بنيامين يوخنا دانيال

 

عرض صفحة الكاتب 

الجرائم البيئية الناجمة عن بعض النشاطات السياحية

بنيامين يوخنا دانيال

 

من البديهي أن تنجم عن بعض النشاطات والفعاليات السياحية اللامسؤولة أو غير المدروسة على النحو المطلوب الكثير من الخروقات والتجاوزات بحق البيئة الطبيعية والأحياء الحيوانية والنباتية التي تزخر بها, وذلك من خلال تهديدها والحاق الأضرار والخسائر بأنظمتها ومواردها وعناصرها ومقوماتها. وإلى درجة قد ترتقي لمستوى (الجريمة البيئية) بمفهومها الواسع. علما تأتي صناعة السياحة والسفر في مقدمة المصادر لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري ومن أسرعها نموا.

 

وتشمل هذه الجرائم سوء إدارة القمامة السياحية التي ينتجها السياح داخل وخارج المرافق والمنشآت السياحية والفندقية والمتسببة لأنواع عديدة من التلوث (ينتج السائح الواحد على متن سفينة سياحية في البحر الكاريبي نحو 3,5 كغم من القمامة يوميا مقابل 0,8 كغم للشخص على الساحل وفقا لمجلة كوكبنا – برنامج الأمم المتحدة للبيئة, المجلد 10, العدد 3 / 1999), والاعتماد الكلي على مصادر الطاقة التقليدية (البترول ومشتقاته والفحم الحجري والغاز الطبيعي) في إدارة وتشغيل هذه المرافق والمنشآت التي تصدر عنها حتما ملوثات مضرة بالبيئة, وعدم اعتمادها لمصادر الطاقة الخضراء (الطاقة الشمسية وطاقة الرياح) بديلة لها, وإن بطريقة جزئية وتكميلية, لتترك بصمة كربونية واضحة (البصمة الكربونية للسياحة). بالإضافة إلى عمليات الردم والتجريف المفرطة على السواحل لغرض إنشاء مشاريع سياحية جديدة وتوسيع القائمة منها على نحو غير مشروع, وصب الاسمنت فوق الشعاب المرجانية لإقامة المرابط ومد الجسور لرسو القوارب والسفن السياحية. وكسر وتحطيم هذه الشعاب من خلال الحركة الكثيفة أو غير المدروسة لهذه القوارب والسفن, والاستعمال غير السليم للأدوات المستخدمة في الرسو (تنتشر الشعاب المرجانية في 109 دولة تقريبا وقد تضررت في 90 منها جراء حركة السفن السياحية والمتاجرة بها في السياحة). كذلك أنشطة الصيد التي يمارسها بعض السياح, والهادفة إلى اصطياد الحيوانات والطيور والأسماك النادرة والمهددة بالانقراض.

 

وجمع ونقل البذور واللقى والمستحاثات والحشرات والنباتات من قبل بعض السياح الهواة من المواقع الطبيعية الاصلية التي يزورونها, وعدم تنظيم حركة السياح إلى المحميات الطبيعية بالشكل المطلوب من قبل الشركات السياحية المسؤولة عنها, أو الخروج بهم ليلا وازعاج الحيوانات الموجودة فيها في أوقات استراحتها, وعن طريق اثارة الجلبة والضوضاء والإضاءة المبهرة الصادرة عن مصابيح السيارات والزوارق والمصابيح اليدوية وفلاشات آلات التصوير (ارتفعت الزيارات إلى 10 متنزهات وطنية جبلية في الولايات المتحدة الامريكية منذ 1945 بنسبة 1200 % - الناس والكوكب).

 

وأيضا تنظيم الرحلات السياحية السيئة التخطيط إلى المناطق الحساسة والهشة بيئيا. وارتياد البر والقيام بالنزهات الخليوية والتخييم في الأماكن الطبيعية المحظورة, والاضرار بالحياة الفطرية بشكل او بآخر عن طريق قطع الأشجار وإتلاف النباتات واشعال النيران, والإساءة إلى المناظر الطبيعية, وتشويه جمالية المناطق المزارة. وكلها ممارسات ونشاطات بعيدة عن الاستدامة البيئية التي باتت مطلوبة اليوم وبصورة ملحة ولأسباب عديدة.

 

وهنا لابد من الاشارة إلى مصطلح مهم في اطار هذا الموضوع وهو مصطلح (السياحة المفرطة– أوفرتوريزم) المقترنة بالزيادات الكبيرة والدائمة في عدد السواح وعدد المشاريع السياحية على المستوى العالمي وبالنسبة للعديد من الدول وبالذات في بعض الوجهات السياحية المهمة على خارطة السياحة العالمية التي تستقبل أعدادا هائلة من السواح في موسم الذروة, ومن أسبابها الرئيسية النمو السريع والبين للطبقة المتوسطة وزيادة الدخول وتوفر الادخارات الضرورية التي يمكن توجيهها للأنشطة الترفيهية مثل السياحة والسفر كما حصل في الصين والهن . كذلك انخفاض تكاليف السفر نتيجة للتنافس المتزايد وتعدد الخيارات وظهور العديد من شركات الطيران منخفضة الكلفة والتطورات الحاصلة في تكنولوجيا الطيران وعموم النقل وغيرها. ولمعالجة هذا الموضوع لجأت السلطات المعنية في الكثير من الوجهات السياحية إلى تبني بعض الاتجاهات المهمة, كما حدث في مدينة (البندقية) حيث يتم فرض رسوم معينة على الرحلات في أيام الذروة مع تقليص عدد ومكونات المجاميع السياحية (الكروبات) وفرض الغرامات عند المخالفة, كذلك في (أمستردام) التي فرضت فيها بعض القيود والضوابط على الرحلات النهرية اليومية التي يقبل عليها السواح على نحو متزايد, و(دوبروفنيك) التي حدد فيها عدد السفن المسموح برسوها يوميا, أما في (ماساي مارا) الكينية فقد ضوعفت رسوم ركن السيارات خلال موسم الذروة مع فرض غرامات فورية على السواق عند القيادة في الطرق الوعرة, وفي (ماتشو بيتشو) المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو وقد لجأت السلطات إلى انشاء طرق جديدة للوصول إليها مع غلق طريق (الإنكا) في شهر شباط سنويا لغرض الصيانة وتحديد عدد الزيارات والوفود السياحية المستقبلة يوميا وتحت ظلة الارشاد السياحي, وفي (أنتراكتيكا) وجزر (غالاباغوس) حيث حدد فيهما حجم ونوع سفن الرحلات البحرية المستقبلة وعدد الركاب في موسم الذروة.

 

* عن ( السياحة والتلوث: مقالات ) للباحث, مطبعة بيشوا, أربيل – العراق 2013 .