عشتارتيفي -  آنشنت اوريجنس/

غاري مانرز، 30 نيسان 2026

كشفت بوابة شمش الضخمة، وهي واحدة من أهم المداخل الشرقية لمدينة نينوى القديمة، عن سر ظل دفيناً لآلاف السنين: فأسفل أساساتها تكمن آثار دمار كارثي وقع في فترتين يفصل بينهما أكثر من 2600 عام. من جهة، هناك بقايا السقوط الدموي لنينوى على يد تحالف الميديين والبابليين عام 612 قبل الميلاد. ومن جهة أخرى، ندوب تحرير الموصل من تنظيم داعش عام 2017. وما زاد من أهمية هذا الاكتشاف هو العثور على مسلّة محطمة للملك آشور بانيبال -آخر الحكام العظماء للإمبراطورية الآشورية الحديثة- في نفس طبقة الدمار تلك.

 

تأتي هذه الأدلة المثيرة من دراسة علمية نُشرت في مجلة (Iraq)، تفصّل نتائج ثلاثة مواسم تنقيب أجريت بين عامي 2021 و2023 من قبل فريق بقيادة تيموثي هاريسون من جامعة شيكاغو، كجزء من البعثة العراقية الإيطالية في نينوى. لم يوثق المشروع أضرار داعش الواسعة ويثبت شبكة أنفاق خطيرة فحسب، بل كشف أيضاً عن آثار مادية مؤثرة للساعات الأخيرة العنيفة للمدينة حين كانت قلباً لأقوى إمبراطورية في العالم القديم.

 

بوابة بُنيت للإمبراطورية

كانت بوابة شمش واحدة من ثماني عشرة بوابة تتحكم في الدخول إلى نينوى، العاصمة العظيمة للإمبراطورية الآشورية الحديثة، الواقعة على الضفة الشرقية لنهر دجلة قرب الموصل الحديثة. ووفقاً للدراسة، كان بناؤها جزءاً من توسع حضري هائل تم في عهد الملك سنحاريب (705-681 ق.م). كانت البوابة تقع في الجهة الشرقية للمدينة، على الطريق الرابط بين أربيل ونينوى، وشكلت شرياناً حيوياً للإمبراطورية، حيث تشهد أخاديد عجلات العربات المحفورة في الرصيف الحجري على حجم الحركة الثقيلة التي كانت تمر عبر هذا المدخل.

 

مسلّة آشور بانيبال المحطمة

من بين أهم المكتشفات في رواسب الدمار كانت مسلّة من الحجر الجيري مجزأة للغاية تعود للملك آشور بانيبال. استعاد علماء الآثار 196 قطعة حتى الآن. كان ارتفاع النصب الأصلي مترين على الأقل، وعرضه يتراوح بين 80 إلى 100 سم. ويبدو أن أحد وجهيه كان يصور شخصية ملكية واقفة، يرجح أنها لآشور بانيبال نفسه، بينما يحمل الوجه الآخر نقشاً مسمارياً يكرر نصوصاً ملكية معروفة، بما في ذلك حملات آشور في مصر وهزيمة الفرعون تهارقا. ويشير حال المسلة المحطم إلى دمار متعمد وعنيف، يُفترض أنه حدث أثناء سقوط نينوى عام 612 قبل الميلاد.

 

بقايا بشرية: أصوات المجزرة

إلى جانب المسلة، عثر علماء الآثار على بقايا بشرية تعطي تصوراً مادياً نادراً للنهاية العنيفة لنينوى. تم تحديد عظام تعود لأربعة أفراد على الأقل: طفل (حوالي 2.5 إلى 3 سنوات)، ومراهق (18-20 سنة)، وامرأة بالغة، وشخص آخر بالغ. كانت العظام مختلطة وغير مترابطة تماماً، مما يتماشى مع فوضى الاقتحام العنيف. كما عثر على هيكل عظمي لشخص بالغ آخر منبطحاً على وجهه وبدون جمجمة، مما يشير إلى وحشية تلك اللحظات.

 

أنفاق داعش والكارثة الثانية

الكارثة الثانية التي ضربت بوابة شمش وقعت في القرن الحادي والعشرين. فخلال سيطرة داعش على الموصل (2014-2017)، حوّل التنظيم البوابة إلى موقع دفاعي، وحفر حوالي 210 أمتار من الأنفاق داخل وأسفل البنية الأثرية، مما عرضها لخطر الانهيار. كما حملت البوابة آثار معركة تحرير الموصل، بما في ذلك الشظايا، وأضرار القذائف، وعلامات الحرق، وبقايا القنابل المنفجرة.

 

لحسن الحظ، ساعد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تثبيت الأنفاق عام 2022 وردمها بأكياس الرمل. تقف بوابة شمش الآن كأكثر من مجرد أطلال آشورية؛ إنها صرح يلتقي فيه انهيار إمبراطوري قديم مع صدمة حضرية حديثة في نفس السجل الأثري.