حسين الاعـظمي

 

عرض صفحة الكاتب 

يوميات حسين الاعـظمي (1348)

مانشيت/ 4 تأثير ثقافة المشرق

 

حلقات مقتطعة من كتابي (افكار غناسيقية) الجزء الثاني، كتاب مخطوط لم يصدر بعد.

بعض المانشيتات الداخلية من (الفصل الثالث) والبحث المشارك في (مؤتمر الحضارة الاسلامية في الاندلس/القرن السادس الهجري، الثاني عشر الميلادي) بالعاصمة الجزائرية آذار 2007.

البحث (الموسيقى الاندلسية، في القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي).

***

مانشيت/ 4 تأثير ثقافة المشرق

 

اثر الثقافة المشرقية على الاندلس واوربا

         ان تأثير الثقافة المشرقية على الاندلس في مجالات مختلفة وأخصها المجال الموسيقي والموشح. قد مكن الموسيقى الاندلسية بصورة عامة من بناء إسلوب خاص في الشعر والموسيقى إثَر مجيئ الموسيقار الكبير زرياب من بغداد ليجعل من مدن قرطبة واشبيلية وغرناطة وطليطلة بعدئذ مراكز اشعاع فني وثقافي. وامست جامعاتها تأوي افواجا من طلبة اوربا وافريقيا. ومنذ بداية القرن الخامس الهجري الحادي عشر الميلادي، بدأت الموسيقى العربية في قرطبة تُدرّس كمنهج رئيسي للموسيقى، وتطور الامر بصورة متزايدة خلال القرن السادس الهجري. وقد جاء التروبادور(هامش1) بالغناء اللاتيني منذ القرن التاسع الميلادي حتى وصولهم الى بلاط الفونس لوساج في نصف القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي. وكذلك جاء شباب التروفاس في النصف الثاني من القرن السادس الهجري بصفتهم حاملي الموسيقى والغناء عـلى الطريقة العربية الاندلسية.

       ان الأثر المشرقي في النوبة المغاربية لم يقتصر على النصوص الشعرية والادبية وحدها، بل إمتد ايضا الى المقامات الموسيقية المستعملة في هذه النوبة، حيث نجد انها تتفق في درجاتها وابعادها الصوتية مع نظيراتها في الموسيقى المشرقية.

 

مدارس الموسيقى الاندلسية

       ازدهرت الموسيقى الاندلسية بنشاط كبير على أيدي معلميها واساتذتها في العزف والغناء في كل مدن المغرب العربي. وبرزت منها بصورة جليَّة مدارس فاس ومراكش وتلمسان وقسنطينة وتستور والقيروان وغيرها، وفي القرن السادس الهجري / الثاني عشر الميلادي، نتعرف على اصناف المهاجرين الاندلسيين الذين توافدوا على المغرب العربي فراراً من كيد الإسبان ووجوه المعرفة الموسيقية التي حملوها معهم، ورغم أن كل المدارس في المغرب العربي متشابهة من وجوه عدة بصورة عامة، حيث تدل على وحدة الاصل. إلا أن هذه المدارس تختلف عن بعضها في بعض الامور اهمها العوامل التاريخية. فقد استقبلت تونس مهاجري اشبيلية، واستقبلت تلمسان مهاجري قرطبة، في حين استقبلت فاس مهاجري بلنسية، وكذلك كانت غرناطة تستقبل بعض المهاجرين من الاقطار العربية المغاربية. وعليه فلا عجب ان تصبح مدينة غرناطة ملتقىً لسائر اشكال ومضامين الموسيقى التي عرفتها عواصم الاندلس الاخرى. ومن ثم تنشأ بها مدرسة جديدة إسلوبها مزيج من الاساليب الاندلسية الثلاثة. وعليه نستطيع ان نلاحظ الاسباب التي أدت الى ظهور المدارس الغناسيقية في اقطار المغرب العربي. فالمدرسة التونسية واصلها اشبيلي، والمدرسة الجزائرية واصلها غرنـــاطي، والمدرسة المغربية واصلها بلنسي. واقتربت كثيرا كل من الموسيقى الاندلسية الجزائرية المعروفة بالطرب الغرناطي، وموسيقى الآلة الى بعضهما في اوساط الهواة والمحترفين. وبلغت نفوذا وانتشارا لا باس به في بعض المدن المغاربية وخاصة مدينة وجدة على الحدود المغربية الجزائرية(هامش2).

 

تسجيل هذه الموسيقى

       ان احدى الوسائل للنظر الى ظاهرة ادائية امتازت بتفاؤلاتها التعبيرية، منذ ان تم تسجيل هذه الموسيقى لاول مرة بواسطة جهاز التسجيل الصوتي في القرن العشرين. من خلال روادها الاوائل، هو أخذها على انها اهتمام اوسع مدى بالمشكلات التي كانت قد غفل عنها كبار مغنينا السابقين رغم واقعية الأسباب. اذا ما إستمرت هذه الظاهرة، فإنها قد تخفف من شعور العزلة والريبة والقلق من قضية حفظ وحماية هذا التراث الغناسيقي، الذي يسيطر على المهتمين بشؤون الموسيقى الاندلسية والمغاربية، او التراث الغناسيقي بشكل عام لكل اقطار المغرب العربي في الزمن الراهن.

     ان حسنات او سيئات، ظاهرة ادائية فنية تكنيكية(هامش3) كهذه تهمنا فقط بمقدار ما يبدو من تأثيرها على مؤدينا المعاصرين من الجيل الحاضر، خاصة وان فرص تطور الثقافة اصبحت اوسع بكثير. واذا كان هناك آثار سلبية لهذا الاتجاه الجمالي(كما يعبر عنها المعارضون التقليديون) في الأداء والتعبير والفن..! تبدو هذه الآثار بانها تنطوي على إتجاه نحو المحافظة على الأساليب القديمة او نحو إنماء تسهيلات تكنـــــيكية على حساب الموهبة والتعبير والأصالة(هامش4) الأدائية.

        ان مثل هذا التفكير هو الذي يؤدي الى الإستنتاجات المار ذكرها، أي أن مؤدينا المعاصرين في الأداء الاندلسي الذين يُفترض أن معظمهم قد تعلموا الكثير وادركوا النواحي الفنية في الغناء والموسيقى خلال حقبة تعتبر كثيفة جداً في قياس جودة التسجيلات الاندلسية التي ظهرت منتصف القرن العشرين.

      لقد كان من نتائج هذه الحقبة الإبداعية كأمر مسلَّم به، هي ان الفنان المؤدي الاندلسي قد فهم وأدرك تقنيات أدائه، حتى تسنى له ان يبدع ويترك لنا آثارا جليلة وكبيرة. وعندما تصل عملية الأداء الى هذا المستوى ليصبح الأمر الأدائي لا واعياً تماماً على وجه التقريب، فإن المعرفة التي تكون قد اصبحت جزء من الفــــنان المؤدي نفسه، تعمل على تكييف ذلك.

         وكان من نتائج هذه الحقبة الإبداعية ايضا، التي بدأت من تسجيلات الرواد الاوائل كأمر ظهر جلياً، ظاهرة الصراع الفني الجمالي بين المدارس الغناسيقية الجماعية لمدن اقطار المغرب العربي التي كانت في ذروة كلاسيكيتها(هامش5)، وكان من نتائج هذا الصراع، تطور فني وتقني لاداء هذه الموسيقى التي بشّرت بقيم جمالية جديدة وقيم فنية متطورة ومفاهيم أدائية تستحق الإهتمام والتقدير، وكان من هذه النتائج أيضاً ظهور مؤدين اندلسيين إستفادوا من هذا الصراع ولو بشكل عفوي، في تنويع أساليب ادائهم بشيء من الخصوصية المستقاة أصلاً من هذه المدارس الغناسيقية.

 

والى حلقة اخرى ان شاء الله.

 

هوامش

1 – التروبادور: تروبادور هو شاعر أو موسيقي عاش في القرون الوسطى، وكان يؤدي أدواراً أو يخصص شخصاً لتأدية هذه الأدوار منشداً أشعار ألفها عند الملوك والسلاطين في الجنوب الشرقي لفرنسا وسرقسطة في مملكة أراغون وضواحيها بالخصوص.. أصل هذا النوع الموسيقي هو أندلسي، اسم الكلمة مشتق من طرب وكلمة دور. وكانوا يعزفون الموسيقى متنقلين بين القصور، أي كانوا يدورون من قصر إلى آخر. وكان غناء التروبادور غناء جماعي تؤديه فرق جوالة رحالة تنتقل من مكان الى آخر وعادة مايكونون من طبقة النبلاء واغانيهم غالبا ما تدور حول الغزل وتمجيد الابطال ورجال السياسة .. ويذكر انه غناء متأثر او بالاحرى مأخوذ من الموشحات الاندلسية. وقد انتشر بين طبقة الاغنياء ورجال السياسة والدين فغناه الكثير من الملوك وقساوسة الكنيسة مثل الملك الانكليزي ريكاردو قلب الاسد والبابا كليمنت وغيرهم.

2 - مكالمة هاتفية اجراها المؤلف من الاردن، مع الباحث الموسيقي عبد العزيز بن عبد الجليل في المغرب يوم 8/شباط/2007

3 - التكنيك: الاداء الفني المتقن للحركة(تقنية) وغالبا ما يكون الحديث عن التكنيك والتكتيك، الذي هو الاداء الخططي لمجموعة من المهارات.

4 - الاصالة originality: امتياز الشيء على غيره بصفات جديدة صادرة عنه، وهي القدرة على الابداع والابتكار في النتاج الفني.

5 - الكلاسيكية classicism: في الكلاسيكية التقليدية يكون الميل في الادب والفن الى مراعاة الاشكال التقليدي والاصول التي استقر عليها العرف ومن شأنها الاهتمام بوضوح الفكرة وعذوبة الاسلوب وتناسق العبارات وموضوعية فكرة العمل الغنائي او الموسيقي والتركيز على توازن البناء.

 

 

صورة واحدة / من مؤتمر (في ذكرى مرور 75 عام على مؤتمر 1932 القاهرة) في اليمين الباحث الموسيقي الكبير المغربي عبد العزيز بن عبد الجليل وحسين الأعـظمي خلال المؤتمر المنعقد في القاهرة آذار 2007.