ملهمة النوارس: حوار الحبر والطباشير مع الأديبة فاطمة بنّاني

أرض الكنانة تلتقي بالخضراء: حوار يفتش في دفاتر الأديبة التونسية فاطمة الزهراء بناني

حوار عطا درغام

 

حين يمتزج مداد القلم بنبضات الوجدان، يغدو الأدب جسرًا عابرًا للحدود، يربط القلوب والبلدان برباط لا تنفصم عراه. وفي هذا اللقاء الاستثنائي، يمتد الجسر الثقافي بين مصر وتونس، لنلتقي بالكاتبة والأديبة التونسية القديرة فاطمة بنّاني؛ صاحبة القلم الذي نجح في صياغة عوالم تجمع بين براءة الطفولة وعمق الحكمة الإنسانية.

 

تأخذنا أعمال الأديبة فاطمة بنّاني في رحلة دافئة بين دروب الكلمة الصادقة، فهي لا تكتب لمجرد الحبر على الورق، بل تبذر قيم التسامح، التوازن، والجمال في نفوس قرائها بمختلف أعمارهم. من أسرار "سلسلة نوارس" التي تحلق في فضاءات الحرية، إلى قضايا حواء والواقع الاجتماعي المعقد، وصولاً إلى طيات كتبها الموجهة لليافعين والأطفال والتي تعيد رسم الوعي الإنساني برفق وسلاسة.

 

في هذا الحوار، نفتح معًا دفاترها الإبداعية، لنبحر في سر لغتها البليغة السهلة، ونستكشف كيف استطاع قلمها التونسي أن يجد صدىً واحتفاءً واسعاً في أرض الكنانة، منافساً بصخب الكلمة وعمق الفكرة كل بهرج العصر الرقمي الحديث.

 

المحور الأول: الدواوين والمؤلفات

1. في مجموعتك "سلسلة نوارس" بجزأيها، لماذا اخترتِ النورس تحديداً كرمز متحرك، وما الذي يربطه بعوالمك؟

 

النوارس هي مجموعة للأطفال من تسمية دار النشر التي تخصص لكل نمط كتابي اسمًا ،والنورس  طائر جميل يكثر في شواطئ تونس؛ فتزدان جمالًا بلونه الأبيض الموشى بالوردي، يحبه الأطفال ويتمتعون برؤية أسرابه ،التي تمثل فأل خير لدينا أيضًا.

 

2. كتابك "ما جنته عليّ حواء" يحمل اسماً مشاكساً؛ من المحاكم في هذا النص: حواء أم المجتمع الذي يحاسبها؟

لا نحكم على الإصدار من عنوانه، فحواء بأفعالها وتضحياتها تغير فينا أشياء كثيرة؛ فنقبل على الحياة والعطاء والتفاني لرد الجميل لها ،كاجتهاد الأبناء وسعي الأزواج لدعمها وشد همتها ووضع اليد في يدها لبناء مجتمع متوازن بشراكة هادفة.أما إذا لقت العكس فردود أفعالها تكون عكسية؛ إذ تفك هذه الشراكة وتعتنق الصمت، وتواصل كفاحها لوحدها.هذا ما فعلته بي حواء يحمل الإيجابي والسلبي، لكن تبقى المرأة سيدة الكون والإهداء أصلًا للماجدة الفلسطينية الرابضة على الحدود، تحمي الأرض والعر ض بقلب من بارود وعين كعيون الأنبياء شجاعة وعزة.

 

3. في قصة اليافعين "حين يصبح الذئب عاشباً"، هل تحاولين إعادة كتابة وتصحيح الخرافات الشعبية القديمة التي ظلمت بعض الكائنات؟

"حين يصبح الذئب عاشبا" ،قصة بعض أبطالنا حيوانات، ربما نحوت بها نحو الكتاب الفارسي المترجم إلى العربية. فباطنها دروس وعبر ومواكبة للعصر والحفاظ على التوازن البيئي والرفق بالحيوان، وظاهرها طرافة وملح لتكون مهضومة لدى الطفل الذي لا يحبذ توجيها مباشرًا نحو القيم ؛فألبستها هذا الكساء لتكون خفيفة على القارئ الصغير.

 

4. كتابك "موال من كل درب" يغلب عليه التنوع؛ كيف جمعتِ هذه الدروب المختلفة في مصب واحد ليقبلها القارئ؟.

"موال من كل درب"، هي فسيفساء جمعت فيها كل قصص طلاب الجامعات والمعاهد. هذه القصص التي ما زالت تسكننا كما غذيتها بقضايا شبابية معاصرة، كمخاطر العلاقات الفايسبوكية والتغرير بالشباب للانضمام لجماعات متطرفة والمخدرات والعنف، و"تبّلتها" ببعض من الرومانسية. فالكتابة للشباب باتت نادرة ، وكأن شاب اليوم قد شاخ  وشاب قبل المشيب.فنسيه الكتاب ولم يكتبوا له إلا نادرًا.

 

5. صدرت لك مجموعة إلكترونية على أمازون عام 2022؛ كيف تقيمين تجربة ملامسة الشاشة بدلاً من الورق ورائحة الحبر؟.

كانت تجربة طيبة لم أكسب منها الكثير، لكنها كانت دعمًا معنويًا. فحين ترى كتبك تباع في كل القارات؛ فإن فخرك بنفسك يزداد وتتعلق همتك بإنجاز الأفضل.

 

المحور الثاني: الأسلوب والخصائص الفنية

6. بعد عرض أعمالك الأخيرة في معارض الكتاب الدولية بمصر وتونس عام 2025؛ كيف لمستِ الفارق في تلقي القارئ المصرى مقارنة بالقارئ التونسي؟.

الكتاب الورقي عمومًا يمر بفترة صعبة أمام هذه الهجمة للتكنولوجيا ؛فباتت قراءة الورق نخبوية. لكن الأطفال ما زالوا يقبلون على اقتناء القصص بدعم من الأولياء. واختيارات الشباب باتت نوعية، فهم يقتنون قصص الرعب والفانتازيا والروايات البوليسية.ولم يعد لهم اهتمام بالأدب التقليدي والرومانسي وهذا أمر مزعج حقا لأنه يساهم في تفشي العنف في مجتمعاتنا، بتقليد هؤلاء الأبطال في قصص الرعب والجريمة. ولعل العزوف على القراءة يعود لغلاء الكتاب فترى الولي يؤثر على نفسه ليقتني كتبًا لأولاده. وهذا ما لاحظته في البلدين.

 

7. هل تعتبرين سلسلة "قصة وعبرة" قيداً على حريتك الفنية بسبب التزامها بتقديم درس أخلاقي في النهاية؟.

.للكتابة أخلاقياتها، نكتب لنرقى لنزرع الفضائل، لننشر الوعي، لنسعد القارئ ونخرجه من وجع الضغوطات اليومية، لا لنجرحه ونفسد وننشر الفساد. فالكتابة رسالة نحاسب عليها يوم لا تنفعنا شهرة ولا أضواء. لذلك أرسم لنفسي حدودًا معينة أكتب فيها ولا أكتب كتابات خادشة للحياء، أحاول دوما في هذا الإطار أن اترك أثرا طيبا. وهذه قناعاتي. يدعي بعض الكتاب أن مرآة الأدب يجب أن تعكس كل مساوئ المجتمع كما هي، إذا نحن أبحناها للمراهق والشاب حين يقرؤها مرات أن يجربها.. نعم نعكسها لكن بصورة تجعله يرهب منها ولا نرغبه فيها فيستحسنها.

 

8. تعتمدين لغة وصفت بأنها بليغة وسلسة في آن واحد؛ كيف تنجحين في صياغة جملة يفهمها الطفل ولا يستهين بها الأديب المتخصص؟.

أنا في الأصل أستاذة مدارس ابتدائية، لي تجربة 37 سنة بين التعليم والإدارة. درسنا في المدارس العليا للتربية والتعليم بيداغوجيا وعلم نفس الطفل . كما خبرت من كل طالب ما يريد وما لا يريد مشاربه شواغله أحلامه مخاوفه، فحذقت قراءة شخصيته حتى صارت شفافة بالنسبة لي. ولطلابي الفضل في انتقاء قصصي فحين أقرؤها أمامهم أقرأ على وجوههم استحسانا وشغفا أو العكس فيكون ذلك محرارًا صادقًا. فالطفل لا يعر ف النفاق عادة .أحرص في قصصي للأطفال على الصورة المرافقة والألوان الفاقعة وخاصة اللون الأخضر لأنني وأنا طفلة كنت أعشق ألوان الصور ومازالت في ذاكرتي فساتين سندريلا والأميرة النائمة....

 

9. في نصك النثري الشهير "تناسخ القلوب"، تجليتِ في تتبع المشاعر الإنسانية الراقية؛ كيف وظفتِ المجاز للتعبير عن تلاقي الأرواح؟

الكاتب لا يبدأ في كتابة القصة، إلا إذا حبل بها وجدانه وسهر على رعايتها وإضافة هذه الفكرة وحذف تلك وتعديل هذا السطر وإضافة هذا الوصف. حتى تلبسه الشخصيات، وتتحول الأحداث إلى مخاض لذيذ وحين تحين ساعة الوضع يشرع في كتابة القصة ملبسا إياها أثواب أحاسيسه الناعمة محليا إياها بما رشح به قلبه من حب لهذا المولود الجديد الذي أسماه ابن قلبي ، ورعاه حتى يطبع كتابا لذلك نقول أن الأدب مأساة أو لا يكون.

 

10. ابتعدتِ في نصوصك عن التعقيد اللغوي الغامض؛ هل ترين الغموض عجزاً عن التوصيل أم رغبة في ادعاء النخبوية؟

لا هذا ولا ذاك؛ فأنا قادرة على الكتابة بلغة صعبة ،لكنه اختيار.ربما يعود لشخصيتي السلسة الهادئة الواضحة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى القارئ في حاجة إلى أحداث سلسة يقرأ من خلالها أحداثا تشبهه وليس في حاجة إلى معجم يفتحه كلما صعب عليه فهم جملة أو لفظ.فيهرب الشغف . ويمل القارئ مواصلة المطالعة وبذلك ننفره من القراءة تماما. فلو كان الأمر مجدية؛ لوجدنا هذه الأجيال تقرأ المعلقات السبع ورسالة الغفران وتحفظ أبيات الشنفري وتأبط شرا.

 

المحور الثالث: القضايا والموضوعات

11. كيف تبنين الحوار بين أبطالك؟ هل تتركينهم يتحدثون بلغتهم العفوية أم تلبسينهم ثوب الفصحى دائماً؟.

-لا أستعمل العامية نهائيًا في كتاباتي للأطفال،لأن تعلم اللغة العربية قراءة وكتابة من أهم أهداف الكاتب، لكنني أستعمل بعض الأسماء العامية في كتاباتي للكبار، وهي أسماء رمزية تؤرخ لفترة تاريخية مضت أو لمنطقة، أو لأداة وقع التخلي عنها وهدفي التذكير بها مثلًا: الربابة والمغزل وأسماء لأشخاص تكون ذات دلالة  مثلًا اسم بنت قدس  وحيفا وأم المدائن..... فمن وجهة نظري العامية تبخس العمل ، وتقلل من شأنه وهذا رأيي الخاص.

 

12. الوصف عندك دقيق دون إطالة، كيف تدربتِ على التقاط التفاصيل الصغيرة التي تغني عن صفحات من الشرح؟.

- طبعا مهنتي علمتني كل تقنيات الكتابة .فالكتاب بلا وصف كجسد بلا روح. لا بد أن نشرك القارئ في مشاعرنا التي نكتب بها فترتفع دقات قلبه مع  البطل، ويصله وهج أنفاسه وهو يقاوم الشر.وتعطر قلبه الكلمات الرومانسية. كتابة  حروفها لا تحب ولا تحلم ولا تحلق ،لا تعتبر بالنسبة لي كتابة.

 

13. تستخدمين تقنية الرمز الحيواني بكثرة؛ ما الذي يمنحه لكِ لسان الحيوان ولا تستطيعين قوله على لسان الإنسان؟

- لغة الحيوانات لا أستعملها إلا في الكتابة للطفل؛ فهو يحب الخيال في تشخيص الأشياء، فيبتهج حين يقرأ  لغزالة تكلمه أو أرنبا يطلب منه صداقة. لقد مل الطفل نصوص المناهج ذات النصائح والإرشادات المباشرة ، ويحب أن يسمو إلى الخيال وعالم البطولات والمغامرات. فلنحقق كل أمانيه على الأقل على الورق. فربما يصبح يومًا شاعرًا أو كاتبًا أو ممثلًا. كتاباتي للكبار واضحة، وحين أكتب حروفًا صادقة لا أخجل بها أو أتخفى.

 

14. طرحتِ قضية البيئة والتوازن الطبيعي في وقت مبكر؛ كيف يمكن للأدب أن ينقذ شجرة أو يحمي حيواناً مهدداً بالانقراض؟.

-كوكبنا في خطر، وطلاب المدارس يعانون من أمراض صدرية وجلدية جراء التلوث، فلننشر الوعي بين الناشئة، رجال ونساء الغد لعلهم يكونون أعقل من تجار السلاح وصناعة البارود، الذين أطلقوا الرصاص على آذانهم. فما عادت تسمع وعلى ضمائرهم فماتت. كتبت "غابتنا هي وطننا" "ماذا لو فقد الماء...." كلها عبر غير مباشرة للطفل أن يحافظ على كوكبه حتى يعيش في سلام.

 

15. تناولتِ الشأن الاجتماعي بجرأة؛ ما هي القضية التي ترين أن المجتمع التونسي ما زال يتستر عليها ويخاف مواجهتها؟

-مجتمعاتنا العربية والشرقية لا تزال تتستر على قضايا عديدة، كقطع القاصرات من التعليم وتزويجهن غصبا. والزواج العرفي الذي يهضم حقوق المرأة، وتعدد الزوجات الذي يتسبب في الانفصال وتشتت الأسرة. وختان البنات والإرهاب والاستغلال الجنسي وتجارة الرقيق بتعلة الفن والانفتاح وترمل السيدات الفلسطينية سبب الحرب الغاشمة كل هذه  قضايا حارقة مسكوت عنها. أما عن تونس فالمرأة تتميز بالعراقة والثقافة والعلم تنجب أجيالا عباقرة في كل المجالات بشهادة العالم. لأن مجلة الأحوال الشخصية حددت حقوقها واجباتها واعتبرت كل ما يمس بحقوقها جرمًا يعاقب عليه القانون (تونس بلد المليون طبيب تحتل صاحبات الاختصاصات العلمية فيها المرتبة الثانية في العالم) فليست لدينا أية قضايا مسكوت عنها، والحمد لله.

 

المحور الرابع: النقد والأثر الثقافي.

16. في كتاباتك عن المرأة، هل تنحازين لقضاياها بصفتك مدافعة عن حقوقها أم بصفتك راصدة لواقع نفسي واجتماعي معقد؟.

-أقف في كتاباتي عن المرأة موقف حياد وبشهادة كل من قرأ هذا ما جنته علي حواء أثمن من أصابت، واستنكر كل من أساءت لنفسها ولبنات حواء

 

17. كيف يعالج قلمك الفجوة المعرفية والوجدانية بين جيل الأجداد وجيل الأحفاد في ظل غزو الإنترنت؟

-كنت من الكتاب الأوائل الذين حذروا من الاغتراب داخل الأسرة الواحدة ،التي يتقوقع كل فرد منها على شاشته فتتسع الفجوة. الترابط بين الأجيال يتحسن جيلًا بعد جيل وتتقارب الأجيال بفضل تعلم الأجداد والجدات فأغلبهم محالون عن المعاش يحسنون استعمال الرقمنة. يعوضون أبناءهم عند خروجهم للدوام ويرعون الأحفاد وتنشا بينهم وبين هؤلاء الصغار علاقة صداقة متينة فيبوحون لهم بما لا يقولون لأولياء أمورهم. ويساعدونهم في دراستهم وفي مرافقتهم إلى مدارسهم. وقد كتبت في هذا الإطار "أين جدتي؟" قصة تحكي على وجع الأسرة حين أصيبت الجدة بالزهايمر. و"إنه ذو حدين" رأي الجد في الحواسيب التي يجب استعمالها في المفيد. ويبقى الأجداد أغلى الأشخاص في قلوبنا وقد قال أمير الشعراء في جدته.

لي جدة ترأف بي أحنى علي من أبي.

إن غضب الأهل علي كلهم لم تغضب.. رحم الله أحمد شوقي. 

 

18. هل يملك أدب الطفل المقدرة على مواجهة العنف والتطرف، وكيف زرعتِ قيم التسامح في كتبك؟.

-الطفل المسلم يولد على فطرة الإسلام، التي تنبذ الترويع والعنف وهذه القيم ترسيها الأسرة النواة الأولى للمجتمع. وتأتي المدرسة لتثبيتها ويساهم الكاتب في جعل الطفل يتعامل بها حين يجد شخصيات في القصص تلهمه لفعل الخير والمساعدة والتضامن . فيتأثر بها. "قل لي ما تقرأ سأقول لك من انت."

 

كتبت في هذا الإطار "عاقبة الاستهتار"، حيث بالغت في وصف ندم المستهتر من فعلته وتوبيخه لنفسه، رغم أن الجميع عفوا عنه، ونصحوه. حين نربي أجيالا مسالمة متوازنة الشخصية يحكمها الوازع الديني فلا خوف عليهم.

 

19. ما موقف كتاباتك من قضايا الاغتراب والهجرة التي تؤرق العائلات في تونس والوطن العربي؟

-الاغتراب هو: سرقة للأعمار سواء للمهاجر أو لأهله. لكن وطأته خفت بعد سهولة التواصل صوتا وصورة ومواكبة الأعياد والمناسبات عن بعد. كما أن اغلب المغتربين اليوم يهاجرون ولهم قيمة علمية وشهادات عليا أو لمواصلة التحصيل العلمي؛ فيحظون بالتقدير والاحترام لان مؤهلاتك العلمية تجعلهم للتناغم والانصهار داخل المجتمع الغربي خاصة ومهاجرونا العرب يتميزون بالخلق الحميد والفضائل العطرة. وفي هذا الموضوع كتبت في روايتي الجديدة التي ترى النور قريبا.

 

20. كتبتِ في أكثر من 14 مجلة وجريدة عربية؛ كيف تصفين تلقي وتجاوب النقد العربي مع القلم التونسي خارج الحدود؟.

-كانت كتاباتي راقية تحترم أعراف البلدان التي تنشر فيها.كما أنها كانت رسائل حب، وترابط متين بين وطني وبقية الدول وتونس وأهلها محل حب واحترام في كل العالم العربي والعالم قاطبة؛ لأننا نتحلى بعقلية تحترم الآخر.

 

21. نلتِ جوائز وطنية في تونس عن نوادي المسرح والتعبير الجسماني؛ كيف يسهم تحويل النص إلى حركة وجسد في تعميق أثره؟.

-لو لم أكن أستاذة ،لكنت ممثلة فقد مارست التمثيل في المعهد والمدرسة العليا. وكان الاتفاق مع والدي أن ينتهي هذا "الخور"كما أسماه -رحمه الله- مع الدراسة. لكن شغفًا في داخلي ظل يلاحقني فكرته مع طلابي في النوادي الثقافية المدرسية. فحولت معهم خلال ورشات نصوصي ونصوص أخرى إلى مسرحيات وسكتشات نلنا بها جوائز في ملتقيات جهوية عديدة. وكانت الأعمال عبارة على تمثيل وتعبير جسماني. حينها خمد ذلك الإحساس بالرمان من التمثيل. فحروفي وكلماتي تتكلم وترقص وتطير ، ويصفق لها الجميع فراحت نفسي في طلابي ، وهم يؤدون بإتقان. أهم مسرحية نالت إعجابا كبيرا هي لما غاب يوم الإثنين؟

 

22. حظيتِ باحتفاء واسع في وسائل الإعلام المصرية؛ ما السر وراء هذا الرابط الوثيق والتكريم المستمر لك في أرض الكنانة؟

- كما يقال كتاباتي سبقتني ،ومهدت لي الطريق .فكتبت في جريدة الإخبارية والجارديان المصريتين كما أن دعاية دور النشر لأعمالي ساعدت على ذلك؛ فالتقيت بعض القنوات التلفزيون خلال تغطية معرض الكتاب وحاوروني، وأبدوا رغبتهم في تصوير حصص معي. كما أنني كنت أقوم بمداخلات عن بعد في صوت العرب للتعريف بالعادات والتقاليد والمناسبات الدينية في تونس فكانت صداقات جيدة والحمد لله . وما القبول إلا من عند الله.

 

23. يرى بعض النقاد أن كتاباتك تندرج تحت "الأدب الملتزم تريوياً"؛ هل تسعدك هذه التسمية أم ترينها تحججاً يقلل من القيمة الفنية؟.

تسعدني لأنها وليدة اختياراتي ؛فالكاتب المربي لا يسمح لنفسه بالكتابة الجريئة الماجنة.فتكون سببًا في نظرة النقاد لي نظرة سلبية وألقب كالبعض بشاعر الجسد أو كاتبة الجسد.ولكل فرد اختياره الخاص وقناعته الشخصية .كل العقلاء الذين قرؤوا لي شجعوني على المواصلة في نفس الأسلوب.نكتب لنهذب الأذواق ونصلح ونقوم ،لا لنفسد الأجيال ونعري كل مستور.في حين أن اللغة العربية قادرة على إيصال المعلومة إيحاء ورمزا

 

24. هل تشعرين أن الحركة النقدية في تونس تنصف أدب الطفل واليافعين، أم تعتبره أدباً من الدرجة الثانية؟.

-كان الغرب سباقين إلى أدب الطفل .لامارتين، فيكتور هيجو ،فولتر ،جان جاك روسو، وغيرهم كثر لكن قيود الاستعمار شجعت على الجهل وعدم إنشاء المدارس؛ فكان الطفل يحفظ القرآن الكريم ثم يشاطر أهله في كسب العيش؛ فيعامل ككهل. وفي مطلع الاستقلال هبت نخبة من المثقفين كمصطفى عزوز الذي ترصد جائزة باسمه في أدب الطفل سنويا وهند عزوز وفاطمة سليم وحسن نصر وأبو القاسم الشابي- رحمهم الله- للآخر بيد الطفل. وها نحن اليوم نرى أصغر كاتبة في العالم سمر المزغني تدخل كتاب جينيس للأرقام القياسية، كما تحصل طفل وتوأم للسنة الثانية على التوالي على المرتبة الأولى في مسابقة تحدي القراءة. وثروة تونس ليست مالًا ولا نفائس بقدر ما هي عقول تصنعها طفولة جيدة.

 

25. وُصفت كتاباتك بأنها تقدم متعة بصرية وفائدة أخلاقية؛ كيف يستطيع النص المكتوب منافسة الصورة المبهرة في العصر الحالي؟.

-لنعترف جميعًا أن الكتاب الورقي تقهقر، لكن حين يكون الكتاب أنيقًا بألوان ساحرة وعنوان جذاب وأحداث تروق للطفل؛ فإن المعلم والولي ومشرف المكتبة العمومية سيشوقونه لقراءته .ومن خلاله ،سيكون علاقة حميمة مع الكتاب.فما زلت إلى اليوم أعشق صور أثواب سندريلا والأميرة النائمة وغيرها. الألوان جاذبة ،حيث تكون فاقعة خاصة اللون الأخضر ولوحة الغلاف.ورغم التكلفة المرتفعة لهذا الصنف من الكتب إلا أن الكاتب يضحي من أجل رؤية قصته النور.