جمال محمد تقي

 

للذهاب الى صفحة الكاتب 

العراق : دستور دائم لمعادلة حكم جامدة!

جمال محمد تقي

 

دستور العراق الدائم والمقر بعد الاستفتاء الاشكالي الذي جرى في15 / اكتوبر من عام 2005 ، عصي على التعديل لدرجة التعجيز، كما هو عصي على التطبيق، وهذا ما ساهم وعن عمد لمأسسة معادلة حكم يتناقض فيها الشكل مع المضمون، فهي شكليا ديمقراطية ومرنة في شروط الاستجابة لارادة الشعب في التعبير والتغيير، عبر صناديق الاقتراع او الاستفتاء، لكنها مغلقة ومفصلة للدوران حول ذاتها، المنطلقة من إستدامة ما هو طاريء وتحاصصي وتقطيعي وارتدادي، وجعله الثابت الوحيد في بلاد افقدها الغزو الامريكي قوة الدفع الذاتي التلقائي للتغيير ، بفرض نظام يستهلك ذاته بذاته من خلال تسييد قاعدة المكون اولا، والمواطنة أخيرا، وبما يوفر فرصة سانحة لأمراء المكونات، والميليشيات، ومراكز القوى البدائية، وتحديدا مشايخ المذاهب والاديان والقبائل، لترسيخ هندسة سياسية إجتماعية متقوقعة على ذاتها افقيا وعموديا، وجعلها قادرة على تعميم معادلة حكمها بتوالد متوالي يغطي الحاضر والمستقبل، من خلال دورات إنتخابية تعيد انتاج المعادلة ذاتها، وإن بوجوه جديدة!

 

تنص المادة 41 من الفصل الثاني في باب الحقوق والحريات من الدستور على "العراقيون احرار في الالتزام بأحوالهم الشخصية حسب ديانتهم او مذاهبهم او معتقداتهم او اختياراتهم وينظم ذلك بقانون" شكليا تعطي هذه المادة الانطباع بأن الدستور لا يفرض قانونا محددا للاحول الشخصية، وهو بذلك لا يقيدهم، لا يفرض قانونا وطنيا مدنيا جامعا عليهم بالرغم من وجوده، قانون 188 لسنة 1959، ويدعي بذلك انتصاره للحرية الشخصية، بحيثتكون لكل ملة او طائفة قانونها، الذي يسيرعليه اتباعها إختياريا، في امور الزواج والطلاق والحضانة والارث والتبني والتزاوج المختلط وغيرها، حتى لو كانت بعض تلك التعاليم مخالفة للوائح حقوق الانسان والطفل والمرأة، المعتمدة في الامم المتحدة، فزواج القاصرات مثلا تبيحه بعض الديانات والمذاهب، بما فيه المذهب الجعفري معإباحته للزواج المؤقت، وكذلك هنالك تأويلات متناقضة لمقتضيات تعدد الزيجات، وهناك اختلافات في الكثير من تفاصيل الاحوال الشخصية بينها، ناهيك عن تكريسها لروح الانعزال المجتمعي بين ابناء طوائف ومذاهب المجتمع، وبالتالي تعميق للفرقة والاغتراب داخل مجتمع ينشد السلم والاندماج المجتمعي، في وضع لا تنقصه علاقات مسمومة ومسورة بطوطميات تكرس الشقاق والنفاق. عندما تضع السلطة موانع مصطنعة في العلاقات الشخصة بين مواطنيها بذرائع طائفية ومذهبية او وفق معتقدات بالية ومتخلفة لا تراعي العلاقات الانسانية، هي تهدف وعن قصد لتفتيت اللحمة الوطنية لمصلحة امراء ومشايخ ومراجع الملل والنحل!

قانون مدني موحد، يشمل الجميع ويحافظ على حقوقهم ويحفظ الانساب، كي لا تعم الفوضى، ويصبح لكل قبيلة دستورها، ويعطي للسني والشيعي والمسيحي والعربي والكردي والتركماني وو، لهم جميعا كل الحق بقانون جامع يحرر العلاقات الشخصية من هيمنة المتسلطين! لقد مرر البرلمان العراقي مؤخرا قانونا يعتمد المدونة الجعفرية كملحق رديف لقانون الاحوال الشخصية الساري المفعول، استنادا للدستور وهيمنة الاكثرية الطائفية على البرلمان والسلطة! 

 

احكام لا حكم عليها!

تنص المادة 142 من الفصل الثاني - الباب السادس "احكام ختامية وانتقالية" على جملة إجراءات انتقالية لابد منها للعبور نحو تطبيقات احكام التعديل الختامية للدستور، والتي تبدو ايضا من حيث الشكل، انسيابية ويسيرة التحقق، كمقترح للتعديل من رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء مجتمعين او بإقتراحه من خُمس اعضاء البرلمان ثم موافقة ثلثي اعضاء البرلمان عليه، واخيرا طرحهللاستفتاء الشعبي، لكنها عمليا، عسيرة، ولاتجتمع شروطها إلا بقدرة اصحابها على نكران ذواتهم، وهذا غير منطقي، او تحت ضغط قوة دفع طاردة من خارج حساباتهم، وهو المتوقع، اما الاجراءات فهي تغلق اي مجال للتعديل الذي قد يضر بها، لقد لفق تمرير الدستور، بنفس الوقت الذي اغلق به ابواب تعديله، من خلال غلق باب الانتقال وجعله مدغما بباب الختام دون تعديل، "اولا - يشكل مجلس النواب في بداية عمله لجنة من أعضائه تكون ممثلة للمكونات الرئيسية في المجتمع العراقي مهمتها تقديم تقرير الى مجلس النواب خلال مدة لا تتجاوز اربعة اشهر، يتضمن توصية بالتعديلات الضرورية التي يمكن اجراؤها على الدستور، وتحل اللجنة بعد البت في مقترحاتها. ثانيا - تعرض التعديلات المقترحة دفعة واحدة على مجلس النواب للتصويت عليها، وتعد مقرة بموافقة الاغلبية المطلقة. ثالثا – تطرح المواد المعدلة من قبل مجلس النواب على الشعب للاستفتاء عليها خلال مدة لا تزيد على الشهرين من تاريخ اقرارها في مجلس النواب. رابعا – يكون الاستفتاء على المواد المعدلة ناجحا بموافقة اغلبية المصوتين، واذا لم يرفضه ثلثا المصوتين في ثلاث محافظات او اكثر." توالت الانتخابات ومعها تشكيلات البرلمان الجديدة، ولم ينفذ ما وعد به الدستور في باب الاحكام الانتقالية، ولم يعدل شيئا منه، رغم تناقضاته وإنقضاء الحاجة للكثير من بنوده!

 

بازار الانتخابات العراقية صاخب لكنه للعرض فقط!

سادس دورة إنتخابية برلمانية سيشهدها العراق في 11 نوفمبر2025 منذ الغزو الامريكي للعراق وحتى الان، والجامع بينها جميعا، ضعف نسب المشاركة، وتزايد نسب الناقمين والمقاطعين، والثبات النسبي لثقل قواها المؤثرة، فمنذ عقدين، مازالت الزعامات التقليدية ذاتها، اما المردود فهو تراجعي وعلى كافة الاصعدة وتحديدا في البنى التحتية والخدمات ومحاربة الفساد، وكان للتخادم التبعي المركب دوره مع غياب المعارضة الشعبية المنظمة ببدائل فاعلة والتي تستثمر الحاجة الملحة للتغيير في واقع الانسداد الحاصل لمعادلة الحكم القائمة، دوره في إجهاض اي مسعى حقيقي للتعدل والتغيير، ومن حيث لا مجال لإصلاح المعادلة القائمة ذاتها، بذاتها، لانها لا تنتج معارضة حقيقية لها، وهي تدجن من يتسرب لداخلها بنية التغيير، وتجابه المطالبين به جذريا بالحديد والنار، كما حصل مع احتجاجات تشرين 2019، فأن الانفجار الشعبي  قادم لا محال، وقد تكون الانتخابات القادمة محفزا له. جاءت تجربة انتخابات 2021، التي حقق بها التيار الصدري 73 مقعدا من اصل 329 مقعد، والتي تفوق بنتيجتها على منافسيه، ثم استقالة نوابه بالجملة، لإصطدامهمبعقم المحاولة، لأن المحاصصة ودستورها القائم يقطع الطريق عليهم، وذلك بحسب الآليات النافذة ، لتؤكد حقيقة ما يجري بالملموس لا بالتجريد!