من غبار مستودعات البناء إلى سحر الحرف.. سيرة الكرامة والكفاح في بلاد المسيلة"

حوار عطا درغام

 

من قلب مدينة المسيلة، حيث تتنفس الأرض التاريخ، وتلوح في الأفق ظلال القبائل الهلالية الأولى، يخرج صوتٌ أدبي فريد لا يشبه السائد. ضيفنا اليوم ليس أكاديمياً يجلس في أبراج عاجية، بل هو رجلٌ يطحن الأيام وتطحنه، يصف نفسه ببساطة وفخر بأنه "عامل يومي".

بين غبار مستودعات البناء، ورائحة المواشي، وعرق التعب الكادح لأجل القوت، ينفض عن يديه شقاء النهار، ليتحول في سكون الليل إلى حكواتي يمسك بزمام الحرف. هو المبدع الذي واجه انكسار ضياع كتاباته، وقاوم غياب الشهادة الثانوية بعصامية نادرة، ليجعل من قلمه صرخة "رفض للاختفاء" وجسرًا يربط بين بطولات أجداده وسحر التكنولوجيا الحديثة.

في هذا الحوار، نبحر معه في رحلة دافئة؛ نتشرب من عطر الصحراء، ونستمع لقصة كفاحه الإنساني، ونقترب من فلسفته البسيطة التي تختصر الحياة في كلمة واحدة: الكرامة.

 

المحور الأول: البدايات والنشأة والتعب

   1- كيف أثرت نشأتك وحياتك في مدينة المسيلة على حبك للحكايات والقصص؟

خيط الكتابة كانت بدايته مختلفة كنت صغيرا لا أعرف غير المدرسة والكتاب والشوق لوالدي المغترب- رحمه الله- كان شوق طفل يرى أقرانه يقدم آباؤهم لهم مفرقعات يوم العيد بينما تدسها والدتي تحت وسائدنا بفطرتها البدوية كانت تعلم أننا نفتقد والدنا عندما أجدت الكتابة كتبت رسالة لوالدي- رحمه الله- كان فرحي كبيرًا يوم عاد وأحضرها انتقد خطي قليلا لكنني علمت أن والدي يعلم ما أكابده وهو بعيد أشكو وأذكر ثناء عمي رحمه الله معلم الكتاب، أخذت أكتب الرسائل له ثم لأخي الأكبر المتطوع في الجيش أحضر أخي وأنا في التاسعة من العمر كتبًا علمت لاحقًا أنها مقرر مصري أثناء الوحدة بين سوريا ومصر. كانت نصوصًا مغرية لطفل. عاد والدي نهائيًا، وبدأت جلسات الليل الشاتي وبرد الحضنة، بينما أمي تحيك لنا ألبسة مثل البرنوس والقشابية، حكى لنا السيرة الهلالية ، وذهبت لعمي الأكبر أستفسره، نصحني بكتابتها.

 

    2- أنت لم تكمل تعليمك الثانوي، كيف استطعت بتعبك الخاص أن تصبح قارئاً وتؤلف كتاباً؟

نعم عامل يومي لكن قبلها أدمنت المطالعة وقرأت فتاة غسان وأنا مراهق ورواية الطريق الدامية في مكتبة متوسطة علي بن أبي حسن بن رشيق المسيلي، اكتشفت من خلال زميل وأنا تلميذ داخلي مكتبة البلدية وهناك غرقت في المطالعة بين التاريخ قرأت فصولًا من رواية في قافلة الزمان لعبد الحميد جودة السحار. حلت العطلة كنا نملك تلفازًا بالأبيض والأسود شغوف بالأخبار تهزني مأساة الشعب الفلسطيني والمجاعة في أفريقيا.

 

  3- أنت لم تكمل تعليمك الثانوي، كيف استطعت بتعبك الخاص أن تصبح قارئاً وتؤلف كتاباً؟

خلال دراستي كنت متفوقًا في اللغة والأدب العربي والاجتماعيات لظروف خاصة انفصال الوالدين جعلني أنطوي، ثم تركت الدراسة. عملت في العاصمة  في ساحة الشهداء، رأيت ما أحلم به مجلات عربية المستقبل الحوادث الوطن العربي الأهرام والقبس الكويتية، كنت مثل طفل دخل محل ألعاب أدمنت شرائها رغم العواقب المالية المترتبة عن قلة الأجر وعدم كفايته. ظل حلم الكتابة معي حتى عام 1997، عندما شرعت في تأليف عمل عن اختطاف فتى جزائري من وهران في مارس 1949 من عصابة يهودية، وبدلا من التضحية به يتم تربيته....... قدمت الفصول لرئيس تحرير أسبوعية قال إنها ضاعت، عدت للقوقعة وبقيت أقرأ وأكتب ما يجول في خاطري من أفكار كان أشبه بمرض علاجه الكتابة. أعددت مشروع عمل عن الآثار الاجتماعية للإرهاب من خلال رواية ضابط قوات خاصة تعتقد خطيبته وأهلها أنه تخلى عنها، لم أجد ناشرًا يغامر. لكن لم أتخل عن الكتابة ألتقط مشهدًا أحيانًا أضعه في دفتر، وأكتب فقرة أو فقرات.

 

 4- تصف نفسك دائماً بأنك "عامل يومي"؛ كيف يلهمك هذا العمل الشاق في كتابة قصصك؟

نظمت نفسي وشرعت أكتب  قصصًا قصيرة  الخوف من خيبة 1998، جعلني أحفظ ما أكتب على فترات متقطعة. امتلكت أول حاسوب عام 2014، كان قديمًا لكنه حررني من القراءة في مقاه الإنترنت واشتراكها الشهري وكابوس العودة للبيت بلا مواصلات مضمونة.

 

5- ضياع 59 قصة من كتاباتك الأولى في كارت ذاكرة (ميموري) كان صدمة كبيرة، كيف استطعت الوقوف على رجليك ومواصلة الكتابة بعدها؟

صرت أحمل الكتب وأقرأ وضعت ما كتبته من قصص في بطاقة ذاكرة  كان الأمر محبطًا عندما يقرأها الحاسوب حملتها للعاصمة لكنها كانت أتلفت 59 قصة وبعض من فصول الوديعة ومخطط لرواية ملحمة سيفار سر النصال السبع تخليت لاكثر من أربع سنوات، ثم عدت مجددًا لأن الشغف لا ينتهي إلا بعد أن أصب الأفكار في الورق.

 أحيانا أتوقف لشهور بسبب التعب والضغوط اليومية للحياة التي أعيشها.

 

المحور الثاني: أسباب اتجاهه للكتابة والإلهام

    6- بعد يوم طويل ومتعب من العمل في مستودعات البناء والمواشي، كيف تجد الطاقة لتجلس وتكتب في الليل؟

الدافع هو التعبير عن نفسي، وما أحمله من رؤى يشبه كما أسلفت مرضًا لا شفاء منه إلا بالكتابة.

 

   7-  كتبت في سيرتك أن قصصك هي "رفض للاختفاء"، بالبلدي كده، ماذا تقصد بهذه العبارة؟

هي رفض التلاشي ؛ وتعني الإصرار على البقاء وسط زوابع التقلبات السياسية والاجتماعية، شعوب وأفراد قاوموا وأصروا على البقاء مثل طيور تهاجر ؛لأن موسم التعشيش انتهى فتنقل فراخها لمكان آمن.

 

   8-  كيف جاءتك فكرة روايتك الجديدة "الوديعة"؟ وما الذي ألهمك بها؟

الوديعة فكرتها تعود لسنوات، من إرث الأمير عبد القادر -رحمه الله- تمتد أحداثها عبر الجزائر أيوا بالولايات المتحدة الأمريكية والصين ضمن مزيج من الحركة والتاريخ  ومشروعها مؤجل ربما لشهور مقبلة لانني انهيت الجزء الاول من صليل الموجات زهي ثلاثية تجمع بين الجاسوسية والصراع الجيوسياسي  والخلفية التاريخية والثقافية للبطل،

 

   9-  من هم الكتاب أو الأدباء الجزائريون الذين تحب القراءة لهم وترى أنهم أثروا فيك؟

الحقيقة أن من تأثرت بهم كتاب عرب  وأجانب أيضًا.  أما في الجزائر ، فأجد عز الدين ميهوبي، واسيني الأعرج في روايته عن الأمير عبد القادر -رحمه الله-.

 

   10-  ما هي الكلمة أو الرسالة الغالية التي تتمنى أن تتركها لأولادك وللناس الذين يقرؤون لك؟

كونو بشرا فقط مثلما كان الأمير عبد القادر، يرى الأسرى الفرنسيين . ومثلما كان وهو يحمي المسيجيين في دمشق رجل قلما يجود الزمان بمثله ،والعالم يحتاج شخصية كهذه.

 

المحور الثالث: أسلوب الكتابة وبرامج الهاتف

    11- ذكرت أنك استعنت ببرنامج ذكاء اصطناعي في الهاتف (اسمه كلود) ليساعدك في كتابك الأخير؛ احكي لنا كيف كانت تجربتك معه؟ وهل فعلاً عاونك في ترتيب أفكارك؟

كلاود استعنت به في التحرير والتنسيق؛ لأنني لا أملك ما أدفعه للمحررين والناشرين. بكل بساطة قد تساعد المنصة في التحرير، لكنها لا تعطيك أفكارا إنسانية ، ولا فكرة مثل صليل الموجات والوديعة ولا أحداث تمتد لاثنتي عشرة سنة في صليل الموجات المدة التي تغطيها أحداث الجزء الأول

 

   12-  هل ترى أن هذه البرامج الحديثة تخدم الحكايات الشعبية القديمة، أم أنها تلغي إحساس الكاتب البشري؟

 الذكاء الاصطناعي لا يعطينا فلسفة الأمير وأثره المستمر لليوم.

 

    13- لماذا اخترت أن تكتب بعض أعمالك باللغة الإنجليزية بدلاً من العربية؟

عملي الأول كان موجهًا أساسا للقارئ الغربي  لغتي الإنجليزية ضعيفة. ولهذا ترجمتها بالذكاء الاصطناعي عدم إصدار النسخة العربية أنني كنت آمل إصدارها ورقيًا باللغة العربية أولًا.

 

14-  نرى على صفحتك أغلفة كتب وتصاميم جميلة جداً مصنوعة بالكمبيوتر؛ ما الذي يجعلك تحرص على دمج الصور مع قصصك؟

الصورة صممتها، وألقيت التعليمات للذكاء الاصطناعي، وهي جمعت بين مختلف القصص.

 

    15- كيف تجمع في كتاباتك بين حكايات الماضي وأجدادنا القدامى، وبين التكنولوجيا والإنترنت اليوم؟

التكنولوجيا قد تخرج أساطير الهلاليين مثلًا على شكل مقاطع ريلز، وقد تقدم أفكارنا في عالم يتسم بتأثير الصورة أكثر من الكتابة أتذكر عندما حشر العرب الكيان في الزاوية. كيف أنتجوا لائحة شندلر، كيف أثرت حنان عشرواي على المشاهد الغربي بطلتها الرصينة قبل أن يثور مناثارتهم الدهاليز، وتتم اقالتها التكنولوجيا بدلا من مومياء مصرية، قد تقدم لنا مسار معقولًا لبناء الأهرامات وأعمال روائية ودرامية تضعنا أمام العالم.

 

المحور الرابع: الأصل والهوية وتاريخ الأجداد

   16-  أنت تفتخر دائماً بأصلك من القبائل الهلالية؛ كيف يظهر هذا الفخر في القصص التي تكتبها؟

الفخر الهلالي في القصص، قد يظهر على شكل ومضات مثل إيثار الفرسان  ونخوة السحاري، وهم يستقبلون بني عمومتهم السوامع حيث قاسموهم الخيام والأرض، لكنه سيتجلى أكثر في صليل الموجات والوديعة  وخيام العز التي تدور من باب المندب حتى واحات الساورة. الكرم والشجاعة والإيثار والتحكم في التكنولوجيا، ضمن مناقب أبطال أعمالي ورؤيتهم للعالم. هذا ليس عنصرية لكنه  فخر عربي بجذوره  وأمته.

 

   17-  تحدثت عن بطولات "قبيلة سوامع" في ثورة المقراني عام 1871، كيف جمعت هذه المعلومات والتاريخ؟

1871 كانت ثورة امتدت من سكيكدة حتى الأطلس البليدي، رغم استشهاد القائد. استمرت الثورة فرنسا المنهزمة أمام ألمانيا حشدت جيوشها لقمع شعب  أنهكته المصادرة والمجاعات روايات شفوية تناقلها الأجداد للأحفاد. لا أعلم قبيلة عربية عانت الشتات مثلنا بعد الفلسطيننيين، امتد الشتات لربوع الوطن والمشرق العربي. أيضًا كانت مأساة إنسانية وجريمة حرب حملتها الذاكرة الجماعية لقبيلة السوامع.

 

 18- نلاحظ أنك تحترم الأمير عبد القادر كثيراً وتذكره في سيرتك، ما السر وراء هذه المحبة الكبيرة؟

الأمير عبد القادر لم يكن رجلا عاديًا منذ سقوط دولة بني زيان وحكم الثعالبة في العاصمة. حل الظلام التركماني للمرة الثانية، بعد أن تسببوا في تدير شبكة الأمان الاجتماعي في القرن التاسع، باستيلائهم على موارد الدولة وتسخيرها لخدمتهم. بدأت الهجرة القيسية المرة الثانية عندما حلو بصفة النصرة في الدين. قتلوا، شردوا ، استولوا على الإقليم بلا رؤية لبناء الدولة، عندما نزل المحتل الفرنسي بجيوشه تركوا الشعب يواجه مصيره. في لحظة فارقة ،ظهر الأمير الفارس والشجاع الذي أعاد بناء دولة وطنية، ورغم الهزيمة والغدر به من سلالة أورليان لم يبع شعبه ولم يتخل عن مواطنيه .احتضنهم في دمشق، وهو سر تواجد جالية مستمرة في سوريا فلسفته ورؤيته للحياة ومواقفه دلت على رجل فذ في تاريخ الجزائر والعرب. تصوفه لم يكن دروشة وانعزالا، بل كان زهدا في دنيا  فانية.

 

    19- كيف تؤثر حياة الصحراء والترحال القديم على خيالك وكتابتك للروايات؟

لم أعش الترحال في الواقع. آخر مرة ارتحل والدي، كانت في سبعينيات القرن الماضي .

 

  20- كيف تحاول نقل قصص الأجداد الذين قاوموا الاستعمار ولم يرضخوا له إلى الشباب الصغار اليوم؟

بالطبع أحاول إثارة فضول الطفل أو الشاب ليسأل المجاهدون في فارسكور ودمياط أثناء الحملة الصليبية .هم نفسهم المجاهدون في كثبان الشوابير أثناء الثورة اختلاف في المكان والزمان فقط.

 

المحور الخامس: رسالته الإنسانية وبساطة العيش

    21- في سيرتك ربطت بين وجع الأطفال في غزة والأطفال في أوكرانيا، كيف ترى أن القصص تجمع هموم البشر؟

ألم الأطفال واحد، وألم الفقد نفسه أم في غزة أو خارجها .كيف اللوعة الرعب من الغارات والموت، الذي ينتظر طفلاً يذهب للمدرسة أو يحاول عيش طفولته في الشارع. الطفل الذي يعيش رعب الدعم السريع هو رعب طفل عاشه مصري أثناء العدوان الثلاثي ، وأثناء العدوان وبعده عام 1967.

 

 22- شبهت ظروف أبناء الهلاليين بركاب سفينة "ماي فلور" الأمريكية القديمة؛ ما هو وجه الشبه بينهم في نظرك؟

تاريخ الهلاليين لم يكتبوه هم، كتبه سكان الحواضر والسلطة الحاكمة ونخبها من وصف المجاهد الجزائري بالمتمرد والخارج عن القانون .كان وصفه سيبقى لو لم تقدم تلك الثلة من الميامين على إعلان الثورة. ويقدم العرب كل غال ونفيس لدعمها، اقرأ أوضاع الجزيرة العربية وبغداد. يومها ستجد أن الإقطاعيين التركمان أمموا الدولة لصالحهم ،وانهارت كل شبكات الأمان الاجتماعي مجاعة وعدم استقرار، كانت سببا للهجرة  بعيدًا عن التسلط التركماني. أجدادنا امتطوا خيولهم وجمالهم، وارتحلوا في تغريبة أسطورية  ،بينما حجاج الماي فلاورز أيضا فروا بمعتقدهم من ملك ظلم وكنيسة مستبدة . كلاما هاجر طلبًا للعيش الكريم بعيدًا عن استبداد المركز.

 

23- تمنيت زيارة أمريكا لتكريم روح من كتبوا "وثيقة الاستقلال"، ما الذي تعنيه لك كلمة "استقلال وحرية"؟

وثيقة الاستقلال  إرث إنساني منه، وقبله ماي فلاورز وحجاجها. ولدت دولة،  قدمت للعالم أشياء جيدة مثل حرية الابتكار والسوق التي بفضلها نتحاور اليوم وتقرأ أجوبتي.

 

   24- كيف تثبت في كتاباتك وحياتك أن كرامة وشرف الإنسان لا تحكمها الأموال ولا المناصب؟

صليل الموجات، عندما تصدر سترى من خيارات البطل أن الكرامة تحكم خياره في النهاية.

 

   25-  جملتك الأخيرة كانت "إذا لم تختفِ الكرامة، لن يختفي الإنسان"؛ كيف تلخص لنا هذه الكلمات نظرتك للحياة والمستقبل؟

عندما تختف الكرامة، لا وجود لمجتمع إنساني بكل بساطة.