حسين الاعظمي

 

عرض صفحة الكاتب 

يوميات حسين الاعظمي (1315)

مانشيت/ 3 المؤتمر وتسجيلات محمد القبانچي الصوتية

 

حلقات مقتطعة من كتابي (افكار غناسيقية). بعض المانشيتات الداخلية من (الفصل الاول) والبحث المقدم الى المؤتمر العلمي المُعد من قبل المجمع العربي للموسيقى في آذار 2007 م بالقاهرة. بمناسبة مرور 75 عاما على المؤتمر الأول للموسيقى العربية المنعقد في القاهرة سنة 1932 (اليوبيل الماسي).

البحث (المقام العراقي في خمسة وسبعين عاماً 1932– 2007).

***

مانشيت/ 3  المؤتمر وتسجيلات محمد القبانچي الصوتية

ما أن حلَّ القرن العشرون الذي بشـّرَ بديناميكية جديدة للحياة، حتى غدا التطور الصناعي يزداد اتساعا وقوة بصورة عامة في كل مجالات الحياة وغدت الموسيقى والغناء بطبيعة الحال من اكثر ظواهر الحياة تأثراً وظهوراً على ساحة الواقع، وغدا أيضا التطور الملحوظ لأجهزة النشـر والحفظ والتوزيع والتسجيل والاتصال من المعالم الكبيرة التي ميّزت هذه الحقبة الزمنية. مما حتّم ذلك على الإنسان، والإنسان المبدع بصورة خاصة، ولأول مرة أن يخرج من طوق المحلية إلى آفاق واسعة رحبة أخرى خارج هذه المحلية، وقد أتاح هذا التطور المستمر في تزايده فرصاً جديدة أخرى للإبداع والتفكير والابتكار اكثر من السابق بكثير ومن خلال الوسائل الكثيرة التي استحدثت نتيجة هذا التطور المضطرد. وطبيعي أن الإبداع قد شمل الكثير من نواحي الحياة، بل الحياة برمّتها بفنونها وعلومها. وكانت الإبداعات الفنية أكثر ظهوراً من غيرها على ساحة الحياة باعتبارها فنوناً تهتم بها غالبية المجتمع. وكان ما أصاب الفنون التراثية الشيء الكثير من ذلك، وفي اخصِّها كانت الفنون الموسيقية التراثية. وفي بلدنا العراق كان مطرب المقام العراقي محمد عبد الرزاق القبانچي، الرائد والمثير الأول للإبداعات المقامية ومنعطفاً جديداً في تاريخ التطور التراثي الموسيقي في العراق، خاصة بعد تسجيلاته الصوتية في ألمانيا عشرينيات القرن وفي القاهرة أبان انعقاد المؤتمر الأول للموسيقى العربية عام 1932 وما تلا ذلك. فقد وضع هذا الفنان الكبير الأسس المتينة لإبداعاته الأدائية التي سار على هدْيِها المؤدّون اللاحقون من بعده، الذين برز بعضهم بصورة تميَّز فيها عن أقرانه من المغنّين  المقاميين، أمثال المغنّين (الخمسة الكبار): حسن خيوكة (1912– 1962)، ويوسف عمر (1918– 1986)، وناظم الغزالي (1921–1963)، وعبد الرحمن العزاوي (1928–1983)، ومائدة نزهت (1937-2019)، فضلاً عن مغنيين آخرين أمثال عبد الهادي البياتي (1911–1974)، وعبد الرحمن خضـر (1925– 1985)، وحمزة السعداوي (1934–1995)، وعبد الجبار العباسي (1937- ...) وعبد القادر النجار (1939–2000)، واعتبروا أبرز المبدعين من المغنّين الذين ساروا على نهج الطريقة القبانچية والطرق الأخرى المعاصرة، في التجديد والإبداع في حقبة ما بعد مؤتمر القاهرة 1932 الذي كان منعطفا كبيراً لتطور الموسيقى العربية بصورة عامة.

ما هو مهمٌّ في الموضوع، أن أجمل النتاجات الغنائية المقامية بمختلف انتماءاتها إلى الطرق الغنائية، كالطريقة القندرچية (هامش1) أو الطريقة القبانچية (هامش2) أو غيرهما، وكذلك بمختلف صفاتها واتجاهاتها الذوقية والجمالية. كان من نتائجها تثبيت اقوى لشكل المقام العراقي ومضمونه في حياة الإنسان العراقي. فالفرق في الفن الموسيقي هو في التفصيلات لا في النوع، وفنون الموسيقى والغناء بما فيها الغناسيقى التراثية كالمقام العراقي، واسطة للتعامل مع واقع الحياة، أي ما ندعوه عادة بالحقيقة.

 

مغنّون مبدعون

كما أوجدت تسجيلات المطرب محمد القبانچي في القاهرة عام 1932، أبان انعقاد المؤتمر ومن بعده تسجيلات المبدعين من مغني منتصف القرن العشرين وبعد انتصافه، أملاً وتواصلاً في تسجيل المقامات العراقية بأصوات مؤدين مقاميين أعقبوهم كجيل آخر، فإن هذه التسجيلات أيضا قد أوجدت وأعطت أملاً لمؤدين مغمورين مضـى على تجربتهم فترة من الزمن دون تأثير يذكر، فضلاً عن مؤدين جدّد، لتنمية طموحاتهم والاجتهاد في السعي في تقديم نتاجاتهم المقامية للإذاعة والتلفزيون. وهذه حقيقة اجتهد واكتشفها كل المغنّين المقاميين المبدعين كالخمسة الكبار وغيرهم بصورة طبيعية عفوية لإظهارها كمحصلة لهذه الحقبة بسبب نجاحهم المضطرد في تأديتهم للمقامات العراقية من حيث شكلها ومضمونها (هامش3) التعبيري والبيئي، وكأجيال تالية، فقد أتى على تأكيد هذه الحقيقة بالحماسة نفسها، مؤدون كثيرون قلَّدوا أستاذهم القبانچي وقلدوا بعدئذ الخمسة الكبار وعلى الأخص يوسف عمر في هذا المنحى بصورة تكاد تكون متطابقة وحاولوا تطوير حماستهم كالمقاميين المؤدين حمزة الســعداوي وعبد الــرحيم الأعظمي وعبد الملك الطائي وحامد السعدي وخالد السامرائي وغيرهم.

 

والى حلقة اخرى ان شاء الله.

 

هوامش

1- الطريقة القندرچية: نسبة إلى المطرب رشيد القندرچي وللباحث كتاب مطبوع موسوم بـ(الطريقة القندرچية في المقام العراقي واتباعها) .

2- الطريقة القبانچية: نسبة إلى المطرب محمد القبانچي وللباحث كتاب مطبوع موسوم بـ(الطريقة القبانچية في المقام العراقي واتباعها).

3- المحتوى والشكل (content and form): كل شيء في الطبيعة والحياة لها محتوى وشكل، فالاول هو الجانب الاكثر أهمية حيث يعبر عن جوهر الشيء ويظهر خواصه وصفاته، أما الشكل فهو التنظيم الداخلي للمحتوى إذ يربط العناصر المكونة للمحتوى في كل موحد ولا وجود للمحتوى بدونه.

 

 

 

صورتان 1 و 2 / حسين الاعظمي يتوسط زملاؤه الموسيقيين في امسية مهرجان "مساحات شرقية" في دار الاوبرا السورية مساء 8 مايس 2011. اعضاء الفرقة الموسيقية من الجالسين يميناً عبد السميع عبد الحق وعلاء السماوي والاعظمي وداخل احمد وصفوة محمد علي. وضاربي الايقاعات في الصف الثاني اديب الجاف وعلي اسماعيل جاسم وعبد الكريم هربود.