محمد عبد الرحمن

 

عرض صفحة الكاتب 

من يسقي شجرة الاخلاق ويديمها وارفة؟

محمد عبد الرحمن

 

كثر الحديث في الأيام الأخيرة عن منظومة الاخلاق والقيم وضرورتها لصلاح المجتمع، وعن ‏اهمية الحفاظ عليها وتنميتها. وفي هذا دون شك صواب تشخيص، يتطلب اتقانا لسبل ووسائل ‏المعالجة. ‏

 

ولا يأتي الحديث الواسع عن ذلك هذه الأيام من دون أسباب وظواهر لافتة، تدفع الى حالة من ‏القلق المشروع بعد ان طفح الكيل وغدت الروائح تزكم الانوف. ‏

ومن المؤكد ان ما يحصل ليس معزولا عن الوضع العام المأزوم في البلد على مختلف الصعد. ‏واصبح واضحا ان المجتمعات عندما تمر بأزمات معينة، فانها تفرز تداعياتها وظواهرها ‏الخاصة بها . ‏

 

وطبيعي ان الرؤى مختلفة في النظر الى ما يحصل، والى أسبابه ودواعيه، وهذا بالطبع يقود الى ‏تباين في طرق ووسائل المعالجة الممكنة والمطلوبة. ومعروف ان تداعيات الازمة العامة في البلد ‏تسبب المعاناة لفئات وشرائح واسعة في المجتمع، وهناك أيضا من هو َطرِبٌ لها ويوظفها ‏لمصالحه الانانية والنفعية والضيقة، بل ان بعض الظواهر توظف أيضا في التجاذبات السياسية، ‏وقد انكشفت كيفية استثمار حالات معينة للتقسيط والتشهير السياسيين. ‏

 

كل هذا يحصل فيما الذي بيده السلطة والقرار هو الأعلى صوتا في ادعاء الحفاظ على المجتمع ‏وقيمه، علما ان كل الموبقات المشخصة تحدث الآن وليس في الزمن الغابر. ‏

 

فنسمع صاحب الصوت المدجج بقوة السلطة والنفوذ والسلاح يعلن انه حامي الحمى والحارس ‏الأوحد للاعراف والقيم والأخلاق في المجتمع، متغاضيا عن حقيقة انه بحكم موقعه يتحمل ‏المسؤولية الكبرى عن ما يحصل اليوم. ‏

 

جيدٌ ان يجري الحديث عن كون منظومة القيم والأخلاق اهتزت كثيرا، وبرزت افرازات هي ‏وليدة للظروف والأحوال المادية والاقتصادية والاجتماعية. لكن هناك أيضا من يدعي ان ‏الأوضاع “صاغ سليمة”، فيما الأغلبية الساحقة من المواطنين تطحنها المآسي والكوارث كل يوم. ‏

 

ولننظر الى الجانب الاخر، ونعني كيفية وآلية معالجة هذه الظواهر، والمقاربات الواجب ‏اعتمادها. هنا نقول ان الطريق المتبع في المعالجة من طرف السلطات والقوى المتنفذة في بلدنا، ‏يتجسد في المزيد والمزيد من الإجراءات العقابية والقسرية والزجرية، وهي حمّالة أوجه  وكثيرا ‏ما يساء استخدامها ويتم مطها لخدمة غايات ودوافع لا علاقة لها البتة مع الموضوع. وتتوجب ‏الإشارة الى ان هذه المعالجات تذهب الى التعامل مع المخرجات، دون ان تعالج الأسباب الكامنة ‏وراء الظواهر، بل ولا تشير اليها . ‏

 

لناخذ ظاهرة الفساد المستشري، وهو أمر معيب بكل الأعراف والقيم والأخلاق. فرغم ما يعلن ‏من إجراءات هنا وهناك، ظل هذا الفساد يتفاقم وتتعدد اشكاله وتتنوع، بل وصار الفاسد ‏والحرامي، وللأسف الشديد، “يجلس في الصف الامامي “. وترى بعينيك من يحتضن هذا الفاسد ‏او ذاك معانقا، وقطعا لاجل مصالحه الشخصية، ولتذهب منظومة الاخلاق والقيم التي يتشدق بها ‏البعض الى جهنم وبئس المصير. والتجربة تقول ان الإجراءات المتخذة بهذا الشأن لن تنفع، ان لم ‏تغص في عمق الظاهرة وتعالج أسبابها ودوافع استمرار الفساد.‏

 

وفي هذا السياق نشير الى فقدان قوة المثل عموما، ولا نرى اليوم الا قلة تقدم ما يحتذى به ويلهم ‏الناس وخصوصا الشباب منهم، الذين يعانون من ظروف صعبة وقاهرة، ويحرمون تدريجيا ‏وتحت مسميات متعددة، من الوصول الى منابع الثقافة وترقية الوعي والغنى الروحي والفعل ‏الإيجابي، بل ويدفعون دفعا الى حيث الإحباط واليأس. ولا أدلّ على ذلك من انتشار ظواهر ‏الانتحار والمخدرات في السنوات الفائتة وحتى اليوم.‏

 

فأين يجدون قوة المثل عندما يصبح الكذب، والنفاق، والرياء، وتزوير الشهادات، والرشوة، ‏وشراء الذمم، وشراء المناصب وبضمنها العليا، وسرقة المال العام، وقتل الانسان بدم بارد، وما ‏شاكل، امرا واقعا ومألوفا، وهناك من يشجع عليه ويحميه ؟ فمن المسؤول عن كل هذا؟ ومن ‏المسؤول عن “اغناء” القاموس الشعبي العراقي بمفردات شاذة غريبة عن طبائع وعادات ‏العراقيين مثل: الكوامة، والعطوة، والدكات، والحواسم، والقفاصة، ونضرب بوري، والصكاكة، ‏والعلاسة، وغيرها؟ فهل مثل هذه الكلمات من علائم الرقي والتقدم؟

 

وستستمر هذه الظواهر وما يماثلها وتتفاقم، ان لم تعالج أسبابها الحقيقية، ومباشرة ذلك من فوق، ‏من الرأس.‏

‏ ‏

قديما قال معروف الرصافي: ‏

هي الاخلاق تنبت كالنبات …. اذا سقيت بماء المكرمات ‏

فما العمل اليوم .. وقد شحّ الماء؟