عبد الرضا حمد جاسم
علي الوردي وابن خلدون- 2
عبد الرضا حمد جاسم
يتبع ما قبله لطفاً
ج3.ورد التالي أعلاه: [مهما يكن الحال فان هذا الذي نقوله عن نظرية ابن خلدون لا يعني انها كانت صحيحة او كاملة في جميع تفاصيلها انها كأية نظرية اخرى من النظريات العظيمة لا بد ان تحتوي على نقائص واخطاء كمثل ما تحتوي على ابداع واصالة] انتهى.
مناقشة: انه كما قلتُ افتراض/رأي وليس نظرية...افتراض لم يعززه ابن خلدون بتحليلات او بيانات او إحصاءات او نصوص او شهادات والنظرية تبقى فرضية الى ان يتم اثباتها بالحقائق العلمية والعملية وهذا لم يحصل. والوردي هنا يعترف ببطلان ما اتى به ابن خلدون عندما كتب: "لا يعني انها كانت صحيحة او كاملة في كل فصولها" وهي "تحوي على نقائص وأخطاء"...و(كانت) تلك التي وردت في هذا المقطع تدل انها اصلاً لم تكن صحيحة او كاملة من أصلها ويومها كما يُفهم وهذا هو الصحيح كما اتصور فالرجل ابن خلدون عممها على كل المجتمعات وكانت مرفوضة في ذلك منذ زمانها. عليه لا يمكن اعتماد وجهة نظر الراحل الوردي فيها. وقد تفضل علينا الراحل الوردي ببيان او تحديد تلك النقائص والأخطاء، بخطأين نوردهما هنا نصاً من ص37/كتاب دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/تحت عنوان فرعي/أهمية أبن خلدون /حيث كتب الوردي التالي:
ج4. الخطأ الأول هو: [أنه درس الصراع بين البداوة والحضارة في المجتمع العربي وظن أن هذا الصراع عام في جميع المجتمعات البشرية ولهذا رأيناه يحاول تفسير التاريخ البشري كله بأنه عبارة عن دورات متشابهة تتتابع مرة بعد مرة ولا يختلف فيها العرب عن غيرهم من الأمم] انتهى.
مناقشة: كما بينتُ أعلاه أن ابن خلدون درس تأثير البدو على المجتمعات التي وصلوا اليها غزاة او فاتحين او محتلين سواء كانت المجتمعات تلك المحيطة بالجزيرة العربية والتي سُميت بعد ابن خلدون بالعربية او غيرها وسواء كان البدو من العرب او التتار او المغول او الترك او القرغيز او غيرهم لذلك هو لم يظن ان هذا الصراع عام في كل المجتمعات البشرية والسبب لأنه يعرف ان البداوة لم تحتل او تغزوا او تفتح كل المجتمعات البشرية ومنها مجتمعات شمال الاندلس ... وعليه فهو لم يرى ان كل التاريخ البشري الذي درس او قرأ عنه او عاش في "جغرافيته" أو اجتماعه كان عبارة عن دورات متتابعة متشابهة ولا يختلف فيها العرب عن غيرهم. يمكن ان "يكون" ذلك في حالة واحدة هي أن أبن خلدون تكلم عن الريف ولم يتكلم عن البدو وهذا موضوع قد يكون آخر يُبعِد فرضيات ويلغي استنتاجات الوردي...هنا يظهر التغيير او التلاعب أو التحريف في المفاهيم والمصطلحات والكلمات ورد في بعض ما ترك الراحل الوردي. وحتى لو كان هذا فلن يشمل كل المجتمعات لأن ما يحيط ويتفاعل ويتحكم في الريف الاندلسي او الأوربي بشكل عام يختلف عما هو عليه في الريف الشرقي "العربي" او الريف في بلاد المغرب ...هكذا أتصور!
اليكم ما كتبه الوردي عن الحضارة في ص51 من كتاب دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/ عنوان فرعي: ما هي البداوة: [إن من العسير أن نعَّرف الحضارة تعريفاً وافياً فهي ظاهرة اجتماعية متغيرة، تختلف في كثير من معالمها وخصائصها باختلاف الزمان والمكان] انتهى.
مناقشة: هذا يعني ان الحضارة التي سادت او كانت قبل ابن خلدون بأكثر من خمسة قرون تختلف عن الحضارة في زمانه وتختلف عن الحضارة في زمن الوردي الذي جاء بعد ابن خلدون بأكثر من خمسة قرون.
ج5. ثم يُكمل الوردي ما قاله عن ابن خلدون: [هو يصف كل دورة بأنها تنشأ من جراء هجوم البدو على الحضارة المجاورة فيؤسسون فيها دولة مزدهرة ولكن هذه الدولة تنحط وتضعف تدريجياً لما ينالها من الترف والنعومة حتى تسقط اخيراً أثر هجوم موجة بدوية جديدة عليها وهكذا يتوالى ظهور الدول وسقوطها مرة بعد مرة] انتهى.
مناقشة: ان الراحل الوردي هنا يطرح طرح مهم وخطير ويؤثر على الكثير من طروحاته بخصوص البداوة والبدو وبالذات عن الحالة في العراق وما استنتجه عن المجتمع العراقي حين يقول:" ان البدو يهاجمون الحضارة المجاورة فيؤسسون فيها دولة مزدهرة"...ان هذا الطرح يعني أو كما يُفهم منه أن البدو هم مؤسسي الدول المزدهرة والوردي ونحن نعلم ان الدول او الدولة المزدهرة حالة مدنية حضارية وهذا يعني ان بُناة الحضارة هم البدو والصراع بين "البداوة والحضارة" الذي طرحه الراحل الوردي نقلاً عن ابن خلدون ما هو إلا صراع بين بدو سابقين وبدو لاحقين كما كتب الوردي وسيرد لاحقاً من ان صفات البداوة او الثقافة الاجتماعية بوجه عام لا تغادر اصحابها بسهولة اولا يتخلص منها البدو/الحظر بسهولة عند التقائهم مع الحضارة / البداوة . وهذا يعني ان الحضارة هي بداوة مستمرة متجددة. هكذا يمكن ان يُفهم طرح الراحل الوردي هذا...وان هذا الصراع هو الذي بنى ويبني الحضارة والرقي والذي أوصل العالم الى ما هو عليه اليوم. ان كان هذا صحيح او مقبول او معقول عند الوردي فالسؤال هنا هو: اين الازدهار الذي بناه البدو في العراق او سوريا او الاردن او المغرب؟ وان أجاب الوردي بنعم انها الحضارة الاموية والعباسية والاندلسية... اسأله هنا لماذا اندثرت تلك الحضارات؟ هل لأن البدو الجدد غير السابقين أي ليسوا بُناة دول مزدهرة؟
اليكم بعض ما كتبه الوردي عن الدولة والبداوة ايضاً حيث ورد:
1ـ في ص28 /دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/ تحت عنوان فرعي /طبيعة التعاكس...كتب التالي: [مما يلفت النظر في أمر البداوة والحضارة انهما متعاكستان في كثير من قيمهما الاجتماعية...]. وكتب ايضاً: [هناك ناحيتان يتضح فيهما التعاكس او التناقض بين البداوة والحضارة هما الدولة والاحتراف]. (ملاحظة: الاحتراف يُقْصَدْ به اتخاذ حرفة او مهنة يكسب الانسان منها رزقه).
2ـ في ص111 من نفس الكتاب كتب الوردي: [لقد أشار ابن خلدون الى مثل هذا الفرق بين اخلاق البدو واخلاق الحضر وعزى سببه الى عاملين هما الحكومة والترف] انتهى
مناقشة: في المقطع الأول حدد الوردي التعاكس او التناقض بين البداوة والحضارة في الدولة والاحتراف وفي الثاني حدده بالحكومة والترف...فهل يعني هذا ان الدولة هي الحكومة وان الاحتراف أي المهنة هي او هو الترف؟؟))
3ـ في ص29 يقول: [ان الدولة أساس مهم من أسس الحضارة]
4 ـ في ص73 تحت عنوان فرعي /الدولة والبداوة كتب الوردي: [إن الحكومة أو الدولة بمعناها الاعم لا تنشأ عادةً إلا في الحضارة، فمن النادر أن نجد دولة تنشأ في الحياة البدوية أو البدائية] انتهى
ثم يقول: [الدولة لا تنشأ إلا في المجتمع الذي ينتج أكثر مما يستهلك، كما أشار العالم الاجتماعي "سيمز". فالدولة تقوم على جباية الضرائب عادة. والمجتمع لا يستطيع أن يدفع الضرائب إلا إذا كان انتاجه الاقتصادي أكثر من حاجته المعاشية وهذا أمر لا يتم إلا في الحضارة حيث يكون الإنتاج منظماً وفيراً.] انتهى
مناقشة: هنا شيء غريب يطرحه الراحل الوردي عن قيام الدول...وهذا يدفعني للسؤال: من هي تلك الدول التي كانت قائمة تحيط بالوردي وكان انتاجها الاقتصادي أكثر من حاجتها المعاشية؟ اطرح هذا السؤال لا ُشير الى أن الراحل الوردي اخذ ما كتبه "سيمز" ونقشه هنا وفسره دون أن يفكر به او يحلله...وهنا السؤال: هل يفكر الراحل الوردي عندما يكتب ام انه يخضع راغباً للاسترسال؟)).
5 ـ في ص51 من كتاب دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/ تحت عنوان فرعي/ما هي البداوة/كتب الوردي التالي: [...أما البداوة فتعريفها ليس بمثل هذه الصعوبة انها في الغالب لا تتغير او تختلف اختلافاً كثيراً باختلاف الزمان والمكان فهي اليوم تشبه ما كانت عليه قبل مائة عام أو قبل عدة مئات من السنين وهي كذلك تتشابه في المناطق المختلفة تقريباً وهذا هو الذي دعا المؤرخ توينبي إلى وصف البداوة بأنها "حضارة مجمدة"] انتهى
أقول: الحقيقة هذا ربط غريب...أي حضارة تلك التي في البداوة "حضارة مجمده"؟ هل هناك فاعل خارجي جمدها ام تجمدت ذاتياً؟ وهل يقصد الراحل الوردي ان بداوة البدو العرب قبل الإسلام هي نفسها بعد الإسلام وإنها نفسها عند غزوهم للحضارة المحيطة بهم وهي نفسها التي غزت الاندلس وهي نفسها التي كانت زمن الوردي وربما هي القائمة اليوم كل حرارة هذه القرون لم تُذيب "الحضارة المجمدة"؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟!!!!!!!!!!!!!!
ج6.ثم يقول الوردي: [أن هذه النظرية الخلدونية تصدق بدرجة كبيرة كما لا يخفى، على تاريخ المجتمع العربي وقد تصدق بدرجة أقل على تاريخ بعض المجتمعات الاخرى كما رأينا سابقاً. إنما هي على أي حال لا يجوز تعميمها على تاريخ جميع المجتمعات البشرية] انتهى.
مناقشة: يكرر الراحل "النظرية" وأكرر انها فرضية. ثم يذكر "انها تَصْدُقْ كما لا يخفى" ولا اعرف كيف "كما لا يخفى" ولا يخفي على من؟ وأين هو "المجتمع العربي" في زمن الفتوحات او زمن ابن خلدون وحتى اليوم؟ ثم يقول الوردي في هذا المقطع عبارة غريبة أخرى وهي "وقد تَصْدُقْ بدرجة اقل على تاريخ بعض المجتمعات الأخرى كما رأينا". ويحق لي أن أسأل هنا: اين رأينا؟ واين هي بعض المجتمعات تلك؟ او أي مجتمعات هي تلك "بعض"؟ ثم يأتي ليقول" وعلى أي حال لا يجوز تعميمها على تاريخ جميع المجتمعات البشرية والسؤال هنا: من عمم تلك "النظرية" على تاريخ كل المجتمعات البشرية حتى يتطوع الراحل الوردي على الاعتراض عليها؟ ثم ما هو موقع "قد" في "قد تصدق" هنا؟
انها "الفرضية" / الرأي تَصْدُقْ إنْ صدقَتْ على تاريخ البلدان التي غزاها البدو، ولا تَصْدُقْ على تاريخ أي بلد لم يصل اليه البدو. ثم إ ذا صدقت على تاريخ "المجتمع العربي" وبدرجة اقل على تاريخ بعض المجتمعات الأخرى...ما تأثيرها على حاضر تلك المجتمعات تحت تأثير الحضارة المتحركة المتغيرة؟ هل ثبات البداوة "حضارة مجمدة" هو الذي ينتصر على الحضارة غير المجمدة؟؟
ج7. [وهناك خطأ أخر اقترفه ابن خلدون هو انه ظن بأن العرب أشد الامم بداوةً وبعداً عن الحضارة ولهذا رأيناه يصف العرب بكل ما يناقض صفات الحضارة من تخريب ووحشية وخشونة وما اشبه. الغريب من ابن خلدون انه قال بذلك الراي المتطرف في العرب وهو يعيش في عصر كانت وحشية المغول وتخريبهم ملأ الأسماع والأبصار في كل مكان وقد اتيح له ان يكون في الشام عند اجتياح تيمورلنك لها وشهد مدى التخريب الفظيع والنهب والحرق والقتل الذي حدث فيها على يد التتر المتوحشين وكان ابن خلدون يعرف ماذا صنع تيمورلنك في المدن الاخرى وما صنع اسلافه ك "هولاكو وجنكيز خان" قبله.