بين المركزية الشديدة، واللامركزية الإدارية، واللامركزية السياسية الموسعة، أو حتى الفيدرالية؛ وهذا أمر طبيعي بحكم تنوع المجتمع السوري وتعدد آرائه ومنابعه الفكرية والثقافية، وهي ميزة وطنية غنية يجب استغلالها بذكاء. ولكن، وجهة نظرنا تميل نحو اعتماد "اللامركزية الإدارية الموسعة" مع التحفظ على طروحات الفيدرالية في المرحلة الراهنة؛ كونها قد تُكرّس حدود الأمر الواقع وتعمّق الشروخ بدلاً من علاجها. فنحن نتحدث عن جمهوريتنا الثالثة التي تؤسس بعد حرب دامية وطائفية ومذهبية خلّفت صدوعاً مجتمعية بليغة، وأفرزت مناطق أمر واقع ابتعدت كثيراً عن المركز. وبناءً على ذلك، نرى أن السنوات الأولى من عمر الدولة تتطلب الحفاظ على "قدرٍ من المركزية السيادية" حصراً في أربعة ملفات حيوية: الشؤون الخارجية، السياسة المالية، المؤسسة العسكرية، والخطط الاقتصادية الكبرى، وذلك لضمان تماسك الدولة وتثبيت وحدتها وإعادة الأمور إلى نصابها.

 

13- كيف يمكن صياغة هوية وطنية جامعة لكل السوريين؟

 الإجماع السوري هو ما سيؤدي لخلق وتعزيز الهوية الوطنية الجامعة التي تعلو على المصالح الضيقة والتطلعات الشخصية وأي هدف دون دولتي. فعندما يشعر جميع المواطنين بأنهم جزء من صناعة القرار السوري، وأنهم جزء من المستقبل، وأن لديهم الحق الكامل في الاختيار، وأنهم متساوون جميعاً في الحقوق والواجبات، فإن ذلك هو ما سيولد المقاربات الصحيحة لبناء عقد اجتماعي وتاريخي جديد. مع الإشارة إلى أن هذه الهوية السورية يجب أن تحمي وتحافظ على الخصوصية الثقافية والدينية لكل جزء من المجتمع؛ فالتنوع الثقافي والديني والفكري والاجتماعي في سوريا هو انعكاس لحضارات عديدة مرت عليها، وهو مصدر فخر وغنى لا يتعارض مطلقاً مع الهوية السورية الجامعة، بل يتكرّس ويُصان عبر دستور وطني حديث يرتكز على المواطنة الكاملة كمعيار وحيد وثابت.

 

14-  ما سبل ضبط الحدود ومنع التدخلات العسكرية الخارجية؟

فيما يتعلق بموضوع ضبط الحدود، فهو ملف يُعنى به الجانب العسكري والأمني بشكل أكبر من الجانب السياسي، على الرغم من وجود بُعد مجتمعي يستوجب حاجة الدولة لتعاون سكان الحدود معها؛ فلا يمكن إنكار وجود تداخل سكاني واسع، كما هو الحال على الحدود اللبنانية السورية حيث تتداخل الأراضي وقاطنوها بين البلدين، أو على الحدود السورية العراقية حيث يصعب التمييز بين الامتدادات العشائرية الواحدة على جانبي الحدود. بناءً على ذلك، يصبح إشراك أهل المنطقة وتوفير احتياجاتهم الاقتصادية والمعيشية أمراً ضرورياً جداً للحد من عمليات التهريب، بالتوازي مع تفعيل جهود حرس الحدود لتفاتيك عصابات التهريب المنظمة عبر تنسيق أمني حكومي ودولتي رفيع المستوى مع دول الجوار كالعراق، والأردن، وتركيا، ولبنان.

 

15- كيف نضمن بقاء مؤسسات الدولة موحدة وقوية؟

 يجب في هذا السياق دمج وهيكلة جميع المؤسسات والمنظمات التي نشأت في مناطق الأمر الواقع إبان الثورة؛ بدءاً بالمؤسسات العسكرية -على غرار عمليات تسليم المقرات والسلاح التي جرت سابقاً نحو مأسسة مركزية- مروراً بالقطاعات الخدمية والإنسانية، وسحب هذه التجربة تدريجياً لدمج بقية التشكيلات والمناطق لمعالجة الجروح النازفة، وبما يضمن صهر الجميع في جسد مؤسساتي وطني واحد وقوي. إن هذا التكامل بين إشراك المجتمعات المحلية والتنسيق الدولي لابد أن يفضي في النهاية لتقوية مؤسسات الدولة، لتتحول من مؤسسات مسحوبة الدسم والصلاحيات إلى مؤسسات ذات سيادة وصلاحية كاملة، تساهم بفعالية في تقديم الخدمات للمواطن وفق إعادة هيكلة شاملة تعتمد أحدث التوصيات الدولية وتتناسب تماماً مع الاحتياجات والسياقات السورية. وفي المحصلة، فإن شكل الدولة السورية -مهما كان- يجب أن يتم بتراضي السوريين بعد حوار شامل ولجنة دستورية مستقلة وممثلة للجميع، ولولا تضحيات دماء الشهداء، والمعتقلين، ودموع الأمهات، وحسرة الآباء، لما وصلنا إلى هذه المرحلة.

_____________________________

🤝 المحور الرابع: احتواء الطوائف والمكونات السورية والتعددية

 16- كيف نضمن حقوق كافة المكونات في الدستور؟

فيما يتعلق باحتواء الطوائف والمكونات السورية والتعددية؛ طبعاً هذا المحور هو الركيزة الأساسية لبناء مجتمع مستقر وبناء دولة المواطنة التي نحلم بها، الدولة التي تفكك إرث ما كان سابقاً من الانقسام المستتر الطائفي والمذهبي وحتى الفكري. إن العقد الاجتماعي القادم يجب أن يتجاوز مفهوم المحاصصة الطائفية نحو "المواطنة الحاضنة للتنوع"، حيث يُقر الدستور بالحقوق الثقافية واللغوية لكافة المكونات كعناصر إثراء للهوية السورية الموحدة والجامعة، لا كأدوات لتقسيم المجتمع. وكما ذكرت سابقاً، هذا الأمر يجب أن يسبقه حوار وطني سوري سوري صريح وشفاف، يشكل المدخل الأساسي لمصالحة وطنية شاملة وعادلة.

 

17-   ما هي خطوات تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة والعدالة؟

نستطيع القول بأن خطوات خجولة بدأت في مسار العدالة الانتقالية عبر تشكيل لجان وطنية للمفقودين والمغيبين. ونحن نعي تماماً، استناداً لتجارب دولية سابقة كالبوسنة وتشيلي ورواندا، بأنها مرحلة طويلة تحتاج إلى الكثير من الموارد والخبرات، مما يحتم على المجتمع الدولي تقديم يد العون لسوريا الوليدة. فلا يمكن تحقيق عدالة انتقالية دون تعويض وجبر الضرر للمتضررين وتخليد ذكراهم، وهو مسار مرتبط بصورة كبيرة بإعادة الإعمار؛ إذ لا يجب أن تُبنى سوريا الجديدة على أساس الهندسة الديموغرافية القسرية أو تكريس الكانتونات الطائفية والفكرية التي تهدد النسيج الوطني.

وفي هذا السياق، تبرز ضرورة ملحة لتأسيس هيئة وطنية مستقلة للمظالم العقارية وحل نزاعات الملكية، تتولى مراجعة الاستملاكات غير القانونية للأراضي والعقارات منذ عهد البعث وخلال سنوات الثورة، لضمان محاسبة المتورطين، وحل ملف المفقودين بشكل عاجل، وجبر ضرر المتضررين مادياً ومعنوياً لحماية السلم الأهلي.

 

18 - كيف يمكن مواجهة خطاب الكراهية والطائفية مجتمعياً؟

: بالنسبة لمواجهة خطاب الكراهية والطائفية، فالعمل يجب أن يرتكز على إصلاح المناهج التعليمية وتنقيتها من الشحن الطائفي، وتعزيزها برؤى منهجية تؤكد أن السوري صاحب فكر متنوع ممتد لحضارات عريقة. كما تبرز الحاجة لقوننة الخطاب الإعلامي والسياسي عبر تشريعات يصدرها مجلس الشعب لمنع التحريض الطائفي والمذهبي والعرقي، بالتوازي مع تفعيل دور المجتمع المدني في إطلاق مبادرات ثقافية عابرة للهويات الفرعية.

 

19 - ما دور رجال الدين والنخب في تعزيز التعايش؟

لا نغفل هنا الدور المحوري لرجال الدين؛ فالخطاب الديني المعتدل أساسي في مجتمعنا السوري المتسامح بطبعه، والذي شكل تاريخياً مهداً للأديان السماوية كافة، مما يجعل قبول الآخر مسؤولية تضامنية تشترك فيها النخب الفكرية والثقافية عبر صالوناتها الفكرية لإنتاج رؤى وطروحات خارج الصندوق.

 

20- كيف تضمن سوريا المستقبلية التداول السلمي للسلطة لجميع مواطنيها؟

أما عن التداول السلمي للسلطة؛ فإن محدداته تفرض على مجلس الشعب إصدار قانون الأحزاب المنتظر، لضمان قيام أحزاب وطنية بامتياز تمتلك برامج سياسية واضحة، وتتنافس في انتخابات حرة ونزيهة تتوفر لها بيئة آمنة وقوانين تضمن تكافؤ الفرص تحت رقابة دولية ومحلية مستقلة. ويبقى المحدِّد الأهم لحماية هذا المسار ومنع أي طرف من الاستئثار بمقدرات الدولة هو تفعيل مبدأ فصل السلطات واستقلال القضاء كاملاً.

_____________________

🌐 المحور الخامس: العلاقات السورية مع دول الجوار والمجتمع الدولي

21- كيف تقيمون مستقبل العلاقات السورية-العربية ومسار التطبيع؟

لا يمكن قراءة مستقبل سوريا الجديدة بمعزل عن محيطها الإقليمي والعربي؛ وهنا أستحضر مقولة تاريخية طالما ترددت بأن (سوريا والعراق ومصر هم نواة المشروع العربي ومراكز ثقله). إن وجود سوريا ضمن العمق العربي هو خيار استراتيجي حتمي لا غنى عنه، ونثمن عالياً الاحتضان العربي الكبير وأثره الأساسي في دعم سوريا في مرحلة ما بعد الثورة، والمساهمة في رفع العقوبات، وتهيئة الأجواء لتمكين الدبلوماسية السورية في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية كصندوق النقد الدولي ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية. لقد كان سقوط النظام البائد بوابة لعودة سوريا إلى حضنها الطبيعي، ترحيباً متبادلاً يعكس إيماننا بأن سوريا اليوم جزء لا يتجزأ من الحل العربي، وأن وجودها ضمن الرؤية العربية المشتركة هو ضرورة قومية حيوية.

أما بالنسبة لملف "التطبيع" والعلاقة مع إسرائيل؛ فلدينا أراضٍ محتلة ممثلة بالجولان السوري، وتوغلات جديدة جرت بعد الثامن من ديسمبر. إن المقاربة الحالية تفرض الحاجة الملحة إلى اتفاق أمني يعيد استقرار المنطقة وفقاً لـ "اتفاقية فك الاشتباك لعام 1974"، وسوريا في هذا الموقف تنسجم تماماً مع الرؤية والمشروع العربي. نرتكز هنا على "مبادرة السلام العربية" التي أطلقها الملك عبد الله عام 2002 في بيروت كأساس ناظم للعلاقات العربية الإسرائيلية، مع التأكيد على أن الأولوية الراهنة هي العودة الفورية لخطوط فك الاشتباك لعام 1974، فلا يمكن الحديث عن أي مسار للسلام دون استعادة الجولان كاملاً، ليبقى ملف التطبيع مرتبطاً بـ "القرار العربي الموحد".

 

22- ما طبيعة العلاقة المستقرة والمطلوبة مع الجارة تركيا؟

فيما يخص العلاقات السورية التركية؛ تُعد تركيا دولة جوار استراتيجية تربطنا بها حدود تمتد لأكثر من 910 كم، ناهيك عن التداخل الديموغرافي والجغرافي والأمني الكثيف. إن التعاطي المشترك لحل الأزمات المزمنة هو أساس هذه العلاقة، وفي مقدمتها ملف حزب العمال الكردستاني (PKK) وتفرعاته؛ وهو الملف الذي وظّفه النظام البائد كورقة ضغط سياسي مسبباً توترات حادة مع الحكومات التركية المتعاقبة. واليوم، نتابع باهتمام وجود مشروع قرار في البرلمان التركي لحل هذا الملف الممتد لعقود، بالتوازي مع ما نشهده ميدانياً من اندماج للمناطق ذات المكون الكردي -خاصة في الحسكة- ضمن مؤسسات الدولة السورية الجديدة. إن العلاقة مع تركيا يجب أن تُبنى كعلاقة جوار مثالية تحقق التوازن الاستراتيجي، وتعمل بمنهجية علمية لحل ملفات المياه، وتنشيط التبادل التجاري عبر المعابر المشتركة؛ فتركيا هي بوابة سوريا نحو أوروبا، وسوريا هي بوابة تركيا نحو العالم العربي والخليج، مما يجعل علاقة الأخوة والجوار القائمة على الصداقة وتبادل المصالح أمراً لا غنى عنه للبلدين.

 

23 كيف سيؤثر شكل النظام القادم على العلاقات مع إيران؟

أما بخصوص الوضع الإيراني؛ فقد كانت إيران شريكاً أساسياً وفاعلاً للنظام البائد في قمع السوريين، وتهجيرهم، وتأجيج الفتن والاحتقان الطائفي، متسببة في أزمة معقدة عانت منها دول عربية عدة كالعراق ولبنان ودول الخليج. ولكن مع ولادة الجمهورية الثالثة، اتخذنا قراراً سيادياً حاسماً بعدم العودة إلى مستنقعات الماضي؛ إذ يُعد خروج إيران من سوريا هدفاً استراتيجياً أساسياً لإنهاء نفوذ أذرعها المتمثلة في ميليشيات ترتبط بطهران فكرياً وعقائدياً وتسليحاً وحتى في القرار السياسي. إن استقامة العلاقات وتحقيق التوازن الإقليمي مرهونان بإنهاء دور هذه الأذرع، ليتسنى لنا التفرغ لإعادة بناء سوريا المدمرة والوصول إلى "صفر مشاكل" مع الجميع. إن مستقبل العلاقة مع إيران مشروط بتحولها من تحالف أحادي عقائدي مؤدلج، إلى علاقات دبلوماسية طبيعية تقوم على احترام السيادة، ولا تضر بمصالح الشعب السوري أو المحيط العربي.

 

24 ما هو الدور المتوقع للمجتمع الدولي في تثبيت الاستقرار؟

إن الدور المتوقع للمجتمع الدولي في تثبيت الاستقرار يرتكز على مسارين متوازيين:

1. المسار السياسي والقانوني: يكمن في تطبيق القرارات الأممية ذات الصلة بالملف السوري؛ فالشرعية الدولية هي البوابة الأساسية للاعتراف بالواقع السياسي الجديد، والضمانة المثلى لبناء بيئة آمنة قادرة على استقطاب رؤوس الأموال وجذب الاستثمارات الخارجية. وبالرغم من هيمنة منطق القوة ومصالح الدول الكبرى حالياً على حساب منطق القانون، إلا أن الإجماع الدولي يظل ضرورة ملحة لتحقيق استقرار مستدام، مع أهمية الاستفادة من التقاربات العربية والإقليمية الحالية لتجاوز الجمود الدولي.

2. المسار الإنساني والتنموي: يتطلب تفعيل دور المنظمات الأممية المتخصصة؛ مثل منظمة الصحة العالمية (WHO)، ومنظمة الأغذية والزراعة (FAO)، وبرامج التنمية الدولية. إن تضافر جهود هذه المنظمات يُعد ركيزة أساسية لإعادة تأهيل البنية التحتية، وتوفير الأمن الغذائي، وهي المقومات الأساسية التي نطمح إليها لبناء أسس الاستقرار المستدام.

 

25 كيف يمكن حل ملف اللاجئين مع دول الجوار بشكل آمن؟

أما فيما يتعلق بملف اللاجئين؛ فإن حله بشكل آمن وكريم يتطلب مقاربة شاملة تجمع بين العوامل الداخلية والمساعدات الإقليمية والدولية. وفي هذا السياق، يمكننا الاسترشاد بالنماذج الدولية الناجحة؛ مثل نموذج "اتفاقية دايتون لعام 1995 في البوسنة والهرسك"، والتي نجحت برعاية الأمم المتحدة في وضع آليات قانونية صارمة تكفل حق العودة الطوعية، وتحمي مستندات الملكية، وتضمن استرداد الأملاك والعقارات للنازحين واللاجئين.

ويتطلب تطبيق هذا النموذج تنسيقاً وثيقاً مع دول الجوار والمنظمات الدولية؛ لتوفير آليات مراقبة محايدة تضمن سلامة العائدين أمنياً، وتمنع الملاحقات التعسفية، بالإضافة إلى توثيق الحقوق العقارية عبر منظومة رقمية مدعومة دولياً لحفظ حقوق الملاك. كما يجب ربط هذه العودة ببرامج التعافي الاقتصادي المبكر لتوفير سبل العيش الكريم للعائدين.