حدائق الكلمات المهاجرة: حوار مع الشاعرة ريم النقري حول قطوف الغيم وأسرار القصيدة
حوار عطا درغام
يأتي الشعر دائماً كأنه نافذة مشرعة على الغياب، وطريقة هادئة لإعادة ترتيب هذا العالم وصياغة تفاصيله المنسية. وفي هذا الحوار، نلتقي مع الشاعرة ريم النقري لنتجول معها بين دفتي ديوانها "ما نسيه الغيم"، ونتتبع مسيرتها من النشر العابر في الصحف إلى فضاءات الكتب الثابتة التي تسافر بالكلمة العربية عبر اللغات والحدود لتصل إلى القارئ في كل مكان.
خلال محاور هذا اللقاء، نفتح مع ضيفتنا دفاتر الكتابة لنتعرف على أسرار بناء قصائدها، وكيف تولد الصور المبتكرة من تفاصيل الطبيعة وحركة الفصول، وكيف يتحول الحزن والفقد في نصوصها من مجرد بكاء إلى مساحات خصبة لولادة الأمل والمعنى. كما نتوقف عند طريقتها الخاصة في تطويع الكلمات وتحريرها من القيود، ونستمع إلى رؤيتها حول دور النقد، والجوائز، وتفاعل الجمهور مع الكلمة المكتوبة في زمننا المعاصر.
المحور الأول: الدواوين والنتاج الأدبي (من عوالم النصوص إلى الإصدارات الثابتة)
•س1: جاء ديوانكِ "ما نسيه الغيم" بعد رحلة من نشر النصوص المتفرقة، كيف تختلف ولادة القصيدة المنفردة في الصحف عن جمعها بين دفتي كتاب واحد يحمل هوية بصرية كاملة؟
القصيدة في الصحيفة تشبه همسة في مهبّ الريح، أما بين دفتي كتاب فهي نبضة محفوظة في صدرٍ لا ينسى. الكتاب يمنح النصوص جسداً واحداً وذاكرةً بصرية تتشابك فيها العناوين كعقد في قلادة. في الصحيفة تولد القصيدة يتيمة، وفي الديوان تجد أخواتها وأمّها وأرضها.
• س2: كتبتِ نصوصاً مثل "ناي وغجرية" و"خطوة القلق"، ما الذي يتغير في علاقة الشاعرة بقصيدتها عندما تعبر الحدود وتُترجم إلى لغات أخرى كالفرنسية أو البرتغالية؟
الترجمة ليست عبوراً لغوياً فحسب، بل هي ولادة جديدة في رحم لغة أخرى. عندما تُترجم قصيدتي إلى الفرنسية أو البرتغالية، أشعر أن روحي تُستنسخ في جسد آخر، وتحتفظ بذاكرتها لكن بنبرة مختلفة. القصيدة تصبح ابنة لغتين، وأنا أكتشف فيها ما لم أعرفه عن نفسي.
• س3: افتتاحية الديوان بمقدمة لشاعر آخر، هل تراها الشاعرة امتداداً للحوار بين جيلين أم صوتاً موازياً يضيء عتمة الممرات قبل الدخول إلى النص؟
المقدمة ليست عتبةً للدخول بل نافذة تُفتح على المدى. حين يكتب شاعر آخر عن تجربتي، فهو لا يمدحني بل يمدّ جسرًا بين جيلين، ويمسك بيدي كي أعبر من ضفة الصمت إلى ضفة البوح. أراها حواراً قبل أن تكون تقديماً، وضوءاً يسبق القصيدة إلى قلب القارئ.
• س4: الانتقال من القطع المتوسط في الطباعة إلى فضاء التلقي العربي، كيف تقيسين أثره في زمن يشتكي فيه الكثيرون من عزوف الناس عن تذوق الكلمة المكتوبة؟
لا أقيس الأثر بعدد النسخ المبيعة، بل بعدد المساءات التي قرأ فيها أحدهم قصيدة لي على ضوء شمعة. زمن العزوف عن الكلمة هو زمن جوعها، والناس لا يعزفون عن الشعر بل عن الضجيج الذي يشبهه. القصيدة الصادقة تجد طريقها حتى في زمن الصمت.
• س5: هل يمثل ترتيب القصائد داخل ديوانكِ تسلسلاً زمنياً لنمو التجربة، أم هو ترتيب شعوري يخضع لمنطق النغمة واللحن الداخلي؟
الترتيب ليس زمنيًا بل نغميًا، أشبه بتوزيع أنفاس في صدر واحد. بعض القصائد تتقدم لأنها المفتاح، وبعضها يتأخر لأنها الخاتمة التي تُغلق الدائرة. أُرتّب قصائدي كما يرتّب العاشق صور محبوبته، لا بحسب التواريخ بل بحسب شدة اللهفة.
المحور الثاني: القضايا المحورية (رصد الفقد وتصدعات الذات)
•س6: في قصائدكِ تحولٌ من الرثاء الباكي إلى ما يشبه الاحتفاء الصامت بالغياب، كيف يمكن للقصيدة أن تحول الفراغ الذي يتركه الراحلون إلى مساحة حية لولادة المعنى؟
الرثاء الباكي اعتراف بالعجز، أما الاحتفاء الصامت بالغياب فهو إيمان بأن ما رحل لم يمت بل تحوّل. القصيدة تحوّل الفراغ إلى رحم، والفقيد إلى بذرة. أنا لا أرثي، بل أزرع في الحفرة ضوءاً وأتركه ينبت على مهل.
• س7: تظهر في نصوصكِ فكرة أن الانكسار والضعف الإنساني هما المنفذ الوحيد لمعرفة الحقيقة، كيف تصالحتي مع فكرة الروح العارية في زمن يقدس القوة والادعاء؟
تصالحت مع ضعفي لأنه الحقيقة الوحيدة التي لا تكذب. القوة قناع، والادعاء درع، لكن الانكسار نافذة صغيرة يدخل منها النور. الروح العارية لا تخاف البرد لأنها تعرف أن الدفء ليس في المعاطف بل في الصدق.
س8: عندما كتبتِ "لست شاعرة"، هل كانت هذه القصيدة إعلاناً للتمرد على القوالب والصفات الجاهزة، أم بحثاً عن حرية أوسع لا تحدها التسميات؟
"لست شاعرة" كانت إعلان تحرّر من الألقاب التي تشبه الأقفاص. لم أرد أن أكون شيئاً محدّداً، بل أن أكون المسافة بين الأشياء. التسمية تقتل ما تسميه، وأنا أردت أن أبقى غير مكتملة، سائلة، حرة.
س9: كيف يمكن للشعر أن يحمي الذاكرة من الزوال دون أن يسقط في فخ البكاء على الأطلال أو اجترار الماضي؟
الشعر يحمي الذاكرة لأنه لا يحفظها كمومياء بل يعيد خلقها في كل قراءة. البكاء على الأطلال حنين إلى ما فات، أما الشعر فهو حنين إلى ما يمكن أن يكون. الذاكرة في القصيدة ليست قبواً بل ينبوعاً.
س10: القلق الإنساني في قصائدكِ يبدو محركاً أساسياً للكتابة وليس حالة مرضية، متى يتحول الألم الشخصي إلى قضية عامة تلمس وجدان القارئ؟
الألم الشخصي يتحول إلى قضية عامة في اللحظة التي يكتشف فيها الشاعر أن جرحه ليس خاصاً به. حين أكتب عن فقدي، أكتشف أنني أكتب عن فقد الجميع. القصيدة هي المكان الذي يلتقي فيه الجرح الفردي بالجرح الإنساني، فتصبح الدمعة الواحدة بحراً.
المحور الثالث: الأسلوب واللغة (الشفافية النفسية والمجاز الطليق)
س11: يجمع تخصصكِ بين دراسة النفس الإنسانية وكتابة الشعر، كيف توظفين معرفتكِ العميقة بخبايا النفس دون أن تفقد القصيدة غموضها الفني وسحرها العفوي؟
علم النفس علّمني أن النفس لا تُعرّف بل تُروى. لذلك لا أُشرّح النفس في قصائدي بل أتركها تتجلى في الصورة والاستعارة. الغموض الفني ليس إخفاءً بل تلميحاً، وهو أقرب للصدق من الشرح المباشر.
•س12: في نصوصكِ تصبح الطبيعة مرآة للمشاعر، كقولكِ إن الخريف مسودة تتركها الأشجار للأرض، كيف تولد هذه الصور المبتكرة التي تعيد صياغة المشاهد المألوفة؟
الصور تولد من دهشة الطفل التي لم تمت فيّ. الخريف مسودة لأنني رأيته مرة يكتب على الأرض، والشجر معلّم صبور. لا أبتكر الصور بل أُزيل عنها غبار العادة لأرى ما تحتها من حياة.
•س13: تعتمدين على قصيدة النثر والإيقاع الداخلي الهادئ، ما الذي تمنحه لكِ هذه الحرية اللغوية ويقصر عنه الوزن الخليلي التقليدي؟
قصيدة النثر تمنحني نَفَسًا أوسع وصوتًا أقرب إلى همسي الداخلي. الوزن الخليلي قصرٌ بديع لكنه قصر، وأنا أريد أن أسكن الفضاء. الإيقاع الداخلي هو نبضي، لا إيقاع الخليل.
•س14: لغتكِ تتأرجح بين براءة الطفولة ونضج التجربة، كيف تحافظين على هذا التوازن دون أن تطغى الحكمة الجافة على حيوية العاطفة؟
أحافظ على التوازن لأنني لم أتخلَّ عن الطفلة التي كنتها. الحكمة الجافة لا تدخل قصائدي لأنني أكتب من التجربة لا من الفكر. البراءة والنضج ليسا نقيضين، بل هما اليدان اللتان تحتضنان العالم.
•س15: متى تشعرين أن اللغة أصبحت عاجزة عن استيعاب الفكرة، وكيف تطوعين الكلمات لتقول ما لا يقال عادة؟
أشعر بعجز اللغة حين يكون الجرح أعمق من الكلمات، وحين يكون الفرح أكبر من التصفيق. عندها ألجأ إلى الصمت، إلى المسافة البيضاء بين السطور، إلى ما لا يقال. الكتابة عن العجز هي أعلى درجات الكتابة.
المحور الرابع: التحليل الفني للنصوص (المرايا وتحرير المعنى)
•س16: تكررين في بعض النصوص الرغبة في خلع الملابس التقليدية للمعاني، ما هي القيود التي تحاولين تحرير الكلمة منها لتعود إلى صفائها الأول؟
أريد تحرير الكلمة من البلاغة المستهلكة، من المعاني الجاهزة، من الاتفاقات اللغوية التي تُسمّي الأشياء دون أن تراها. أريد أن تعود الكلمة إلى طفولتها الأولى، حين كانت صوتاً قبل أن تكون معنى.
•س17: تحتل "المرآة" مكانة بارزة في قصائدكِ، لكنها لا تعكس الوجوه بل ما وراء الملامح، ما الذي تبحث عنه ريم النقري في تلك المرايا المخدوشة؟
المرآة في قصائدي ليست أداة انعكاس بل عين ثالثة. لا أبحث فيها عن وجهي بل عن الوجه الذي يختبئ خلف وجهي. المرايا المخدوشة أصدق من المرايا اللامعة لأنها تحمل أثر الحياة.
•س18: في نص "أينك!" يظهر المخاطب كجزء غائب من الذات، كيف تديرين هذا الحوار الداخلي بين ثنايا السطور دون أن يفقد النص ترابطه؟
المخاطب في "أينك!" هو أنا، هو أنت، هو كل من غاب. الحوار الداخلي لا يفقد النص ترابطه لأنه محكوم بإيقاع الحنين، والحنين خيط لا ينقطع حتى لو تشعّب.
•س19: تمنحين الجماد والوقت صفات بشرية، فيصبح الوقت نهراً بلا ماء، كيف يساهم هذا الأسلوب الفني في تقريب المفاهيم المجردة لذهن المتلقي؟
منح الجماد صفات بشرية هو ردّ الجميل. الجماد يحمل عنا صمتنا وثقلنا، فلماذا لا نمنحه نبضًا؟ الوقت نهر بلا ماء لأنه لا يجري فعلاً، بل نحن الذين نجري فيه.
•س20: بناء القصيدة عندكِ يعتمد على الخاتمة المفاجئة التي تقلب التوقعات، هل تولد هذه النهايات مع بداية الفكرة أم أنها تأتي كخيار واعي بعد اكتمال النص؟ •
الخاتمة المفاجئة تولد مع الفكرة لكنها تنضج في الكتابة. أحياناً أكتب القصيدة لأصل إلى نهايتها، فأكتشف أن النهاية كانت تنتظرني من البداية.
المحور الخامس: الرؤية النقدية (القصيدة كمواجهة وجودية)
•س21: كتب نقاد بارزون عن تجربتكِ ووصفوا قصائدكِ بأنها تضع القارئ أمام أسئلة معلقة، كيف تتقبلين القراءات النقدية التي قد ترى في نصوصكِ معاني لم تقصديها مباشرة؟
القراءة النقدية مرآة أخرى، وأنا أحب المرايا. حتى إن رأى الناقد ما لم أقصده، فهو لم يخطئ بل أضاف. القصيدة بعد نشرها تصبح ملكًا للقارئ، وأنا أتقبّل أن يرى فيها ما لم أره.
•س22: يرى البعض أن الآخر في شعركِ ليس مجرد حبيب، بل هو شريك في صياغة الهوية والوجود، كيف تصفين هذه العلاقة الملتبسة بين الذات والآخر
الآخر في قصائدي ليس حبيبًا فحسب، بل هو الشرط الذي أرى به نفسي. بدون الآخر لا هوية، وبدون الغياب لا حضور. العلاقة بين الذات والآخر في شعري هي علاقة المرآة بالوجه، لا يعرف أيهما يخلق الآخر.
•س23: حين يصف النقاد تجربتكِ بأنها تقف على حافة شعورية حادة، هل ترين في هذا الوصف إنصافاً لعمق المعاناة أم مبالغة في تصوير القلق؟
"حافة شعورية حادة" وصف أعتز به لأنه صادق. المعاناة ليست مبالغة، والقلق ليس مرضًا بل حالة وعي. من يرى الحياة بوضوح لا يستطيع أن يكون هادئًا.
•س24: بين التكريمات التي نلتِها والقراءات التحليلية لنصوصكِ، ما هو المقياس الحقيقي الذي يجعلكِ تشعرين أن قصيدتكِ وصلت إلى غايتها؟
المقياس الحقيقي هو أن أجد قارئاً واحداً يقول لي: "هذا ما شعرت به ولم أعرف كيف أقوله." عندها أعرف أن القصيدة وصلت، لا لأنها فازت بجائزة، بل لأنها سكنت قلبًا آخر.
•س25: ينظر النقد الحديث إلى الشعر بوصفه أداة لمواجهة مصير الإنسان، إلى أي مدى نجحت قصيدتكِ في أن تكون درعاً لحماية روحكِ وروح القارئ من قسوة الواقع؟
لا أعرف إن كانت قصيدتي درعاً، لكنني أعرف أنها البيت الذي أعود إليه كلما اشتدّت العاصفة. وإن نجحت في أن تكون للقارئ ما هي لي، فهذا كل ما أردته. الشعر لا يحمي من الألم بل يمنحه معنى، والمعنى هو الحماية الوحيدة.
